الأحد , نوفمبر 19 2017
الرئيسية / التعليم الفرصة للإنقاذ

التعليم الفرصة للإنقاذ

103

مقدمة كتاب التعليم الفرصة للإنقاذ

عندما بدأت في كتابة هذا الكتاب في بداية عام 2010، دارت في ذهني أموراً متعددة.. منها أن أي أفكار مهما كانت عظيمة فإنها تضيع من ذاكرة التاريخ إن لم يتم تنفيذها، بحيث تصبح فعلا في المجتمع، يؤثر ويتأثر به.. أو يتم توثيقها في كتاب، يعطيها الحياة لمدة أطول من الزمن.

فمازال الكتاب من وجهة نظري هو مدخل الثقافة والمعرفة الدائم، وإن اختلفت أشكال عرضه من الشكل التقليدي إلى ما تطرحه التكنولوجيا من وسائل عرض رقمية جديدة تطيل في عمره، وتزيد من أثره، وتوسع من انتشاره بل وتتيح التفاعل حول ما يعرضه من أفكار مع جمهور القراء.

إلا إنني اعترف أنه بمجرد اتخاذي قرار الكتابة، وجدت أنه قد يكون من الأفضل التوسع في عرض أفكاري لما هو أوسع من التعليم… فخبرتي المكتسبة سياسيا، وتراكم خبرتي الأكاديمية المرتبطة بالشباب في الجامعة، والخبرة المهنية كطبيب، وارتباطها بالناس والحياة، بالإضافة إلى عملي العام، جعلت التوجه نحو التوسع في الكتابة هدفا ينبع من تكرار تفاعل المجتمع الايجابي مع ما أقوله وأعرضه مباشرة، وأمام وسائل الإعلام في أحيان كثيرة، ليس فقط في مجال التعليم ولكن أيضا في نواحي الحياة السياسية كافة في مصر.

لقد كان موعد نشر هذا الكتاب محدداً له نهاية يناير 2011، فجاءت ثورة 25 يناير وجعلتنا نتأنى فى النشر لنستوعب الأحداث .. ولكنني، وبعد المراجعة، وجدت أنه قد يكون من الملائم نشر الكتاب، كما كتب في وقته، لعل محتواه وتجربتي الواضحة من خلاله تفيد الوطن في مرحلة جديدة من البناء. إنني أشعر بالأسف لاضطراري مؤقتا إلي أن أكتب عن التعليم في صيغته التقليدية في الوقت الذي يجب أن نفكر فيه بشكل أكثر حرية، ومداخل غير نمطية، ونشاط إبداعي وابتكاري يتجه إلى المستقبل. اننى أخشى أنه عندما يحين الوقت الذي نحقق فيه هذه الرؤى يكون العالم قد ترك هذا المسار واتجه إلى مستقبل جديد، بشكل جديد وأدوات جديدة؛ لذلك، فإن كتابي القادم سيركز على سياسات الابتكار والإبداع لأن التعليم هو فقط بداية الطريق وليس هدفه النهائي.

ولقد بدأت الكتاب بفصل عام عن النهضة والأمل في الإصلاح، وضعت فيه اثنتي عشر دعامة أراها لازمة لحدوث النهضة في مصر، يتخللها جميعها، ويكّون وجدانها، الثقافة والتعليم. ورأيت أن اتساع الفكرة وراء هذا الفصل، تكوِّن مقدمة للكتب الأخرى التي أنوى عرضها على الرأي العام، عن الحرية، وحقوق الإنسان، بعد هذا الكتاب عن التعليم. لذلك فإن هذا الفصل سيتم تكراره ونضوج أفكاره في بداية تلك الإصدارات عندما يأتي حينها.

وسيلحظ القارئ تأثري بالدكتور طه حسين، ورؤيته في إدارة وزارة المعارف عندما كان وزيرا لها، وبأفكاره عن التعليم في كتابة (مستقبل الثقافة في مصر)، وباستشهادي بمقولته الرائعة عن الجامعات كبناة حضارة، والتي تظل حتى الآن، حكيمة وحاكمة في رؤيتنا للتعليم العالي في مصر. يقول الدكتور طه حسين “إن الجامعة لا يتكون فيها العالم وحده، وإنما يتكون فيها الرجل المثقف المتحضر الذي لا يكفيه أن يكون مثقفا، بل يعنيه أن يكون مصدرا للثقافة، ولا يكفيه أن يكون متحضرا، بل يعنيه أن يكون منميا للحضارة، فإذا قصرت الجامعة في تحقيق خصلة من هاتين الخصلتين فليست خليقة أن تكون جامعة، وإنما هي مدرسة متواضعة من المدارس المتواضعة، وما أكثرها، وليست خليقة أن تكون مشرق النور للوطن الذي تقوم فيه، والإنسانية التي تعمل لها، وإنما هي مصنع من المصانع، يعد للإنسانية طائفة من رجال العمل، محدودة آمالهم محدودة قدرتهم على الخير والإصلاح”.

ولعل من يقرأ التاريخ المصري يكتشف بدون جهد، أننا نناقش أحيانا نفس الموضوعات، وربما بنفس الطريقة، بشكل متكرر عبر السنين، وكأننا ندور في دائرة مغلقة من الجدل حول قضايا علينا أن نحسمها، وننتقل بأنفسنا وبها إلى مستوى آخر من التفكير والانجاز. فما زلنا نناقش وكأن الزمان قد توقف، مسألة استقلال الجامعات، ومحورية دور المدرس وعضو هيئة التدريس في تطوير التعليم. ومازلنا في نفس مربع تدني مستوى تدريس اللغات وارتباط الهوية باللغة العربية، ومازلنا نتجادل حول تطبيق أولوية التعليم في مجتمع ليس له من وجهة نظري، سوى طريق واحد للتقدم هو العلم والمعرفة، ليجعل مستقبله مضيئا بإمكانات شعب عظيم، وثّق التاريخ دوره، وعلى قادة اليوم حماية مستقبله.

وتناقش الفصول الثاني والثالث والرابع، دور الجامعات كبناة حضارة، وإصلاح التعليم العالي، والبعثات الخارجية كطريق للتنوير، ويناقش الفصل الخامس الحياة الطلابية في التعليم العالي والمدارس. ولقد طرحت في الفصل الثاني وعنوانه الجامعات بناة حضارة أم مقدمو خدمة تعليمية، فلسفة قيام هذه المؤسسات حتى لا تتحول من هدف قيامها، وهو بناء الإنسان المتحضر والمنمى للحضارة إلى مقدم خدمة تعليمية، كما قال الدكتور طه حسين عام 1939. إلا أن الفصل الثالث حدد بوضوح سبعة أطر لإصلاح التعليم العالي في مصر وربطه بالمعايير العالمية وهى:

إعادة صياغة مسئوليات الدولة تجاه نظام التعليم العالي جامعاته ومعاهده.
التوسع في نظام التعليم العالي لتلبية احتياجات الطلاب الجدد وفقاً لرؤية محددة ومعلنة تشمل التعليم الفني والتدريب المهني.
إعادة تنظيم جذرية للمؤسسات التعليمية بهدف تحسين الجودة، والوصول إلى المستويات العالمية التي نختارها.
تطوير نظام متعدد ومرن يتفق واحتياجات التنمية ويتصل وينفتح على الحركات الدولية المعنية بالتحسين وتحديث طرق التدريس والبحث (العالمية والمحلية).
إجراء تحرك ضخم ومتكامل كأساس لوضع البحث العلمي ونشاطاته كمكون حياتي في مؤسسات التعليم العالي.
تنمية العلاقة الديناميكية بين مؤسسات التعليم العالي وسوق العمل.
الالتزام بالنزاهة الأكاديمية والمؤسسية، وتوضيح ذلك في بيان رسالة كل مؤسسة تعليمية بحيث ينبغي أن تعكس قيم الصدق والمساءلة والمسؤولية كقيم أساسية فضلاً عن احترام الأمانة العلمية والحرية وبالإضافة إلى مبادئ تحترم تكافؤ الفرص والتعددية.
يناقش الفصل الرابع البعثات الخارجية. وقد أوضحت فيه أن حجم الإنفاق على البعثات الخارجية لا يواكب طموحات الدولة والجامعات والمجتمع في خلق حركة تنوير، حيث أن التاريخ المصري الحديث يؤكد أن النهضة والتنوير في العهود المختلفة كانت تتوافق بشكل أو بآخر بالانفتاح على العالم وإرسال المبعوثين للتعليم والحصول على المعرفة والتبادل الثقافي.

ولقد أوضحنا في هذا الفصل رؤيتنا في وجوب أن يبعث سنويا ما لا يقل عن ثلاثة آلاف باحث ودارس إلى جامعات الدول المتقدمة لمدة عشرين عاما متتالية، حتى يتكون داخل المجتمع المصري ما يقرب من ستين ألف باحث وعالم في العقدين القادمين.

أما فيما يخص الحياة الطلابية في الفصل الخامس، فقد أنهيت هذا الفصل بالإشارة إلى أن الطلاب هم هدف التعليم، وأن تحديات التطبيق للسياسات التي تتيح لهم بناء الشخصية والمشاركة الفعالة في الحياة هى تحديات يسيرة. إنني لا أستطيع أن أغفر لأي مسئول التخاذل في تطبيق هذه السياسات، التي لا تُحّمل الموازنة العامة للدولة الكثير، وهى الحجة الدائمة لعدم التطبيق، وان تطبيق السياسات المطروحة للحياة الطلابية يحتاج فقط إلى إرادة سياسية وفهم لنفسية الشباب، وأمل واحترام وإيمان بهم.

وخُصص الفصل السادس للحديث حول الجامعات الخاصة على أساس أنها تحظى بكثير من المناقشات والانتقادات فوجدت أنه من اللازم إتاحة المعلومات حولها، وحول الدور الذي يمكن أن تقوم به في تطوير التعليم العالي ورفعته.

إننا يجب أن ننظر إلى الجامعات والمعاهد الخاصة بمفهوم علمي حيث إن تعدد واختلاف الملكية، لا يجب أن يؤثر على معايير الحكم والتقييم للمؤسسة. في كل الأحوال يجب أن تتمتع الجامعات بغض النظر عن الملكية بالاستقلال الأكاديمي، وأن تُقّيم تقيماً محايدا من هيئة ضمان الجودة والاعتماد، وأكرر إننا يجب أن ندافع عن حق الاستقلال الأكاديمي عن السلطة السياسية، أو السلطة الاقتصادية التجارية.. وهو المفهوم الذي لا يجعلنا ننظر للجامعات من مدخل الملكية، ولكن من مدخل جودة الأداء، ومدى قدرة الخريج على التكيف مع أسواق العمل، والاستمرار في التعلم.

ويناقش الفصل السابع الإطار الوطني للمؤهلات في مصر وهو إطار يحدد مستوى لكل مؤهل من المؤهلات الوطنية تبعا لمجموعة من المؤشرات المرجعية التي توضح مكونات التعلم الذي يشكله المؤهل، ويستخدم كأداة للمقارنة بين مخرجات التعلم الذي توصف عادة من خلال محتوى المعرفة والمهارة والجدارة التي يكتسبها حامل المؤهل. وتتجلى فائدة هذا الإطار فى تنظيم سوق العمل والتوفيق بين العرض والطلب، وحراك العمالة محليا ودوليا، وهو ما ينظر إليه كوسيلة لإتاحة التعلم لجميع الأفراد مدى الحياة.

ويرتبط بهذا الفصل تلك الدراسة التي قمت بها حول الأطر المشابهة في دول أوروبا ووضعتها ضمن ملاحق الكتاب، حيث أنها تحمل كثيرا من الأمور الفنية، وخشيت أن أثقل على القارئ العادي بها، ولكنى وضعتها ليستفيد منها من يشاء من الباحثين أو المسئولين في الحكومة الذين يعنيهم هذا الأمر. كما يتكامل ذلك مع ما أطرحه في الفصل الذي يليه عن التعليم الفني والتدريب المهني، في إطار منهجي واضح المعالم يضع سياسات لهذا النوع من التعليم الذي يستوعب ثلثي الشباب في سن أربعة عشر عاما، ويبني العمالة الماهرة التي يعتمد عليها الاستثمار المحلي والعالمي.

إن الفصل الثامن يناقش أيضا الفرصة المتاحة، لبرنامج تطوير التعليم الفني في مصر، والذي يموله الاتحاد الأوروبي والحكومة المصرية خوفا من انتقاله بعد انتهاء المشروع العظيم إلى فرصة ضائعة أخرى، إذا لم يتم تحويله إلى مؤسسات عاملة بنفس المنهج الذي ثبت نجاحه في أوروبا.

أما الفصل التاسع والذي خصصته للمعلم أساس التطوير، فهو يحمل هما كبيرا نظرا لما بذل من جهد عبر عشرات السنين لرفع مستوى المعلم، ورفع قيمته، إلا انه جهد لم يحقق الهدف كما يعرف الجميع. لقد وضعنا أساس إنشاء أكاديمية المعلم، وإطار تطوير كليات التربية والتي تسمى في العالم كليات التعليم School of Education، إلا أنها تواجه مثلها مثل باقي الكليات تحديات عديدة.. فعلى الرغم مما قدمه المشروع القومي لتطوير كليات التربية(1) من تجهيزات وإمكانات، واقتراح مقررات أكاديمية وتربوية موصفة وهادفة لإعداد المعلم، ونمذجة مقترحة للبنية التحتية من حيث الأقسام والشعب، وبرامج لتنمية القدرات المهنية لأعضاء هيئات التدريس، وتمويل بعض المشروعات ذات الصلة، فإنه ما زالت هناك تحديات تواجه كليات التربية على نحو خاص، لعل أبرزها: عدم التنسيق بين أساتذة المواد التخصصية والمواد التربوية في ضوء وحدة هدف إعداد المعلم الكفء القادر على تحقيق المعايير القومية للتعليم، وضعف التواصل بين الطلاب والأساتذة، وعدم الالتزام بالساعات المكتبية وغياب الإرشاد الأكاديمي، وهو ما يعانى منه التعليم العالي عموماً.

إن أي أمة عظيمة كمصر لا يمكنها أن تواجه تطوير التعليم بدون المعلم الكفء القادر، المنمي، المتفتح، المثقف، الذي يغرس قيم الحداثة والمعرفة ويبنى الشخصية ويؤكد الهوية المصرية.. فالدعوة هنا للأخذ بالمسئولية ومواجهة التحدي لا الهروب منه.

ويأتي الفصل العاشر بعنوانه “الفرص الضائعة”، والذي ترددت في وضعه بين الفصول، ثم وجدت أنه قد يكون أهم الفصول في تعريف المجتمع فرصَه الضائعة، فإذا كانت هذه سياسات الدولة التي وافقت عليها بإصرار مني، فلماذا لا يتم التنفيذ؟! ولماذا لايرى المجتمع أثرا لهذه السياسات؟ وأجد نفسي مدافعا عن عمل مؤسسي محترم قمت به مع زملاء وخبراء، وبحوث، واستطلاع للآراء ولجان استماع واجتماعات.. لكني فى نفس الوقت لا أستطيع سوى نقد الوضع الراهن والاعتراف بأن ما نعيشه ونراه من حالة التعليم لا يرتقي لمستوى آمالنا وأحلامنا، ولا يتناسب مع تاريخنا، ولايستطيع بناء مستقبلنا، إن استمر السير بهذا البطء، وإذا لم تترجم الأولويات إلى إجراءات تقوم بها الحكومة، وتحفز المجتمع إلى المشاركة فيها.

(1) المشروع القومي لتطوير كليات التربية، هو أحد المشروعات الست المندرجة تحت مظلة مشروع تطوير التعليم العالي الممول بقرض من البنك الدولي.

إن الرؤية فقط لا تصنع حضارة، فلابد من إجراءات تتم لتحويلها إلى واقع، وهى مهمة القيادة التي تلهم الناس وتحدد الطريق، وتسير عليه، وصولا إلى النتائج. لذلك قررت أن أكتب هذا الفصل، الفرص الضائعة، وهو فصلٌ يكمله الفصل الخاص بتحديات التطبيق.

إن الفرص الضائعة قد تعطى فكرة مبسطة في كيف أننا لم نطرح فقط الأفكار والسياسات، بل وضعنا إجراءات تطبيقية لها، نوقشت ووُفِق عليها من الحكومة في ذلك الوقت. إلا أنه بتغيير الحكومات تغيرت الأولويات وضاعت في الطريق فرص كانت لو طبقت في وقتها لانتقلت بنا خطوات إلى الأمام، ولو أن ما طبق منها قد طبق بلا تحريف، لزاد أثرها وتمكنت نتائجها من التأثير على المجتمع. كما أن القدرة التنافسية للمؤسسة أو الفرد تعلو، وتتحقق فقط إذا أنجزنا ما نقوله، في أسرع وقت، بأعلى كفاءة، بأقل تكلفة، وفى الوقت المناسب، وهى أربعة أمور تحدد بوضوح معيار الفرص الضائعة الذي أردت أن أظهره في هذا الفصل.

إن ما يدهشني، وما زال كذلك، هو أن هناك ما يشابه ما رصدته من بعض الفرص الضائعة في التعليم في كافة المجالات التنموية الأخرى.. وفى كل مرحلة، نظهر وكأننا نبدأ من جديد، بنفس الأسئلة، بلا ذاكرة مؤسسية للحكومة التنفيذية.. وعندي على ذلك براهين متعددة. وسيجد القارئ في نهاية هذا الفصل تسعة مشروعات تمت الموافقة عليها لتطبيق سياسات التعليم عام 2002، منها ما سقط تماما في الطريق مثل مشروع القضاء على الأمية، ومنها ما تأخر البدء فيه سنوات، أي ليس في الوقت المناسب، ومنها ما تغيرت أهدافه في الطريق.

إن مراقبتي لتحول الفكرة إلى فعل، وتحويل الإرادة إلى عمل، جعلني أطرح في فصل كامل من هذا الكتاب هو الفصل الحادي عشر، وجهة نظري في التحديات التي تقابل تنفيذ السياسات المطروحة لتطوير التعليم، وأسميته تحديات التطبيق. إنني أعلم أن طرح الرؤية ووضع السياسة يقابله عند التنفيذ العديد من المعوقات، ولكنى مؤمن أيضا أن الإرادة، والإيمان، والمثابرة والتفكير غير النمطي ودراسة تجارب الآخرين ستتيح لنا حلولا.. ومؤمن أيضا بمقولة أينشتين “أننا لا نستطيع أن نغير واقعا لا نرضاه بنفس المنهج، الذي استخدمناه في خلق هذا الواقع في البداية”. فلابد من المبادرة والمخاطرة أحيانا، وإلا فإن حتى بقاء الأمر كما هو عليه، يصبح أملا صعب التحقيق.

ولقد عددت الكثير من التحديات أخذت منها أربعة تحديات كأمثلة، أولها تحدي عدم ملائمة التمويل لسياسات التطوير، وهو الركيزة الأولى التي تعبر عن الإرادة السياسية. وثانيها تحدى تنمية مهنة التدريس باعتبار أن المدرس هو محور التطوير. وثالثها تحدى اعتبار المدرسة وحدة التطوير الأولى كما أظهرت تجارب العالم، ورابعها تحدى الانتقال إلى نمط لا مركزي في إدارة العملية التعليمية، وهو ما سيعبر بفكرة تطوير التعليم إلى مساحة أوسع من الديمقراطية والمشاركة المجتمعية، ووضعت حلولا أرى أنها ممكنة التنفيذ، وواجبة الطرح السياسي، بالرغم من المخاطر المحيطة بها نسبة إلى حالة المجتمع المصري، الذي يرغب في التغيير، ويدافع بشراسة عن بقاء الأمر كما هو عليه في نفس الوقت، إلا أنني أطرحها وأدافع عنها لأنني أرى أن منحنى حالة التعليم الحالي سيؤدى بنا إلى كارثة إنسانية في مصر، إن لم نقوم بثورة تصحيحية تعطى الأمل في تنمية الإنسان المصري.

وحيث أن كثيرين يهاجمون تعدد نظم التعليم في مصر، بعمومية في الحديث حول ضياع الهوية وانهيار اللغة العربية، فلقد رأيت أن أفرد فصلا كاملا عن تكامل نظم التعليم المختلفة في الفصل الثاني عشر، لاقتناعي بأن التخوف المشروع من ضياع الهوية بتعدد نظم التعليم لا يجب مواجهته بمحاربة النظم المختلفة، أو إغلاق المنافذ أمام التعددية، ولكن بالتأكيد على احتواء كل النظم، أيا كانت، على الأساسيات التي تحددها الدولة المصرية في اللغة العربية، والتاريخ، والتربية الوطنية والجغرافيا، في كل مرحلة تعليمية من عمر التلاميذ.

إن أيسر الأمور هي الدعوة للهدم وإغلاق المنافذ الجديدة، بدلا من البناء على فرصة متابعة التجارب العالمية على أرض مصر، والعمل الايجابي لأن تتضمن هذه النظم أساسيات الهوية الوطنية، كما نحددها نحن.. ونراجعها نحن، وكما يجب أن نطبقها نحن.

ولتتكامل الرؤية فقد تناول الفصل الثالث عشر علاقة التعليم بالمواطنة. إن المواطنة بمعناها الأساسي وهي علاقة الفرد بالوطن الذي ينتسب إليه، والتي تفرض حقوقا دستورية وواجبات منصوصا عليها، بهدف تحقيق مقاصد مشتركة ومتبادلة. والمواطنة الإيجابية لا تقتصر على مجرد دراية المواطن بحقوقه وواجباته فقط، ولكن حرصه على ممارستها من خلال شخصية مستقلة قادرة على حسم الأمور لصالح هذا الوطن. ويؤدى التطبيق المجتمعي لمفهوم المواطنة في المؤسسات كافة إلى تنمية مجموعة من القيم والمبادئ والممارسات التي تؤثر في تكوين شخصية الفرد، والتي تنعكس في سلوكه تجاه أقرانه وتجاه مؤسسات الدولة وكذلك تجاه وطنه.

ويتبقى أنني خرجت عن سمة الكتاب قليلا في الفصلين الرابع عشر والخامس عشر، حيث خصصت الأول لمكافحة الفساد في التعليم واعتبرت الدروس الخصوصية مظهرا للفساد بكل معانيه، وناقشت في هذا الفصل تعريف الفساد ومحاوره في التعليم وكيف يمكن مواجهته.

أما الأخير بعنوان الجمال والتعليم، فأردت به أن يشاركني القارئ في اتساع أفق التطوير، إننى أسعى لأن تكون فلسفة الجمال بإدراكه الخارجي والداخلي أحد أهداف التعليم، وأن يكون مدخل الفن بأشكاله المختلفة، مندمجا في رؤيتنا لتطوير الإنسان داخل المؤسسة التعليمية، إن النفس البشرية الذواقة للجمال، هي النفس القادرة على الإبداع والابتكار ورؤية ما هو جميل والبناء عليه.. فأين نحن من ذلك..!!

عزيزي القارئ إنني أضفت في الملاحق كما أوضحت، نظرة على تجربة عالمية لإطار المؤهلات في مجال التعليم العالي الأوروبي وهو فصل فني لكنى وجدته لازما، راجياً أن يثير هذا الكتاب ويستنفر المسئولين التنفيذيين على التطبيق، وأن يلهم المؤسسة التشريعية والرقابية طريقاً للمتابعة، ويحفز الجميع إلى الإصرار والمثابرة على تفيعل أولوية التعليم لأن هذا هو الأمل في النهضة.

أ  . دكتور حسام بدراوى

لقراءة وتحميل الكتاب كامل

اضغط هنا للتحميل


10356516_532551790189060_532392287_n580027_233344663455171_551192272_n

التعليقات

التعليقات