الأربعاء , أكتوبر 18 2017
الرئيسية / بقلم د حسام بدراوي / بعد 25 يناير / د حسام بدراوي يكتب في المصري اليوم: نصف الديكتاتورية ونصف الديمقراطية

د حسام بدراوي يكتب في المصري اليوم: نصف الديكتاتورية ونصف الديمقراطية

٨/ ١/ ٢٠١٧

لأنى أودّ التعلم طوال الوقت، ولأنى أحلل الماضى والحاضر لأرى المستقبل، فإننى أشارككم فلسفة النصف فى حكم البلاد.

كل نظام حاكم له مميزات وعيوب نراها ونعرفها. فالديكتاتورية فى الحكم بالرغم من عدم تأييدنا لها، لها فوائد أحيانا، والديمقراطية بالرغم من دعوتنا إليها، لها مضار أحيانا. الديكتاتورية قد تأخذ البلاد عبر مضيق التخلف أحيانا بطريق مختصر، والديمقراطية قد تجعل أغلبية الجهل تختار أسوأ ما فى المجتمع ولا تتيح اتخاذ إجراءات مهمة قد تتوافق مع أغلبية اللحظة، ولكنها قد تخدم مستقبل البلاد أكثر.

ولنأخذ نموذج مهاتير محمد فى ماليزيا، ولى كوان فو فى سنغافورة، وحكام الصين فى نهضتها الاقتصادية الجبارة، وكمال

أتاتورك فى تركيا، وأتجرأ وأقول نموذج أودلف هتلر فى ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى قبل جنون الحرب العالمية الثانية.

ولو أخذنا نماذج من منطقتنا، فعبدالناصر كان ديكتاتورا ومازال محبوه يتغنون بإنجازاته، فى مصر وخارجها، وحتى ممن قد يكونون قد تضرروا ودخلوا سجونا فى زمنه، والحبيب بورقيبة كان ديكتاتورا ولكنه نقل بلاده نقلة حضارية كبيرة أيضا فى حقوق المرأة والتعليم وغيرهما.

أغلب الديكتاتوريين انتهت فترات حكمهم إما بمصائب أو خلل ما، وقليل منهم من استدامت إصلاحاته فى بلاده.

أسطورة ماليزيا الدكتور مهاتير محمد لم يكن حاكما ديمقراطيا بالمعنى الذى ننادى به حاليا، مهاتير كان أقرب للديكتاتور العادل الذى يتخذ قرارات وطنية وسريعة وعادلة، دون النظر إلى معارضيه داخل وخارج حكومته.

مهاتير بنى الاقتصاد الماليزى بالحسم وضبط الأمن وتوفير بيئة استثمارية تشجع على النمو، وأرغم الماليزيين جميعا على أن يتحملوا بضع سنوات من التعب، حتى صارت بلادهم نمراً آسيوياً لا يقاوم على الخريطة العالمية، ولو كان مهاتير الذى ظل فى الحكم ٢٢ عاما متصلة ديمقراطيا بالمعنى الذى ننشده الآن، لما استطاع تحويل بلاده إلى ما هى عليه.

سنغافورة ظهرت فى الوجود كبلد مستقل عام ١٩٦٥ فقط، فهل كانت تستطيع أن تصل إلى ما هى عليه الآن بدون مؤسسها لى كوان فو، الذى قال: الدول تبدأ بالتعليم، وهذا ما بدأت فيه عندما تسلمت الحُكم فى دولة فقيرة جداً، اهتممت بالاقتصاد أكثر من السياسة، وبالتعليم أكثر من نظام الحكم، فبنيت المدارس والجامعات، وأرسلت الشباب إلى الخارج للتعلم، ومن ثم الاستفادة من دراساتهم لتطوير الداخل السنغافورى. استمرت سنغافورة فى تحقيق نموها الاقتصادى المتميز، فمنذ بداية عام ١٩٨٠ استطاعت أن تخفض معدل البطالة فى البلاد إلى ٣%، وارتفع الناتج المحلى الإجمالى من ٧ مليارات دولار فى عام ١٩٦٥ إلى ٨٧ مليار دولار عام ٢٠٠٠، وارتفع دخل الفرد من ٤٣٥ دولارا إلى ٣٠ ألف دولار سنوياً فى نفس الفترة الزمنية.

هل ما تم فى الصين فى العصر الحديث كان ممكنا أن يتم فى إطار ديمقراطى يسمح للتخلف بالاستمرار لأنه أغلبية، أو للجهل أن يمنع التطور التكنولوجى لأنه لا يعرفه. هل كان للصين، التى يتعدى دخلها القومى اليوم دخل الولايات المتحدة، أن تنمو وتستثمر فى إطار مساواة شكلية تجعل كل البلاد فقيرة وتقف أمام قرارات اتخذها الحزب الحاكم ما كان يستطيع أن يأخذها فى مناخ ديمقراطى غربى؟!

بالقطع لا..

كان لى كوان ديكتاتورا فى أفعال كثيرة، ولكنه قاد بلاده للرفاهة والنمو، وكان مهاتير ديكتاتورا عندما منع الأقليات المتعددة من التناحر تركيزا على التنمية، وعندما فرض تدريس التكنولوجيا والعلوم باللغة الإنجليزية رغم رفض المعارضة، وغيرها من الأمثلة.

أنا طبعا لا أدعو للديكتاتورية، ولكنى أرصد الأحداث.

هل هناك فوائد للديكتاتورية أحيانا، خصوصا فى الدول التى يعم فيها الفساد والفقر والعشوائيات والتخلف العلمى، لأنه ببساطة يمثل الأغلبية التى ستصوت ضد التغيير، وستريد بقاء الأوضاع على ما هى عليه رغم شكواها منه لأنها لا تملك الرؤية للمستقبل.

هل هناك مضار للديمقراطية، خاصة عندما تغيب سلطة القانون ويعم الجدل، وتنتهى كل مناقشة إلى لا قرار ولا توجه؟.. نعم.

فبدون تطبيق حازم للقانون لا أرى مجلسا لعمارة أو حى سكنى أو مجلس محلى أو مجلس قسم فى جامعة قادرًا على أن يأخذ قرارا ويفرضه على الآخرين، بل انقسام، وفِى الأرجح إلا قليلا، الكل يتأرجح فى النصف.

لقد رأينا زيادة فى عدد العاملين العاطلين بالدولة بعد ثورة يناير تحت ضغط الشارع ضد مصالح الأمة، ونفاقا أو خوفا من أقليات تثور أو تهدد باسم الديمقراطية.

لقد انحزنا إلى بقاء القطاع العام الخاسر بالمليارات، ورفضنا الاستثمار الداخلى والخارجى، وخلق فرص العمل تحت شعار حماية الفقراء ورقصنا فى النصف باسم الديمقراطية.

الدولة تقول: نحن نشجع القطاع الخاص، وكل من يعمل فى القطاع الخاص يعانى من تعطيل أعماله أو أخذ حقوقه، واعتبار أرباحه سرقة يستحق العقاب عليها من الإعلام.

إننا لم نقدر ولم نستطع تغيير منظومة التعليم لصالح مستقبلنا أو نمنع فساد إدارتها بدون حجج سوى صعوبة المساس بمصالح البعض أو الخوف من مواجهة المرتعشين ممن يهابون التغيير رغم شكواهم من الأمر الواقع. نحن فى النصف، نقول ولا ننفذ، ننادى بأولوية التعليم ونعوق تطويره خوفا من المساس بحقوق البعض.

هل كان مبارك يستطيع بما له من سلطات واسعة أن يقضى على العشوائيات، ويصلح حال التعليم، ويمد شبكة الرعاية الصحية، ويقضى على الفساد، ويصلح حال الأزهر الشريف بالرغم من أى معارضة؟.. بالقطع نعم.

هل كان يستطيع عبدالناصر ومن جاءوا بعده تطبيق الديمقراطية بشكل كامل وتدريجى مع إحقاق القانون بقوة وبدون انتقائية لصالح المواطنين، والتدخل عند اللزوم لعدم نفاق الشعب فى غير صالحه، حتى نستفيد من مزاياها؟.. بالقطع نعم.

ولكننا اخترنا نصف الديمقراطية التى تجعل اتخاذ أى قرار مستحيلا، فى محاولة لإرضاء الجميع، فحصلنا على غضب الكل.

لقد ارتضينا نصف الديمقراطية ونصف الديكتاتورية، فلم يصبنا خير هذه ولا ميزة تلك.

وكما قال جبران خليل جبران ببعض التصرف منى:

«لا تجالس أنصاف العشاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف فى منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل، إذا صمتّ فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت فتكلّم حتى النهاية، لا تصمت كى تتكلم، ولا تتكلم كى تصمت. إذا رضيت فعبّر عن رضاك، لا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت فعبّر عن رفضك، لأن نصف الرفض قبول.. النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها.. النصف هو ما يجعلك غريباً.

النصف هو أن تصل وألا تصل، أن تعمل وألا تعمل، أن تغيب وأن تحضر.. النصف هو أنت عندما لا تكون أنت.. لأنك لم تعرف من أنت.

نصف طريق لن يوصلك إلى أى مكان، ونصف فكرة لن تعطى لك نتيجة، النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز.. لأنك لست نصف إنسان. أنت إنسان وُجدت كى تعيش الحياة، وليس كى تعيش نصف حياة».

فهل نحن مستعدون للاختيار، وهل نحن مستعدون للحسم السياسى الذى يخدم الاقتصاد، أم نريد نصف انفتاح ونصف انغلاق..

هل نريد قطاعا خاصا قويا خالقا لفرص العمل، أم نريد قطاعا عاما تتحكم فيه الدولة وأجهزتها أم النصف من ذلك والنصف من هذا؟

هل نريد التخلص من الفقر وأن نكون أغنياء أم نريد المساواة فى الفقر لأننا فى النصف؟

هل نريد مجتمعا مدنيا قويا وجمعيات أهلية مستدامة، يساند وينمو أم نتفذلك فى قوانين تقتله فى مهده وتمنعه بحجة الأمن؟

نحن فى النصف نريد ولا نريد.

هل نحن دولة مدنية أم دولة دينية، كل ما يحدث أمامى يقول إننا فى النصف، فلا نحن دولة دينية بمعناها الكامل، ولا نحن دولة مدنية بمعناها الكامل، تمنع تدخل الدين ورجاله فى السياسة، نحن فى النصف، نحصل على تحكم الدين فى السياسة بدون إعلان ذلك، وننادى بالمواطنة وأفعالنا فيها تمييز سخيف بين المواطنين المختلفين فى الدين، ولا نقبل من يتجرأ أن يقول غير ذلك. نحن فى النصف.

هل نريد مكافأة المنتج القادر الملتزم أم محاباة الجميع وتوزيع الأرباح على من لا يكسب ومن لا يعمل ومن لا يتميز؟ نحن فى النصف.

هل نريد سياحة فعلا أم نريد سياحا نختارهم بمزاجنا ويتقبلون معاملتنا السيئة لهم حتى لو كانت بغرض حمايتهم لأننا نريدهم ولا نريدهم فى نفس الوقت.

البلد الذى يملك كنوز الأرض ويدرس تاريخه كل أطفال العالم ليكون سياحيا لا يترك نفسه فى قبضة المتسولين والمتحكمين فى أماكنه السياحية، بل يختار ولا يقف فى النصف.

هل نريد إصلاحا فى التعليم أم نفاقا لأصحاب المصالح؟

مهما حسنت النية ومهما كانت الوطنية. النصف هو الرخاوة والسيولة وعدم السير فى اتجاه، وهو يدمر كل شىء.

فلتقل الحكومة كلمتها وتعلن وتنفذ اقتصادا وتنمية، تعليما وصحة، خدمات وحقوقا وإصلاحا، تعلن ما تصبو إليه وما ستحققه، وتأخذ جانبا رغم غضب البعض، ورغم عدم موافقة البعض، ورغم عدم الحصول على أغلبية مطلقة.

ولكن لا تقف فى النصف، فلا نحصل على ميزة الديكتاتورية، بل كل خطاياها، ولا ميزة الديمقراطية، بل كل أعطالها فى اتخاذ القرارات التى يمكن أن تعبر بِنَا نفق الجهل والفقر والمرض.

النصف لا ينفع البلاد الآن.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *