الأحد , نوفمبر 19 2017
الرئيسية / انفوجراف / 12 دعامة رئيسية يمكن أن تحقق نهضة مصر التى نسعى إليها

12 دعامة رئيسية يمكن أن تحقق نهضة مصر التى نسعى إليها

النهضة والأمل في الإصلاح
12 دعامة رئيسية يمكن أن تحقق نهضة مصر التى نسعى إليها
بقلم أ. د. حسام بدراوي
المصري اليوم مايو 2010

إننى أؤمن أن هناك اثنتى عشرة دعامة رئيسية يمكن أن تؤثر فى نهضة مصر التى نسعى إليها هذه الدعامات:

الأولى: إحداث تغيير ثقافى وسلوكى فى وجدان المجتمع من بوابة التعليم،

الثانية: تخفيف سيطرة الدولة وتدخلها المباشر فى شؤون الأفراد والمؤسسات.

الثالثة: إجراء تغيير هيكلى فى الاقتصاد المصرى بهدف تحفيز النمو، واستدامته وتوازنه.

الرابعة: التخلى بصورة جذرية عن نمط التكدس المكثف للسكان فى مناطق جغرافية معينة.

الخامسة: وجوب التوقف عن التفكير السلبى الذى يدور فى حلقة الفقر الفكرى والاقتصادى.

السادسة: خلق أدوار جديدة لجميع الأطراف المعنية والفعالة فى إطار اقتناع حقيقى بالمشاركة المجتمعية.

السابعة: التطوير والابتكار وريادة الأعمال عن طريق تقدم البحث العلمى.

الثامنة: إصلاح الجهاز الإدارى فى الدولة.

التاسعة: الحفاظ على البيئة من أجل الأجيال القادمة.

العاشرة: إيجاد دور فعال لمصر فى أفريقيا والشرق الأوسط.

الحادية عشرة: تجمع المجتمع حول إلهام قومى كبير.

الثانية عشرة: القيادة الملهمة.

وأبدأ بالدعامة الأولى للنهضة، وهى إحداث تغيير ثقافى وسلوكى فى وجدان المجتمع من بوابة التعليم، لترسيخ قيم المشاركة وريادة الأعمال وزيادة القدرات التنافسية، وتأكيد القدرة على الابتكار والإبداع، وترسيخ مبادئ التسامح وقبول التعددية والديمقراطية كمنهج حياة، وتعظيم قيمة التفكير العلمى والعمل كفريق، والإحساس والإيمان بالمواطنة كأساس لتوافق فئات المجتمع.

والتعليم هو المحور الأساسى لهذه الدعامة وهو الذى يشغل قلبى ووجدانى.

أما الدعامة الثانية فهى تخفيف سيطرة الدولة وتدخلها المباشر فى شؤون الأفراد والمؤسسات، وهو أمر ندعو ونسعى إليه، ولكنه يحتاج تغييرا فى ثقافة المجتمع، الذى ما زال رغم نقده اللاذع للحكومة، وشكواه المستمرة من بيروقراطية الدولة، وانتهاكها لحقوقه أحيانا يسعى إلى تدخل نفس الدولة فى حياته وكأنه يناقض نفسه، وكأننا لم نصل بعد إلى مرحلة النضوج التى تعطى الحق فى المزيد من المشاركة من أفراد ومؤسسات المجتمع المدنية، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وهو ما يعنى مزيدا من الحرية، فى إطار احترام الشرعية والدستور.

وبغض النظر عن رأى الفرد أو المؤسسة فى الدستور، فلا بد من وجوده، ولابد من احترامه. إن احترام دستور البلاد مع الرغبة فى تعديل بعض بنوده، أو الاحتجاج على بعضها الآخر، لا يزال أفضل عشرات المرات من عدم احترام أى شرعية، وخلق حالة من الفوضى التى تؤدى إلى تداعى الكل، إذا أصر كل فرد منا أو مؤسسة على شرعيتها الخاصة بها.

ويتبقى تخفيف سيطرة الدولة فى الاقتصاد، وعدم تدخلها المباشر كمنافس فى الأسواق، بل كمنظم وراع للعدالة وتكافؤ الفرص- مسألة تحتاج إلى التأكيد وتحليل الوضع الراهن.

فبالرغم من أن القطاع الخاص يستوعب فعلا 70% من العمالة، ومسؤول فعلا عن أكثر من ذلك من الدخل القومى فمازلت أرى رغبة البعض فى العودة إلى تدخل الدولة المباشر فى ملكية قطاعات الإنتاج بدلا من الاستثمار فى البنية الأساسية، والقطاعات التى تحفز التنمية مثل التعليم، والصحة، والمواصلات العامة والطرق والصرف الصحى وغيرها من الخدمات التى قد لا يبادر القطاع الخاص إلى الاستثمار فيها فى بداية حركة التنمية.

أما ملكية وإدارة الشركات والمصانع بحجة الحفاظ على منتج أقل سعرا، فهى وهم جربناه وعايشناه ليس فقط فى مصر، ولكن فى كثير من الدول التى انتهجت تاريخياً هذا النهج.
لقد أثبتت التجربة فشل الحكومات حتى وإن ظهر غير ذلك فى المدى القصير، فى إدارة الاستثمار باسم الشعب، لقد أدت تجاربنا وتجارب غيرنا إلى خسارة الشعب كله من جراء استمرار توزيع أرباح وهمية على العمالة والموظفين.. وكأننا ندعم فئة من المجتمع على حساب المجتمع كله لإثبات نجاح النظرية بغض النظر عن النتائج.
إن دور الدولة فى إطار التغيرات التى تحدث سياسيا واقتصاديا، يجب أن يحدد، وبوضوح، فلا انسحابها الكامل أمر صحيح، ولا احتكارها كل أدوات التنمية أيضا صحيح.
وسيجد القارئ أننى فى طرحى مثلا لتطوير التعليم أضع موضوع تحديد دور الدولة فى أولويات التطوير وأناقشه، بدون قيود فلسفية ولا صورة ذهنية محددة مجتمعيا لما يجب أن يكون.
إننا يجب أن نؤمن بدور المجتمع المدنى الذى يملأ فراغا تتركه الحكومة، فى إطار فكر اقتصادى وثقافى وسياسى جديد.
فإذا لم يتحرك هذا المجتمع لملء هذا الفراغ، أو إذا عاندته الدولة وحددت مساحة حريته، فتكون وكأنها تخلق فراغا مجتمعيا يسمح بانتهاك حقوق المواطنين الذين انسحبت الدولة من وظيفة كانت تؤديها لهم، ولم تسمح فى الوقت ذاته للمجتمع بأدائها.

بل إن الدولة عليها تحفيز مؤسسات المجتمع المدنى على النشاط الذى يكمل دور الحكومة، ويحفز أيضا القطاع الخاص، الذى يحترم دوره التنموى، فى إطار مسؤوليته الاجتماعية بالإضافة إلى تحقيقه الربح لمساهميه.

كذلك فإن دور الحكومة المنظم والمراجع، والضامن للعدالة وتكافؤ الفرص، والحكم، والمطبق للقانون.. يحتاج إلى حكومات قوية لها رؤية وعليها التزامات.

إن الأسهل على الحكومات فى الدول النامية هو السيطرة والتحكم، والأصعب هو تحفيز المجتمع على المشاركة فى إطار عام دون انتقائية نرصدها، وتؤثر سلبا على حركة المجتمع المدنى.

وتشمل الدعامة الثالثة إجراء تغيير هيكلى فى الاقتصاد المصرى بهدف تحفيز النمو، واستدامته وتوازنه مع خلق فرص التشغيل، فلا يمكن للتنمية الإنسانية الوصول إلى أهدافها دون أن تتوازى مع برامجها برامج اقتصادية، تزيد من الثروة، وتفتح مجالات العمل لخريجى المؤسسات التعليمية بجميع أشكالها.

إن تحقيق النمو المتوازن والمستدام المقترن بزيادة فرص التشغيل يجب أن يقترن بإعطاء بعض الأولوية للفئات المحرومة من السكان دون التأثير على توازن موازنة الدولة، وذلك للإسراع بتحقيق معدل اقتصادى يبلغ من 7% إلى 8% فى المتوسط سنويا على مدى خمسة عشر عاما متتالية. وهو أمر يمكن تحقيقه باستدامة السياسات، وإقناع الشعب بها، واحترام فلسفتها، دون تراجع أو خروج عنها بهدف جماهيرى سياسى قصير المدى.

إن نمو الاقتصاد بشكل متوازن بهذا الشكل وهذه النسبة، من جانب آخر، أمر لا يمكن تحقيقه دون اكتمال واتساع البنية الأساسية والمرافق العامة حتى يمكن أن تستوعب هذا النمو خاصة الطرق والمواصلات والموانى والمطارات، والعدالة فى تطبيق حازم للقانون وتحفيز وتأييد المشروعات الصغيرة. وقبل كل شىء تنمية الإنسان القادر على حمل عبء وفرصة التنمية والخارج من نظام تعليم محترم، وهو مرة أخرى يؤكد على محورية التعليم.

ويجب فى هذا الإطار تحديد القطاعات التى يجب أن تقود مسارات التنمية، سواء كانت أنشطة تقليدية أو أخرى حديثة، بعضها ينتج خدمات قابلة للتداول عالميا، وأخرى تنتج سلعا وخدمات محلية، وقد تكون القاطرات الست للنمو والتى اقترحها تقرير التنمية البشرية لمصر عام 2005، قادرة على خلق فرص العمل وهى أولا: قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة عموما،

ثانيها: الصادرات الصناعية كثيفة العمالة والمهارات،

ثالثها: التصنيع الزراعى غير التقليدى والحاصلات البستانية،

رابعها: السياحة بكل ما يحيط بها من أعمال لوجيستية وفندقية وثقافية،

خامسها: تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ICT والصادرات الخدمية المرتبطة بها، وأخيرا الإسكان والتشييد الذى يستوعب أكثر من ثمانين مهنة ترتبط بتشغيل واسع للعمالة وعائد اقتصادى واجتماعى كبير.

وتؤكد الدعامة الرابعة على أهمية التخلى بصورة جذرية عن نمط التكدس المكثف للسكان فى مناطق جغرافية معينة، على طول الشريط الضيق لنهر النيل، وإعادة رسم خريطة مصر ليس فقط للحفاظ على الأراضى الزراعية، بل لأن المنطق والعلم يدعمان ذلك التوجه وهو أمر لا يحدث وحده، ولا بد للدولة أن تحفزه، وتدفع إليه.

إن المدخل الرئيسى للتحدى السكانى فى مصر، ليس فقط فى خفض نسبة نمو السكان التى تلتهم نتائج التنمية، بل فى التوزيع الجغرافى لهم، ليس بالفرض والإجبار، بل بالتحفيز والجذب، وتنمية قدراتهم بالتعليم والثقافة والرعاية الصحية الحقيقية.

بقية الدعامات بدءاً من الدعامة الخامسة: وهى وجوب التوقف عن التفكير السلبى الذى يدور فى حلقة الفقر الفكرى والاقتصادى، وعلينا كقادة للمجتمع أن نفكر إيجابيا فى رفاهة الأفراد وسعادتهم،

فلا يمكن أن تكون السياسة مجرد وعود أو مشاريع على أوراق فقط، فى النهاية إذا لم تتحقق الرفاهة، وإذا لم يسعد الشعب فقد فشل الساسة وفشلت السياسة. إننا يجب أن ندعم شرعية دولة الرفاهة من خلال إتاحة خدمات عامة عالية الجودة من أجل تحقيق العدالة والكفاءة، وهناك ثمانى خدمات عامة مهمة، تتيح الحق الدستورى للأفراد فى الحصول على فرص متكافئة، والتصدى لفقر القدرات، لابد من توافرها بجودة فى كل الأحوال.

أولاها: التعليم الشامل، عالى الجودة، وهو الأمر الذى لن أملَّ من تكراره والدعوة إليه.

وثانيتها: رعاية صحية متكاملة، لا يعتمد تقديمها على قدرات الفرد المالية ولكن احتياجه من خلال نظام مستدام التمويل، بمعايير جودة عالمية.

وثالثتها: مجموعة متكاملة من الخدمات والتحويلات النقدية للأسر التى تعانى من الفقر المدقع، لمساعدتها على الخروج من دائرة الفقر، والهدف هنا ليس دعم الفقراء، ولكن إخراجهم من دائرة الفقر ليعتمدوا على أنفسهم بعد ذلك.

ورابعتها: مساهمة الدولة فى الضمان الاجتماعى للعاملين الشباب والجدد فى المشروعات الصغيرة، وتدريبهم، لتشجيع اكتساب الصفة الرسمية لهذا النوع من النشاط الاقتصادى المهم، فى إطار تحفيز الدولة وقيادتها للمجتمع.

وخامستها: الانتهاء من تقديم خدمات المياه النقية والصرف الصحى لكل المواطنين، خلال عدد محدد من السنين.

وسادستها: خدمات النقل العام الذى يحترم آدمية الإنسان، والذى يتيح للمواطنين الاستغلال الأمثل لوقتهم، ويحقق عدالة بينهم، ويرفع من حدة السخط والغضب الذى يبدأون به يومهم وينهون به أعمالهم.

وسابعتها: ضمان حد أدنى من الدخل للمواطنين الذين يعملون، يكفل القدرة على المعيشة الكريمة، والاحترام لحقوق الإنسان، فى إطار واقع الأسعار فى السوق.

وثامنتها: كل ما سبق جنبا إلى جنب مع تحقيق ما يتماشى مع الواقع المصرى من أهداف الألفية الثمانية للمواطنين كافة، وبالذات تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وكفالة الاستدامة البيئية، وإقامة شراكة عالمية من أجل التنمية.

إن نجاح أى حكومة فى إدارة المجتمع المصرى لابد أن يرتكز على هذه الخدمات. فمهما زاد الدخل واتسعت مساحات القدرات، فسعادة الأفراد والأسر ترتبط بهذه الخدمات الرئيسية التى تجعل الحياة ممكنة، ويعطى المواطنين قاعدة للأمل فى مستقبل أكثر إشراقا.

أما الدعامة السادسة لتحقيق النهضة، ورفع سقف الأمل فى الإصلاح فهى خلق أدوار جديدة لجميع الأطراف المعنية والفعالة فى إطار اقتناع حقيقى بالمشاركة المجتمعية.

إن مسؤوليات المواطنين كافة التى ندعو إليها يجب أن تقضى على اللامبالاة الحالية لكل المواطنين، وذلك من خلال خلق بيئة تتحقق فيها مبادئ الحرية والديمقراطية واللامركزية وتتاح فيها الاختيارات وتغرس فيها مفاهيم المساءلة والشفافية من خلال أطر قانونية وأدلة للمواطنين ويتم فيها تقدير العمل الجيد بإتاحة الترقى المستند على الجدارة مع بناء نظم ملائمة للحوافز إن الإنسان فى حاجة إلى الحرية ولكن الحرية ليست مجرد نظام، وإنما هى فى الأساس مطلب روحى وقيمة أخلاقية، والإنسان فى حاجة إلى العدل ولكن العدل ليس مجرد مساواة فى الأنصبة، وإنما العدل مثل أعلى تتحقق به الفضيلة ويقوم عليه القانون. إن المشاركة المجتمعية والتطبيق الكامل للقانون، هما مفتاح تطبيق هذه الدعامة..لأنه مرة أخرى، فإن أى تطبيق لا يحترم القانون هو طريق مؤكد للفساد وضياع الفرصة.

إن إيمانى راسخ بوجود تطبيق الديمقراطية فى مصر، ولكن خبرتى السياسية أوضحت لى بجلاء أن هذا التطبيق بدون الالتزام بتحقيق العدالة، حين الاختلاف، يعنى الفوضى العارمة غير الخلاّقة.

الدعامة السابعة هى التطوير والابتكار وريادة الأعمال عن طريق تقدم البحث العلمى، حيث إن جميع التوجهات لرسم السياسات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأى دولة تستند إلى تحليل علمى للمواقف الراهنة لسياسات العلم والتكنولوجيا يتم الانطلاق منه إلى المستقبل.

فالعلم والتكنولوجيا يمثلان ملتقى لكل السياسات التى تحدد مستقبل كل أمة، وهما فى الوقت ذاته الأداة الفعالة لتحقيقها. ويبدو جليا أن الأمة التى تمتلك قاعدة علمية وتكنولوجية راسخة تكون قادرة على مواجهة التحديات من خلال تسخير كل ما هو جديد من علوم وتكنولوجيات لخدمة التنمية الشاملة.

إننى لا أشك فى تواجد وفاعلية العلماء المصريين الذين لا يمنحهم مناخ التعليم ومؤسساته مساحة الحرية المناسبة للابتكار والإبداع.. فمنهم من يبدعون وينجحون حينما يذهبون فى كل الدنيا، وأرجو أن تكون هذه الأفكار مرة أخرى واحدة من دعائم هذا التوجه بما يحتويه من أفكار وسياسات، ممكنة التطبيق شاركنى فيها علماء وباحثون ومثقفون.. بشكل مباشر وغير مباشر وسبقنى إليها مفكرون مصريون صاغوا توجهاتهم قبلى وأخذت من علمهم، واندمج فى وجدانى الكثير من أفكارهم.

إن مصر تمتلك العديد من المقومات البشرية والعقول الخلاقة فى الداخل والخارج، التى يجب أن تستثمر أحسن استثمار من خلال البحث العلمى الهادف والتطوير المستمر، وأن يكون البحث العلمى أسلوبا ومنهجا لدفع عجلة التنمية وأن تتضافر الجهود البحثية فى قطاعات التعليم والبحث العلمى مع جهود قطاعات الإنتاج والمجتمع المدنى لتحقيق هذا الهدف النبيل.

الدعامة الثامنة هى إصلاح الجهاز الإدارى فى الدولة وإحياء الأخلاقيات والقيم التى ترسخ مبادئ الأمانة والنزاهة ومحاربة الفساد ودعم الشفافية. إن مكافحة الفساد وظيفة اجتماعية تنبع أهميتها من أهمية ظاهرة الفساد الذى تتعدد جوانبه التشخيصية ما بين السياسية منها والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية والقانونية.

وهى ظاهرة جديرة بالدراسة والمواجهة، خاصة من منظور حقوق الإنسان والذى يجدر بالمجتمعات أن تفكر فى آليات مكافحته.

وتعد الآليات التى تضمن توفر الشفافية وسهولة الإفصاح عن المعلومات والبيانات والإجراءات التى تحول دون تفشى حالات الفساد بل تكافح الحالات الموجودة بالفعل سواء على المستوى العام (مؤسسات الدولة) أو مستوى مؤسسات المجتمع المدنى فى ظل الحريات المدنية والسياسية المكفولة للمواطنين فى الدساتير والتشريعات – هى الحق المكفول بطبيعة الحال فى دستور مصر والذى يؤكد عليه العديد من مواد الدستور المصرى.

إن هناك محاولات جادة نحو مراجعة نظم إدارة الموارد البشرية فى الإدارة الحكومية والأخذ بنظام اللامركزية وتحديث نظم الإدارة المالية والمراجعة وتقييم الأداء العام. وتختلف مستويات التقدم نحو تطبيق الأساليب العصرية فى الإدارة العامة، إلا أن تلك الجهود التى أراها تسير فى الطريق الصحيح تحتاج إلى إرادة سياسية وراءها وإيمان بأهميتها، ومرة أخرى تطبيق متدرج واضح المدى الزمنى لتتخلص مصر من عائق تنموى جبار، هو تخمة الجهاز الإدارى للدولة بالشكل الذى يعوق رفع مستوى تقديم الخدمات للمجتمع ويزيد من فرص الفساد فيه بل يؤدى إلى انتهاك حقوق المواطن فى علاقاته بالدولة.

بقية الدعامات بدءاً من الدعامة التاسعة وهى الحفاظ على البيئة من أجل الأجيال القادمة. إن التحديات التى تواجه مصر فى المستقبل المتوسط والبعيد، الناتجة عن التغيرات المناخية العالمية، واحتمال ارتفاع مستوى سطح البحر، وأثره على السواحل المصرية، وكذلك تحدى استخدام الطاقة، وقدر ما تأخذه من موازنة ودعم فى الوقت الحالى، تستلزم جهودا تبدأ الآن فى البحث العلمى والابتكار باستخدام الطاقات البديلة، خصوصا المنتجة من الرياح والشمس، مع توجيه كل الجهود والبحوث أيضا لاحتمال ندرة المياه فى المستقبل.

وهى كلها أمور نرى أنها من الواجب أن تكون فى أولويات رؤية الإصلاح فى الفترة الحالية. إن الحقيقة المؤلمة أن الانغماس الشديد فى مواجهة تحديات الواقع أو تكلفة مواجهة المشاكل الاقتصادية الآنية، يأخذ عقل الحكومة بعيدا عن تأكيد هذه الدعامة الأساسية والجوهرية لحماية الأجيال القادمة. إن أى قرار سياسى أو استراتيجية معلنة للدولة عليها أن تضع ذلك فى اعتبارها لزاماً وليس اختياراً.

الدعامة العاشرة هى إيجاد دور فعال لمصر فى أفريقيا والشرق الأوسط.. فلم يحدثنا التاريخ الحديث أو القديم عن نهضة لمصر، وهى منكفئة على نفسها، أو مغلقة أبوابها ونوافذها عن العالم.. إن دور مصر الريادى والتنويرى ما زلت أراه حيويا، بل دعامة من دعامات نهضتها.. وهو دور يأتى ليس من فلسفة الوساطة، ولكن من فلسفة المشاركة الإيجابية فى صنع المستقبل.

نعم مصر القوية داخليا هى مصر القوية خارجيا.. والتاريخ يعلمنا أن مصر صدّرت التنوير والثقافة فى القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.. ومصر صدّرت الثورة لكل أفريقيا والعالم العربى بعد ثورتها فى عام 52 ومصر بانتهاجها للاشتراكية نقلت تجربتها إلى الدول المحيطة بها إلا أن مصر المستقبل عليها أن تصدّر– من وجهة نظرى- الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.. إن مصر فى إطار دورها القائد.. إذا أخذت من الداخل بهذا الإصلاح السياسى.. فإننى أرى دول المنطقة ذاهبة إلى حيث تذهب مصر.. بكل أثرها وتأثيرها.

ولأنى أؤمن بالمنافسة، فلابد أن تكون لدينا استراتيجية تنافسية مع الدول التى بدأت تشكل بثقلها الاقتصادى والسياسى شكل مستقبل المنطقة.. وأقصد بها إيران وتركيا وإسرائيل.

إن على قيادة مصر دراسة حال الدول الثلاث بكل ما حدث فى إيران من نمو علمى هائل، وفى تركيا من توازن اقتصادى وسياسى وتنموى ممتاز، وما يحدث فى إسرائيل، بالرغم من الإنهاك العسكرى لها من نمو اقتصادى وعلمى وبحثى يجعلها القوة الأكثر تأثيرا الآن فى المنطقة، والتى علينا أن نتفوق عليها حضاريا واقتصاديا من مدخل العلم والثقافة.

الدعامة الحادية عشرة هى دعامة نتكلم عنها كثيراً.. دعامة تجمع المجتمع حول إلهام قومى كبير.. ليس بالحروب والقوة العسكرية بل إلهام جديد يخرج من نطاق المشاريع التى يحدث حولها اختلاف بكل ما لها وما عليها، مثل مشروع توشكى وممر التنمية من الشمال إلى الجنوب الذى يمكن بناء الحضارة على جانبيه والبحث عن أفكار جديدة.. نختار منها واحدة.. ملهمة وممكنة وتستحق التفاف الشعب حولها..

إننى لم أكن من المؤمنين بالمشاريع العملاقة التى تلهم الشعوب، لصعوبة إيجادها فى عصر تشابكت وتعددت فيه مداخل التنمية، مثلما حدث فى بناء السد العالى فى الماضى، وأعلم أن المشاريع الكبرى ذات المداخل المتعددة والأثر المجتمعى طويل المدى كالتعليم مثلا. يمكن أن تكون أولوية سياسية، وأولوية مجتمعية ولكنها لا تحقق هدف المشروع القومى، بأثره الوجدانى الملهم، كما يسعى إليه الناس والساسة والمثقفون..

إلا أننى قد وجدت مع زملاء لى طرحا عبقريا لمشروع قومى عملاق– نملك كل مدخلاته- مصرى بكل معانى الكلمة ولا يمكن أن يحدث إلا فى مصر.. ولكنى أكتفى فى هذه المقالة بالإشارة إليه دون تفصيل، إلى أن تتوفر لى كل محاوره وأدواته وإمكانات تطبيقه.. ولعل دعوتى هذه تلهم من يقرأ.. ليفكر ويشارك ويرسل إلينا ويتواصل معنا.. ونتواصل معه لفكرة جديدة قديمة.. ولكنها ممكنة.

وعندما عُرضت علىّ هذه الرؤية.. كنت وكأنى فى غرفة مظلمة أضىء النور فيها.. فرأيت حولى ما لم أكن أراه فانتعش وجدانى، وثارت أحاسيسى وساءلت نفسى: كيف لم نفكر فى ذلك من قبل؟!

إن المشروع القومى الذى أتكلم عنه هو رؤية جديدة للممر المائى الأعظم فى الكرة الأرضية، قناة السويس. لقد ارتضى العالم كله أن تمر فى هذا الممر المائى داخل مصر حوالى 75% من تجارة العالم..ارتضت كل دول العالم أن تستخدم مصر.. وتسير تجارتها من خلالها فى ممر حفره المصريون منذ مائة وستين عاما، بأيدى مواطنيه، ودافعت عنه هذه الأمة بحياة أفرادها.

ممر يحمل فى طياته فخر مصر واعتزازها بشعبها، وله تأثير معنوى جبار على نفوس كل مصرى ومصرية.. هذا الممر المائى الذى يربط الجنوب بالشمال، هو التعبير غير المسبوق عن تطبيق معنى عبقرية المكان.. ولقد ارتضينا، نحن المصريين، أن يمر العالم كله ذهابا وإيابا حاملا المواد الأولية وعائدا بالمنتجات التجارية والصناعية. ارتضينا فقط أجرا للمرور.. وسعدنا بدخل قناة السويس من هذا المورد دون أن نفكر أو نسعى للتعامل والتفاعل مع 75% من تجارة العالم التى تمر أمام أعيننا.

إن مائة وسبعين كيلو مترا طوليا ودون جهد جديد، ارتضاها العالم لتكون طريقه للتجارة العالمية، فماذا لو نظرنا إلى هذه الميزة التى لا تتواجد إلا فى مصر، بنظرة جديدة، تتيح التعامل والتفاعل والتكامل مع من يمرون خلالنا، بالصناعات المكملة، واللوجيستيات، والتكرير، وفتحنا أبواب النقل السريع من هذه المنطقة إلى جميع دول الشرق الأوسط وأفريقيا، واستطعنا من خلال هذه الميزة التنافسية أن نقلل التكلفة على كل من يمر، بتفكير خارج الصندوق لجعل هذا الطريق هو مصر الجديدة..

إن ما لدىّ من معلومات، وتصورات، تقول إن احتياجنا هو الرؤية الواضحة لزيادة الاستثمار فى مصر عن هذا الطريق فى مصر عشرات المرات.. ولنا فى هذا المشروع عودة عند انتهاء واستكمال الرؤية حوله.

وأنهى هذا الطرح بالدعامة الثانية عشرة، وهى دعامة تصنع الفرق.. لأنها الدعامة التى تبنى الأمل فى النفوس وتشحذ الهمم والطاقات، وتحقق مع الأمة ما يفوق قدراتها الحسابية المجمعة. إن الطاقة الكامنة فى الشعب المصرى عظيمة، وتجعل مجموع واحد + واحد أكثر وأوسع من اثنين.

لكنها طاقة تحتاج إلى القيادة الريادة، والثقة بين الشعب وقادته. إن كل الدعامات التى ذكرتها، التى تحتاجها مصر لنهضتها، أساسية، ولكنها تظل ذات أثر حسابى يحقق التنمية فى إطار نجاح حجمه، وهو مجموع ما تحققه تراكميا عبر السنين، ولكننى مؤمن بأن التعامل مع الشعوب لا يكون وفق هذه المعادلة، بل يتميز التعامل مع الشعوب والإنسانية باحتمالات استخراج طاقات كامنة، أؤمن أن الشعب المصرى يملكها،

فالتاريخ أكد ذلك مرارا، وهى طاقات تخرج وتزدهر، بالقيادة الملهمة، ذات الرؤية التى تحرك الوجدان، وتملأ المواطنين بالثقة فى النفس والمستقبل، وتعطى المثل بالعمل، وتنقل إيمانها بعظمة مصر وقدرتها النابعة من مواطنيها، إليهم مرة أخرى، لحفز الهمم، ورفع سقف الأحلام من مجرد القدرة على المعيشة اليومية، والتغلب على المشاكل إلى زهو وطنى مستحق، بقدرة أمة قادرة على تحقيق أكثر بكثير من مجرد المجموع الحسابى لأرقام التنمية فى جدول دراسة جدوى

بقلم أ د حسام بدراوي في المصري اليوم
مايو 2010

 

03

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *