
لا خلاف على أن الدكتور حسام بداروي من أبرز المثقفين المصريين إيمانا بالديمقراطية وقيمها وأهميتها، ليس فقط لنهضة مصر وشعبها، وإنما في تقدم الإنسانية، ولا شك لدي في أن التزامه بهذا المبدأ يجعله منفتحا لأي تناول نقدي لما يطرحه من أفكار عبر مقالاته وإسهاماته النظرية المتنوعة.
وشجعني إدراكي لهذه السجية في شخصية الرجل على مناقشة ما ذهب إليه في مقدمة مقاله المرفق، المنشور على موقع الحرية اليوم الاثنين، بخصوص شعوره بأن هناك “خيانة شخصية” تعرض لها بسبب تراجع أو تنازل الولايات المتحدة – أو كان من الأدق أن يقول الإدارة الأمريكية الحالية- عن القيم الديمقراطية بما تشمله من احترام لحقوق المواطنين وحرية التعبير، إلى الحد الذي يهدد مكانتها إذ يعتبرها الدولة الديمقراطية المثالية.
إنني شخصيًا، لا أعرف لماذا هناك أصلا دولة تستحق مثل هذا الوصف، على الأقل من زاوية منظري الديمقراطية المعاصرين الذين لاحظوا، وبحق، أن الديمقراطية في أي دولة في العالم تعاني من مد وجذر، وخلصوا من الدراسات المقارنة للتطبيقات الديمقراطية، إلى أن الديمقراطية في أي مجتمع تواجه تحديات مستمرة من قبل خصومها والمشككين في جدواها، إلى الحد الذي دفع عالم أمريكي كبير في مجال الفكر السياسي في وزن دانييل بيل، إلى تفضيل “نموذج الصين” غير الديمقراطي على نموذج الديمقراطية الليبرالية الغربية، بما في ذلك النموذج الأمريكي على أساس أن الممارسات في المجتمعات الغربية لا تضمن وصول الأشخاص الأكثر جدارة لأعلى المناصب، خلافاً، وهو الأمر الذي تضمنه آلية التصعيد في المناصب العليا التي يتبعها الحزب الشيوعي الصيني الحاكم.
إن في هذا إعادة معاصرة للمناظرة بين الفيلسوف اليوناني سقراط الذي كان مؤمناً إلى أقصى حد بالديمقراطية مهما تكن عيوبها، وبين تلميذيه أفلاطون وأرسطو ومن جاء بعدهما، الذين كانوا أقل إيماناً بالديمقراطية، خصوصاً أفلاطون في كتاب الجمهورية الذي كان معجبا بنظام إسبرطة المنتصرة على أثينا.
لقد مثلت محاكمة سقراط وإعدامه بداية للانقلاب على فكرة الديمقراطية في اليونان القديمة، وهيمن هذا الانقلاب على الفكر الغربي والعالمي لنحو ألفي عام، وتطلب من المجتمعات بذل جهود ضخمة من أجل تقدم الفكرة الديمقراطية بمعناها المباشر في اليونان القديمة، وبتطبيقاتها الدستورية والمؤسسية من خلال نظم الديمقراطية غير المباشرة، أو التمثيلية، في كثير من الدول المعاصرة لصعوبة تطبيق الديمقراطية المباشرة، خصوصاً على المستوى الوطني.
وقد لعب صعود الليبرالية دوراً رئيسياً في ترسيخ النظرية الديمقراطية وتطوير الآليات والضمانات التي تحول دون انحرافها أو إساءة استغلالها.
وعلى الرغم من وجود نظريات ديمقراطية أخرى تنطلق من مرجعيات أيديولوجية أو فلسفية مغايرة، إلا أن ما قدمته هذه النظريات من نماذج وتطبيقات ينتهك الفكرة الجوهرية للديمقراطية ويحول هذه التطبيقات إلى صور مختلفة من الاستبداد، الأمر الذي يدفعنا إلى ضرورة تحديد مفهوم الديمقراطية وما الذي يعنيه في التطبيق والممارسة، مع الحرص على الاستفادة مما تقدمه الأدبيات النظرية في هذا الصدد.
في معنى الديمقراطية ومفهومها
إن ما طرحه الدكتور حسام بدراوي يستدعي فتح نقاش عام، على الأقل على مستوى النخبة المثقفة في مصر وفي العالم العربي، خصوصاً في ظل ما نراه من أمثلة فجة في الخطاب العام بشأن الديمقراطية وجدواها في ضوء ممارسات غربية تتناقض مع القيم العامة للديمقراطية وتطبيقاتها، والتي تركز بشكل خاص على ممارسات من قبيل ازدواجية المعايير، وتبني سياسات متطرفة ومقيتة ضد المختلفين وضد المهاجرين، ووضع قوانين تستند إلى مفاهيم عنصرية، تميز بين مواطني الولايات المتحدة وغيرهم من الدول الأوروبية وبين بقية البشر، في استمرار للإرث الاستعماري و”عقيدة تفوق الرجل الأبيض”.
هذه الممارسات تتبناها بشكل متزايد القوى المحافظة في المجتمع الأمريكي، والتي يعبر عنها الحزب الجمهوري، والتيار المحافظ المهيمن على الحزب الديمقراطي، رغم توجهه الليبرالي العام.
من المهم أن نعرف في النقاش العام الراهن حول أهمية الديمقراطية وجدواها، سواء في المجتمع الأمريكي أو في المجتمعات الغربية الأخرى أو حتى في مجتمعنا، من هم خصوم الديمقراطية ومن هم حلفاؤها، مع ملاحظة أن هناك مواقف أيديولوجية تدفع المؤمنين بها إلى اتخاذ موقف رافض للديمقراطية من الأساس، وخصوصاً من الديمقراطية الليبرالية.
حقيقة، لا أميل إلى ما تم الترويج له، أمريكياً وعالمياً في فترة ما، بخصوص ما أسماه المؤلف الأمريكي الهندي الأصل، فريد زكريا، عن “الديمقراطية غير الليبرالية”.
فالديمقراطية، في تقديري، مؤسسة بالضرورة على الفلسفة الليبرالية التي تحصنها ضد فكرة “استبداد الأغلبية” التي أصَّل لها الفيلسوف الإنجليزي جون لوك.
إن أي ادعاء بوجود تطبيقات للديمقراطية لا تقوم على أساس الفلسفة الليبرالية، ينتهي في معظم الحالات إلى ممارسات وانتهاكات لمبادئ أساسية تقوم عليها الديمقراطية.
لكن الديمقراطية ليست مسألة نظرية محض، واستمرارها لا يعتمد على مدى التزام هذا النظام أو ذاك في أي دولة، بقدر ما يعتمد على إيمان راسخ لدى قطاعات واسعة من الجمهور بأي انقلاب على الديمقراطية يهدد مصالحه المباشرة، ليس الإيمان فقط، وإنما امتلاك الجمهور آليات وأدوات تمكنه من التصدي لأي محاولة للانقلاب على الديمقراطية مهما تكن المبررات التي يسقوها خصوم الديمقراطية لتبرير هذا الانقلاب، أو لتبرير عدم جدوى الديمقراطية.
حدث هذا مع إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش، ووزير العدل في إدارته الأولى جون أشكروفت (2001-2005)، اللذين حاولا استغلال هجمات 11 سبتمبر 2001، لتمرير قوانين تقيد من حريات المواطنين الأمريكيين بزعم “الحرب على الإرهاب”.
لقد واجهت مثل هذه التشريعات، ومن بينها قانون “باتريوت” معارضة متزايدة من قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي، وكانت منظمات المجتمع المدني الأمريكية، مثل “فريدم هاوس” وهيومان رايتس ووتش” وعشرات بل ومئات المنظمات والجماعات الأخرى العاملة على المستوى المحلي والأقل شهرة.
ونجح المجتمع المدني الأمريكي في إحباط هذه المحاولة الأمر الذي أجبر بوش على التراجع عن كثير من سياساته في فترة ولايته الثانية، بل كان رد فعل هذه المنظمات ومواقفها عاملا رئيسيا في فوز باراك أوباما في انتخابات عام 2008.
كذلك تصدت المؤسسات الأمريكية كحامية للقيم الديمقراطية لمحاولات الرئيس الجمهوري دونالد ترامب في فترة ولايته الأولى المرتبكة، وكان موقفها حاسما في التصدي لمحاولة أنصار محسوبين على ترامب لاقتحام الكونجرس لإفساد تصديق أعضائه على نتيجة انتخابات عام 2020 التي هزم فيها.
الخطر كامن في الآليات الديمقراطية ذاتها
هناك ثغرات في النظام الديمقراطي ذاته يسعى أعداء الديمقراطية للاستفادة منها وتوظيفها لإحداث انقلاب على النظام الديمقراطي، لكن وجود هذه الثغرات لا يسوغ بأي حال من الأحوال التنكر للديمقراطية والتخلي عنها، وإنما الانتباه لها، خصوصاً تلك الثغرات التي يسعى خصوم الديمقراطية لاستغلالها.
هذه الثغرات هي التي مكَّنت ترامب من العودة إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2024، وهي التي تمكّنه من إحداث تغييرات مؤسسية سعياًّ لتقويض النظام الديمقراطي من داخله، مستغلاً في ذلك الصلاحيات الواسعة التي يمنحها الدستور الأمريكي للرئيس وللسلطة التنفيذية، وهي الصلاحيات التي أقرها الدستور الأمريكي بغرض ضمان ألا يؤثر أي خلاف محتمل أن ينشأ بين السلطتين التشريعية، ممثلة في الكونجرس، والسلطة التشريعية التي يرأسها الرئيس الأمريكي، على المصالح الحيوية للدولة وللشعب، لكن الدستور لم يوفر من الآليات ما يحول دون إساءة استغلال هذه الصلاحيات، والتي بات واضحاً أنها قد تشكل تهديدا للنظام السياسي الأمريكي إذا ما أحسن الرئيس ترامب استغلالها بما يمكنه من التلاعب في النظام الانتخابي الراهن، مثلما حدث في انتخابات 2000، التي جاءت بجورج بوش إلى الرئاسة.
فلم يعد الرهان على النوايا يكفي، ولا الرهان على المؤسسات والتوازن بين السلطات الثلاث الذي يقره الدستور الأمريكي، وإنما الرهان مرة أخرى على وعي الجمهور الواسع وعلى تحركه عندما يدرك خطورة التهديد للنظام الديمقراطي، وهو ما تمثل في المظاهرات الضخمة التي شهدتها العديد من المدن الأمريكية الكبرى في الأشهر القليلة الماضية تحت شعار أن الديمقراطية “لا تعرف ملوكاً”، والتي يقدر عدد المشاركين فيها بنحو سبعة ملايين في أكثر من عشرة ولايات.
والتي أشار إليها الدكتور حسام بدراوي بالفعل في مقاله إلى هذه المظاهرات الاحتجاجية باعتبارها بصيص أمل يجعل مطمئنا لمستقبل الديمقراطية الأمريكية، لكن يظل الخطر قائماً ما لم يترجم هذا الحراك الجماهيري الواسع إلى تحرك مؤسسي وإصلاح تشريعي لإحباط مساعي ترامب وإدارته، خصوصاً في ضوء امتلاك ترامب قدرة على حشد جمهور مماثل دعماً لسياساته، مهما يكن الجوهر العميق الذي تعبر عنه هذه الحركة الاحتجاجية، التي تستند إلى التقاليد الراسخة للنظام الجمهوري في مواجهة الملكية، لكن هذه التقاليد وحدها لا تكفي لحماية الأسس الديمقراطية، ذلك لأن الجمهورية في ذاتها لا توفر ضمانة للديمقراطية، كما أن الملكيات الدستورية شهدت كثيراً من التجارب الديمقراطية الناجحة سواء في نموذج “وست منستر” في بريطانيا أو التطبيقات في ممالك شمال أوروبا الثلاث، السويد والنرويج والدنمرك، وفي بلجيكا وهولندا.
ربما كانت الفكرة الجوهرية في حركة الاحتجاج الأمريكية هي تصديها للفكرة الرئيسية التي ينطلق منها ترامب، وهي حقيقة وجود أزمات يعاني منها المجتمع الأمريكي، وهي ذات الفكرة التي تستخدمها أحزاب اليمين والأحزاب الشعبوية في أوروبا الغربية، والتي سبق وأن استخدمها الحزب النازي في ألمانيا والحزب الفاشي في إيطاليا وفي بلدان أوروبية أخرى على خلفية الكساد الكبير في عام 1929.
إن الأزمة وعجز المؤسسات عن إيجاد حلول عملية للمشكلات الأكثر إلحاحا للناس، هي أكثر الأجواء التي تدفع الناس إلى فقدان الثقة في الديمقراطية، والبحث عن نظم بديلة يعتقدون أنها أكثر جدوى، رغم أن الخبرة التاريخية المتراكمة بل وكثير من التجارب المعاصرة، التي تقوم على فكرة “القائد الملهم” و”القائد الضرورة” و”الزعيم المنقذ”، وهي أفكار رائجة في مجتمعنا، تثبت عكس ذلك، وأن هذه التجارب انتهت بتعميق الأزمة وانسداد الأفق وربما بكارثة كبيرة.
لكن الأهم أن مثل هذه الأفكار تشير إلى عدم وضوح الفكرة الأساسية للديمقراطية لدى الجمهور الواسع، ولدى النخبة على الأرجح.
إن التصور في مجتمعاتنا للديمقراطية تحصر الديمقراطية في “صندوق الانتخابات”، وهو تصور ناجم عن فصل الديمقراطية عن ركيزتها الفلسفية الرئيسية المتمثلة في الليبرالية.
ربما أدت ممارسة الحكم في كثير من المجتمعات الغربية، بما في ذلك المجتمع الأمريكي وغياب المقومات الأخرى للنظام الديمقراطية، وعلى رأسها ديمقراطية اتخاذ القرارات، إلى وضع شبيه، حيث التركيز على الانتخابات الحرة والنزيهة والاحتكام إلى نتيجتها، أصبحت معه الديمقراطيات الغربية محصورة في الانتخابات في ظل التلاعب بكل الضمانات الأخرى المتعلقة بالرقابة التشريعية والقانونية على أعمال الحكومة وتعطيل أشكال الرقابة الشعبية المباشرة على أعمال السلطات وما قد يحدث من تجاوزات نتيجة تمكن تيار ما من السيطرة على هذه السلطات الثلاث بما يعطل مبدأ الفصل بين السلطات.
وتشير الاحتجاجات الأخيرة في الولايات المتحدة على ما يبدو إلى بداية صحوة وانتباه لهذا الأمر، فالجيل الشاب المحتج أعلن بوضوح أن الديمقراطية ليست “طقساً” أو في قول آخر “عرساً” انتخابيًا. والتحدي الكبير الآن هو كيف يمكن ترجمة هذه الصحوة إلى منظومة وعي ومؤسسات قادرة تمكن النظام الديمقراطي الأمريكي من تصحيح أخطائه وتوفر الضمانات الضرورية لتحصين الديمقراطية بما يحافظ على العقد الاجتماعي الذي تأسست عليه التجربة الديمقراطية الأمريكية، وضمان استمرار المعني المستقر لمعنى الدولة باعتبارها “عقدًا اجتماعيًا حيًا، لا يُحبس فيه المواطن باسم الوطنية”، حسبما أشار الدكتور حسام بدراوي، وهي مسألة وثيقة الصلة بالخطاب الراهن في مصر حول المسألة الديمقراطية في علاقتها بالوطنية وبالأخطار التي تتهدد الوطن.
إن الفكرة الأساسية والمحورية في النظام الديمقراطي هي فكرة “السيادة الشعبية”، والتي تعني أن الشعب مستقل ويقرر ما فيه مصلحته العليا عبر آليات وترتيبات مؤسسية.
ولا يزعم أحد من مُنظري الديمقراطية بأنها غاية في حد ذاتها باعتبارها “النظام الأمثل” بشكل مطلق، وإنما يرون أنها أفضل نظام عرفته الشعوب لتنظيم شؤونها، ولم يتوصل المنظرون إلى هذا الاستنتاج انطلاقاً من فرضيات نظرية وإنما من واقع الدراسة المنهجية والمقارنة لنظم الحكم والإدارة وتسيير شؤون المجتمعات، كما أنهم يعترفون بأوجه قصور ووجود ثغرات وعيوب في النظام الديمقراطي وأنه في حاجة لعملية تطوير مستمرة دون إخلال بمقوماته الأساسية التي يمكن تلخيصها في عدد من النقاط أطرحها كمحاور للنقاش الموسع فيما يخص مستقبلنا الديمقراطي، لكن من الأهم بداية ملاحظة موقف الحكام العرب من ترامب، وموقف ترامب منهم، فلا يوجد رئيس أمريكي حظى بدعم هؤلاء الحكام مثل ترامب الذي يميل إلى التغاضي عن الطريقة التي تحكم بها الشعوب العربية التي لا رأي لها ولا صوت فيما يتخذ من قرارات بما في ذلك القرارات التي تمس مصالحها الحياتية المباشرة.
محاور للنقاش حول مسألة الديمقراطية
النقطة الأولى فيما يخص الديمقراطية هي الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة التي تضمن وصول الحزب أو المرشح الحاصل على العدد الأعلى من أصوات الناخبين إلى السلطة وممارسة الحكم للفترة المحددة وتنفيذ ما قدمه في برنامجه الانتخابي من تصورات تعبر عن تقديره لأولويات الانفاق العام في هذه المرحلة ولكيفية تدبير الموارد اللازمة، سواء من الضرائب أو من حفز الاستثمارات المحلية الخاصة أو من جذب الاستثمار الخارجي، أو حتى من اللجوء إلى الاقتراض من الداخل أو من مؤسسات التمويل الدولية.
ومن المفترض أن تخضع الحكومة المنتخبة في ممارسة السلطة والحكم لرقابة مستمرة من أجل ضمان عدم إساءة استخدام السلطة أو المناصب بما يخالف الأولويات التي عبر عنها البرنامج الانتخابي الذي على أساسه حصل على ثقة أغلبية الناخبين، وضمان ألا تستخدم هذه السلطة في ممارسات استبدادية تستهدف الأقلية بالمعنيين السياسي والاجتماعي.
ثمة إشكاليات مهمة في ممارسة هذه النقطة معظمها يتمحور حول فرضية الناخب الرشيد، خصوصاً في ظل ما نراه من ممارسات تستهدف التأثير على الناخب ودفعه للتصويت لصالح تيار قد يعمل ضد مصالحه المباشرة، واستغلال ميوله الدينية أو الوطنية، لكن مثل هذه الفرضية تصبح باطلة ولا محل إذا توقفنا عن حصر الديمقراطية في الصندوق وتخلينا عن فكرة “استبداد الأكثرية”، التي شكل من أشكال الحكم المطلق.
النقطة الثانية، هي نقطة الاستحقاق الديمقراطية أو مسألة “الجدارة” في ظل النظام الديمقراطي الذي يعتمد كآلية لشغل الوظائف العامة في الدولة.
هذه النقطة مطروحة بشكل خاص حول أهلية أو جدارة الرئيس ترامب بشغل منصب رئيس الولايات المتحدة.
هذه المسألة أيضا لا يجوز استخدامها كمبرر لرفض النظام الديمقراطي وتفضيل نظم أخرى غير ديمقراطية عليه، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى مفاهيم مثل ديمقراطية الحكم وديمقراطية الإدارة، والتي تترجم من خلال ترتيبات مؤسسية وإدارية تضمن تحقيق التوازن بإعمال مبدأ تكافؤ الفرص الذي يضمن تعيين الأشخاص الأكثر كفاءة في مواقعهم وترتيبات قانونية تحصنهم في ممارسة مهامهم باستقلالية عن تدخل السياسيين في المستويات التنفيذية أو التشريعية.
النقطة الثالثة، وهي مرتبطة بالنقطة الثانية من عدة وجوه، وتتمثل في فكرة الالتزام بمبدأ احترام الدستور وأحكامه، وسيادة القانون والتي تترجم إلى تطبيق القانون على الجميع دون تمييز، وهي مسألة مرتبطة بفكرة شرعية القانون والتي تعبر عن مدى اقتناع الأفراد في المجتمع بأن القوانين القائمة تعبر عن مصالح أفراده وأن الهدف منها هو تنظيم شؤون المجتمع وتنظيم العلاقة فيما بين أفراده بغض النظر عن مراكزهم الاجتماعية أو ما يتمتعون به من سلطة. وهذا المبدأ لا يتحقق إلى إذا اقتنع المواطنون في الدولة بأنه لا يوجد فوق القانون استنادا إلى نفوذ سياسي أو اجتماعي أو استناداً إلى ثروته، فالاعتماد على فكرة مشروعية القانون وحدها لا يكفي.
وهذه المسألة تستدعي إعادة نظر في كثير من التشريعات التي يراها المواطنون أن تشريعات جائرة وبالتالي لن يحترمها وسيتحايل عليها.
النقطة الرابعة والأخيرة، تتصل بمسألة ترسخ الثقافة الديمقراطية في المجتمع، وهي مسألة وثيقة الصلة باعتبارات تتعلق بالثقافة وبمستوى التعليم والوعي في المجتمع وأساليب التنشئة الاجتماعية والسياسية.
لكن لا بد هنا من تأكيد أن ممارسة الديمقراطية في أي مجتمع من المجتمعات لا تشترط بالضرورة إيمان الجميع، سواء كانوا أفراد أم قوى اجتماعية أو جماعات عقائدية بالديمقراطية أو عدم إيمانهم بها، إنما تشترط وجود ترتيبات تضمن امتثال الجميع للنظام الديمقراطي، وهذا لا يتحقق إلا من خلال أن تصبح الديمقراطية هي النظام العام الذي يسري على المجتمع.
إن وجود ثقافة ديمقراطية في المجتمع ليس شرطاً أساسياً في أن الديمقراطية هي اختيار للنخبة بشكل عام وللنخبة المتحكمة على وجه الخصوص، وأن هذا الاختيار لا يتحقق إلا في ظل وجود نخبة تؤمن بأن الديمقراطية هي التي تضع أسس وركائز تحقق استقرار المجتمع على المديين المتوسط والبعيد، وأن تكون قادرة على التعامل مع المخاطر التي ينطوي عليها الانتقال إلى الديمقراطية على المدى القصير، وهي مخاطر قائمة بالضرور.



