
اتصل بي بعض الأمهات من مريضاتي ومن الجمعيات الأهلية التي أرعاها متأثرين سلبا بموعد بطوله لرياضة يحبها أولادهم قرر اتحاد اللعبة (كما قيل لي) موعدها يوم وساعة احتفالهم العائلي بالعيد مما سيحرم أولادهم من الممارسة والتنافس.
بحثت وتأكدت فعلا، وقررت الكتابة لأن القضية ليست مجرد موعد بطولة رياضية، ولا تتعلق بلعبة الجمباز أو جدول مسابقات مزدحم، القضية أعمق من ذلك بكثير، لأنها تمس جوهر فكرة الدولة المدنية، وكيفية إدارة المجال العام في مجتمع متنوع دينيًا وثقافيًا.
تحديد موعد بطولة الجمهورية لجمباز الترامبولين (موسم ٢٠٢٥/٢٠٢٦ – مرحلة عشر سنوات) مساء ليلة عيد الميلاد المجيد، الموافق السادس من يناير، وفي توقيت ممارسة الشعائر الدينية، يفتح سؤالًا مشروعًا لا يتعلق بالنية، بل بالأثر.
الزمن ليس محايدًا دائمًا، ففي الفلسفة السياسية، لا يُنظر إلى الزمن باعتباره أرقامًا على تقويم، بل بوصفه حاملًا للمعنى.
فهناك أزمنة دنيوية، وأخرى رمزية، وحين تختار مؤسسة عامة زمنًا مقدسًا لدى فئة من المواطنين، ثم لا تراعي أثر ذلك الاختيار عليهم، فإنها —حتى دون قصد— تُنتج شكلًا من الإقصاء العملي.
اللاعب أو اللاعبة القبطية المسيحية في هذا العمر لا يُمنح خيارًا حقيقيًا: إما المشاركة في بطولة وطنية، أو الالتزام بشعيرة دينية وعائلية معترف بها رسميًا، وهنا ينهار مفهوم تكافؤ الفرص.
الدستور المصري لم يكتفِ بإعلان مبادئ عامة، بل وضع أسسًا واضحة للمواطنة المتساوية:
المادة (64): حرية الاعتقاد مطلقة، وتكفل الدولة حرية ممارسة الشعائر الدينية، هذه الحماية لا تقتصر على السماح الشكلي، بل تمتد إلى عدم اتخاذ قرارات عامة تُقيّد هذه الحرية عمليًا.
المساواة ورفض التمييز غير المباشر
المادة (53): المواطنون لدى القانون سواء، لا تمييز بينهم بسبب الدين، التمييز هنا لا يُشترط أن يكون مقصودًا، بل يُقاس بنتيجته الواقعية.
والنتيجة في هذه الحالة واضحة: حرمان فعلي للأطفال الأقباط المسيحيين من المشاركة، لا لسبب فني أو تنظيمي، بل لسبب ديني.
تكافؤ الفرص ليس شعارًا
المادة (9): تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز، تكافؤ الفرص لا يعني فتح الباب للجميع في وقت واحد، بل يعني إزالة العوائق التي تجعل الدخول ممكنًا للبعض ومستحيلًا لآخرين.
الرياضة كحق دستوري
المادة (84): الرياضة حق للجميع، وتلتزم الدولة برعاية الموهوبين، والرياضة بوصفها حقًا تربويًا، يجب أن تكون مجال دمج لا إقصاء،ومساحة عدل لا اختبار ولاء ديني.
الحقوق لا تُنتقص بالتنظيم
المادة (92): الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلًا ولا انتقاصًا.
ولا يجوز لأي تنظيم إداري—مهما بدا بسيطًا—أن ينتقص من هذه الحقوق تحت ستار “الجدول” أو “الضرورة”، هذا المقال ليس اتهامًا، بل دعوة صريحة لإعادة التفكير.
احترام الأعياد الدينية ليس مجاملة اجتماعية، بل تطبيق عملي للدستور وروح المواطنة، وتعديل موعد بطولة لا يُضعف مؤسسة، بل يُعزز ثقتها،رويؤكد أن الدولة قادرة على تصحيح قراراتها حين تتعارض —ولو دون قصد— مع العدالة.
فالرياضة التي نريدها لأبنائنا يجب أن تعلّمهم الفوز لكن قبل ذلك، تعلمهم العدل.

