
النيوليبرالية والاشتراكية والليبرالية الاجتماعية… قراءة نقدية في ضوء التجربة المصرية
منذ نهاية القرن العشرين، أصبح الصراع الفكري والاقتصادي في العالم يدور حول سؤال جوهري: من الذي يجب أن يقود المجتمع… السوق أم الدولة؟
تُقدّم النيوليبرالية إجابة واضحة: السوق هو الحل.
وترد الاشتراكية التقليدية بإجابة مضادة: الدولة هي الحل.
لكن بين هذين النقيضين، تبرز الليبرالية الاجتماعية كخيار ثالث، أكثر نضجًا وإنسانية، يجعل الإنسان هو الهدف، والسوق والدولة أدوات في خدمته.
في مصر، حيث خاضت الدولة تجارب متعاقبة من الاشتراكية إلى النيوليبرالية، تبرز الحاجة اليوم إلى إعادة التفكير في الطريق الثالث القادر على تحقيق التوازن، والحفاظ على العدالة دون تدمير الحوافز، وحماية الفقراء دون خنق الاستثمار.
أولًا: النيوليبرالية… حين يتحول السوق إلى عقيدة
تنطلق النيوليبرالية من أربع ركائز:
1. تقليص دور الدولة،
2. الخصخصة،
3. تحرير الأسعار،
4. خفض الضرائب على رأس المال.
بدأت هذه الفلسفة مع ريغان وتاتشر، ثم صارت أجندة المؤسسات الدولية. ومع مرور الوقت، أصبح السوق مركز العالم: حيث التعليم سلعة، و الصحة خدمة باهظة التكاليف ، و الجامعة مشروعًا استثماريًا، والمواطن مستهلكًا أكثر منه شريكًا اجتماعيًا.
في هذا المناخ، يصبح النجاح مسؤولية فردية، والفشل ذنبًا شخصيًا، حتى وإن كان سبب الفشل هيكليًا لا فرديًا.
ثانيًا: التجربة المصرية… النيوليبرالية بين الإصلاح والتكلفة
طبّقت مصر سياسات نيوليبرالية متفاوتة منذ منتصف التسعينيات، ثم ازدادت حدتها بعد 2016. صحيح أن هناك إنجازات في البنية التحتية وجذب الاستثمارات، لكن التكلفة الاجتماعية كانت مرتفعة.
شهدت مصر موجات متتابعة من بيع الشركات العامة. وعلى الرغم من الوعود بالكفاءة والاستثمار، إلا أن الواقع كان: تسريحًا واسعًا للعمال، تداعي صناعات وطنية، انحسار الطبقة الوسطى، وتحول آلاف الأسر إلى الاقتصاد غير الرسمي.
تحول التعليم العالي إلى مجال استثماري، فارتفعت المصروفات الجامعية على نحو يفصل أبناء الفقراء عن المستقبل، وتراجعت الجامعات الحكومية تحت وطأة ضعف التمويل واتجهت الدولة اليً منافسة القطاع الخاص.
رغم جهود التأمين الصحي الشامل، ما زالت تكلفة العلاج تشكل عبئًا ضخمًا على الأسر، وتنامى القطاع الطبي الخاص كقطاع ربحي عالي الهامش.
تحرير الأسعار—دون حماية اجتماعية قوية—أدى إلى موجات تضخّم مستمرة، تآكلت معها القدرة الشرائية للمواطنين.
النيوليبرالية خلقت مجتمعًا يواجه فيه الفرد مصيره وحده
إن نجح فبجهده، وإن سقط فعليه أن يتحمل وحده.
في مجتمع ضخم مثل مصر، لا يمكن ترك ملايين الشباب بلا حماية أو أمل أو مسار واضح نحو تحسين المعيشة.
كما أخطأت النيوليبرالية في تأليه السوق، أخطأت الاشتراكية المتطرفة في تأليه الدولة.
في الستينيات، امتلكت الدولة المصرية معظم وسائل الإنتاج: البنوك، المصانع، الإعلام، التجارة الخارجية.
كانت النية وطنية ومخلصة، لكن النتيجة بمرور الوقت: تضخم بيروقراطي، ضعف الكفاءة، تراجع الابتكار، وعزوف القطاع الخاص عن الاستثمار خوفًا من منافسة غير عادلة، ثم خسائر مالية ضخمة تحملتها الدولة.
حين تساوي الدولة بين العامل المجتهد والآخر غير المنتج، ينطفئ الحافز وتتحول العدالة التي كانت تهدف لتمكين الناس، إلى معوق للتنمية وإلى “مساواة في الفقر” بدل “تكافؤ الفرص”
الاقتصاد لا يزدهر دون مخاطرة، والمخاطرة لا تحدث دون قطاع خاص قوي، والقطاع الخاص لا يزدهر إذا كانت الدولة منافسًا يملك الأرضية والقواعد والحَكم في الوقت ذاته.
العمق الفلسفي للصراع… أي نظام وأي إنسان نريد؟
وراء النيوليبرالية والاشتراكية رؤيتان متصارعتان للإنسان.
الإنسان في النيوليبرالية: رقم في ماكينة السوق تراه النيوليبرالية فردًا تنافسيًا، أنانيًّا بطبعه يُقاس بقيمته الإنتاجية، ويُترك لمصيره في سوق لا يرحم.
الإنسان في الاشتراكية المتغوّلة: ترس في ماكينة الدولة.
تراه الاشتراكية عنصرًا في الجماعة، تُذيب فرديته تحت شعار العدالة والمصلحة العامة.
ويصبح رأي الدولة هو الحقيقة المطلقة، ومصلحة الفرد فرعًا من مصلحة الدولة.
الإنسان في الليبرالية الاجتماعية التي أنتمي لفلسفتها كرامة قبل كل شيء
هنا يقف الطريق الثالث: حيث الإنسان هو مركز العقد الاجتماعي، والسوق والدولة أدوات لخدمته.
الحرية بلا عدالة فوضى، والعدالة بلا حرية قمع، والتوازن بينهما هو جوهر الليبرالية الاجتماعية.
الليبرالية الاجتماعية…هي الخيار الثالث الممكن لمصر
ما تحتاجه مصر اليوم ليس العودة للاشتراكية الشمولية، ولا الاستمرار في النيوليبرالية المتسارعة، بل صيغة توازن تحفظ: دور الدولة
• حكمًا نزيهًا لا منافسًا اقتصاديًا،
• منظمًا للسوق لا متغوّلًا عليه،
• ضامنًا للحقوق الاجتماعية الأساسية.
حرية السوق في هذا النظام يشمل
• تشجيع الاستثمار،
• دعم القطاع الخاص،
• منع الاحتكار،
• تعزيز المنافسة العادلة.
العدالة الاجتماعية هنا حق للمواطن في
• تعليم حكومي قوي،
• صحة بجودة عالية متاحة للجميع،
• سكن لائق،
• حماية للطبقة الوسطى.
بهذا التوازن، يمكن لمصر أن تبني نموذجًا اقتصاديًا واقعيًا، يعترف بحقوق الإنسان وطاقات المجتمع وضرورات التنمية في آنٍ واحد.
ختاماً ، فإن التجربة المصرية عبر نصف قرن تؤكد أن:
• الإفراط في السوق يرهق المجتمع،
• والإفراط في الدولة يرهق الاقتصاد،
• وأن الطريق الثالث—الليبرالية الاجتماعية—قادر على استعادة التوازن.
لأنها ببساطة تقول: الإنسان أولًا، والدولة شريك، والسوق أداة.
السؤال الحقيقي ليس: هل نريد دولة قوية أم سوقًا قويًا؟
بل: أي مصر نريد؟ وأي مواطن نريد أن يصنع المستقبل؟
وهنا تأتي الإجابة: نريد دولة عادلة،
وسوقًا فعّالًا، ومواطنًا قادرًا على الحلم والعمل…
ومجتمعًا لا يترك أبناءه وحدهم أمام الدولة أو السوق، بل يحميهم من الاثنين إذا تجاوَزا دورهما.
هذا هو الطريق… وهذا هو التوازن… وهذه هي مصر التي تستحق أن تُبنى.


