
أراقب ما يحدث بين إسرائيل وايران ، و يخطئ من يظن أن الحرب غاية، أو أن مشهد التفجير والدمار دليل على القوة والسيطرة. فالحرب، في أصلها، ليست إلا وسيلة لفرض الإرادة السياسية لطرف علي الآخر ، أو تأخير تنمية أمة لضمان تفوق أمة أخري.. أما من يتعامل معها كحالة انتقامية، دون مشروع أو أفق، فإنه يُعبّر عن روح بدائية لا تنتمي لأي فلسفة سياسية ناضجة.
منذ عقود، تُقدّم إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة، والضفة الغربية، وسوريا، وأخيرًا في العمق الإيراني، تحت لافتة مألوفة: “حق الدفاع عن النفس”.
لكن هذا المفهوم، الذي يُفترض أنه ركيزة القانون الدولي، تحوّل في الحالة الإسرائيلية إلى مظلة تُغطّي كل أشكال الاستخدام المفرط للقوة، وتُضفي شرعية زائفة على سياسة ممنهجة للهجوم والتوسع والهيمنة.
في غزة، تُقصف البيوت فوق ساكنيها، وتُستهدف المدارس والمستشفيات ومساجد وكنائس، تُنفّذ عمليات اغتيال يومية، بحجة منع “تهديد محتمل”.
بل تُقصف قوافل ومواقع بعيدة عن أي جبهة مباشرة وكل هذا يُغلف بخطاب: “الدفاع المشروع”.
في عالم تمزقه الصراعات، ويُحكم في كثير من الأحيان بالمزايدات والشعارات، قد يستسهل البعض تأجيج الموقف والتصعيد لاضعاف كلا الطرفين وفي المقابل قد يُساء فهم مفردة جوهرية في فن العيش المشترك وهو التسوية أو ما يُعرف في الفكر السياسي بـ Compromise
الذي قد يراه البعض ضعفًا أو تراجعًا عن الحق، بينما هي في جوهرها فضيلة واقعية تحفظ الكرامة، وتمنع الانهيار.
قد يبدو للوهلة الأولى أن القبول بجزء من الحق، أو التنازل عن جزء مما نؤمن به، أمرٌ لا يليق بمن يرفع راية المبادئ ، لكن الحياة، بما هي عليه من تعقيد وتضارب مصالح، تُرينا أن التمسك المطلق بالمثالية قد يُفقدنا كل شيء. التسوية ليست انكسارًا، بل فهمٌ عميقٌ لفلسفة الممكن.
في السياسة، كما في الحياة، لا يُقاس النصر بالتحقيق الكامل للمطالب، بل بالقدرة على حفظ ما يمكن، وتجنب ما لا يُحتمل. وحين يكون البديل عن التسوية هو الحرب، أو الانهيار، أو القطيعة الأبدية، تصبح التسوية موقفًا أخلاقيًا لا سياسيًا فقط.
ليست التسوية تخليًا عن الكرامة، بل هي أحيانًا طريق للحفاظ عليها. أن تختار عن وعي أن تأخذ ما يمكنك أن تحميه، خيرٌ من أن تطالب بكل شيء وتفقد كل شيء.
التسوية هنا ليست ضعفًا، بل شرطٌ من شروط بقاء المجتمع نفسه.
قد يكون أجمل تعريف للتسوية أنها فنّ النبلاء حين يدركون حدود الصراع، ويختارون السلام على الانكسار. هي مساحة التقاء بين القيم والواقع، بين الكرامة والحكمة، بين الحلم والممكن.
ليست كل تسوية فضيلة، ولا كل تراجع حكمة.
السؤال هنا هل يمكن لمصر أن تقوم بهذا الدور التاريخي؟؟ هذه الأيام بمبادرة تضم تركيا والسعودية .
السؤال الأخلاقي والسياسي الحاسم هو: متى تكون التسوية مقبولة؟
فالتسوية المبكرة قد تكون تسرّعًا، والمتأخرة قد تكون بلا جدوى. الحكمة هنا ليست فقط في القبول بالحل الوسط، بل في اختيار اللحظة التي لا تضيع فيها أوراق القوة، ولا تُفرض فيها الشروط من طرف علي الآخر.
هناك سؤال يثير جدلًا فلسفيًا عميقًا: هل يمكن ارتكاب فعل غير أخلاقي للوصول إلى تسوية أخلاقية؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تعتمد على المنظور الفلسفي الذي نختاره في تقييم الفعل والغاية.
من منظور النفعيين ، فإن الغاية قد تبرر الوسيلة، إذا ما أدت إلى تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. فالتفاوض مع جماعة عنيفة قد يُعد غير أخلاقي، لكن إذا كان يفضي إلى إنقاذ حياة آلاف الأبرياء، فقد يُبرَّر كفعل عقلاني وأخلاقي في مجمله.
أما من منظور أصحاب الأخلاق المبدئية ، فلا يجوز تبرير أي وسيلة غير أخلاقية مهما كانت النتيجة. الأخلاق عندهم تُقاس بالفعل ذاته، لا بنتيجته. ومن هذا المنطلق، تصبح التسوية الأخلاقية المولودة من فعل غير أخلاقي، مشوهة في جوهرها.
وفي مقاربة ثالثة، يقدم الفلاسفة البراغماتيون رؤية أكثر واقعية، يعتبرون فيها أن الأخلاق لا تنفصل عن السياق. وقد يكون ارتكاب فعل غير أخلاقي مقبولًا استثنائيًا، إذا ما كان البديل كارثة إنسانية أكبر، على أن يكون هذا الفعل مؤقتًا، ومعلنًا، وخاضعًا للمراجعة والمساءلة لاحقًا.
وهكذا، فإن الفعل غير الأخلاقي بهدف تسوية أخلاقية هو سيف ذو حدين: إن لم يكن مضطرًا ومدروسًا، قد يتحوّل إلى نفاق سياسي؛ وإن كان ضروريًا لإنقاذ الأرواح ومنع المآسي، فقد يُفهم كجزء من مأساة الاختيار الأخلاقي في عالم معقد.
الاختبار الحقيقي للأخلاق ليس حين يكون الطريق واضحًا، بل حين تكون كل الطرق متسخة… وتختار أن تلوّث يديك أقل ما يمكن.
هناك أمثلة من التاريخ أنقذت التسوية العالم… وأساء البعض فهمها ، فلا يمكن تقييم التسوية بمعزل عن سياقها التاريخي والإنساني. فالتاريخ لم يخلُ من لحظات حاسمة اختار فيها قادة عظماء التسوية بدلًا من التصعيد، فجنّبوا البشرية دمارًا محققًا.
اتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨، اختار الرئيس أنور السادات طريق التسوية بعد حرب أكتوبر، فاستعاد كامل سيناء بالحرب ثم بالتفاوض. ورغم الهجوم المستمر عليه حتى اليوم، فإن ما حققه لم تنجزه أي حرب عربية بعد حرب ٦٧. وفي المقابل، بقيت الجولان تحت الاحتلال، والضفة الغربية والقدس في استعصاء دائم باسم التمسك الكامل بالحق دون أدوات تحرير فاعلة.
إذا كانت التسوية تحفظ ما يمكن، وتمنع الإبادة، فهي خيار عقلاء يضعون حياة الناس فوق عناد المبادئ.
ليس من البطولة أن نتمسك بالحق حتى النهاية ثم نخسر كل شيء، وليس من الخيانة أن نربح ما يمكن ونترك الباب مفتوحًا لعودة الحق… لا بالدم فقط، بل بالزمن والحكمة.


