بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: من يصنع المستقبل.. التعليم ليس هدفًا بل وسيلة

هناك جملة تتكرر في كل خطط التنمية علينا ربط التعليم بسوق العملجملة مألوفة، مطمئنة، لكنها — رغم نواياها الطيبة — تخفي خطأً فلسفيًا جوهريًاأيُّ سوق عمل نقصد؟ وهل سوق العمل الذي نعرفه اليوم هو نفسه الذي ينتظر أبناءنا بعد عشر سنوات؟

سوق العمل ليس كيانًا ثابتًا؛ إنّه متقلّب، متحوّل، يعاد تشكيله كلما ظهرت تكنولوجيا، أو تغيرت بنية الاقتصاد، أو تبدلت أولويات المجتمعفكيف نربط نظامًا تعليميًا طويل الأمد… بسوق قصير العمر يتغير كل خمس سنوات وربما كل عام؟

التعليم إذا تبِع السوق تأخّر عنه، والربط التقليدي بين التعليم وسوق العمل يفترض وجود سوق واضح ومستقر يمكن رسمه على لوح، ثم تعديل المناهج لتخدمه، لكن الحقيقة أن التعليم أبطأ من سرعة التغيير الاقتصادي، وحين نربط التعليم بسوق اليوم، نكون قد ربطناه — دون أن نشعر — بسوق أمس المستقبل.

الأخطر من ذلك أننا إذا جعلنا هدف التعليم تلبية احتياجات السوق، فنحن نحول المدارس والجامعات إلى ورش تصنيع مهارات جاهزة، بينما الأسواق الحديثة تحتاج إلى عقول مبدعة قادرة على خلق وظائف جديدة، لا مجرد الاندماج في وظائف قائمة.

الهدف الجديد  هو ربط التعليم بالمعرفة.. وبمهارات التغيير …بدلًا من مطاردة سوق لا نعرف ملامحه بعد.علينا أن نربط التعليم بشيئين أكثر ثباتًا وفاعلية:

أولًاالمعرفة التي تُغيّر السوق:

المعرفة العلمية والتكنولوجية والثقافية ليست رد فعل لسوق العمل؛ هي التي تُعيد تشكيله. من يمتلك المعرفة يصبح قادرًا على ابتكار صناعات، وتحويل مسارات، وخلق أسواق جديدة بالكامل. وهذه هي القوة الفوقية التي يجب أن نبني عليهاتعليم يقود السوق… لا يتبعه.

ثانيًاالمهارات التي تُمكّن الشباب من مواكبة المستقبل:

سوق العمل القادم لن يكون ثابتًا، لكن مهارات معينة ستظل صالحة وفاعلة:

• التفكير النقدي والتحليلي
• حل المشكلات المعقدة
• القدرة على التكيّف والتعلم الذاتي المستمر
• الابتكار وريادة الأعمال
• المهارات الرقمية والتكنولوجية العميقة
• الذكاء الاجتماعي والإنساني

هذه ليست مهارات موجهة لسوق معين، بل لسياقات متغيّرة لا يمكن التنبؤ بها.

تعليم اليوم هو الذي يُصنع عليه سوق الغد وما نوده هو أن نكون دولة رائدة، لا نتحدث عن تعليم لخدمة السوق، بل عن تعليم يخلق السوق.

إن الصناعات التكنولوجية الكبرى لم تظهر لأنها كانت مطلوبة في سوق العمل،بل لأنها ظهرت أولاً في الجامعات والمعامل ومراكز الابتكار… ثم صنعت سوق عمل جديدًا بالكامل.

التعليم الذي نقدمه اليوم سيخلق العالِم، والمبتكر، والمهندس، ورائد الأعمال الذي يعيد هندسة احتياجات السوق بعد عشر سنوات، والطبيب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في خدمة المهنة والإنسانية، والعامل القادر على استخدام التكنولوچياحتى العامل البسيط والحرفي الماهر سيحتاجون إلى العلم والمعرفة لتتطور مهاراتهم في إطار منافسة قادمة مع الآلة.

تجارب النهوض الناجحة في العالم وهي أيضاً نماذج من الماضي مثل سنغافورة، كوريا الجنوبية، فنلندا، إستونيا، لم تبدأ بمطاردة السوق، بل بوضع رؤية فلسفية واضحة«أي إنسان نريد؟»، ثم صيغت المناهج والسياسات والاستثمارات تبعًا لهذه الرؤية.

كوريا في الستينيات خرّجت عشرات الآلاف من المهندسين والفيزيائيين رغم أن السوق المحلي لم يكن يستوعبهم، لكن الدولة راهنت على المستقبل فأسست سامسونغ وهيونداي لاحقًا لتستوعب هذه الكفاءات وتقود العالم. نحن اليوم نُخرج شبابًا لسوق موجود، والمطلوب أن نُخرج شبابًا يصنع سوقًا لم يوجد بعد.

على قادة الدول أن ينتبهواهدف التعليم قد تغيّر مع تغيّر نمط الحياة وسرعة التحولات الاقتصادية، لم يعد الهدف من التعليم تجهيز موظفين للسوق بل تجهيز عقول قادرة على صناعة أسواق جديدةهذه الفلسفة يجب أن تكون أساس كل إصلاح.

• لا نُعد الطالب لوظيفة؛ نُعدّه لفهم العالم المتغير.
• لا نُخرّج تابعين للسوق؛ نُخرّج صانعين للسوق.
• لا نُنتج مهارات آنية؛ نُنتج قدرات عقلية وروحية قابلة للتطوير المستمر.

المعادلة الجديدة هي التعليم لصناعة المستقبل، حين نضع هذه الرؤية في السياسات العامة، ستتغير قرارات كثيرة:

• تتغير المناهج من الحفظ إلى الإبداع.
• تتغير فلسفة التقييم من الامتحان إلى الإنجاز.
• يتغير دور المعلم من ملقّن إلى موجِّه.
• يتغير تعريف النجاح من الوظيفة إلى القدرة على التغيير.

وعندها فقط يصبح التعليم ليس تابعًا للمستقبل… بل صانعه.

إن المعرفة كما ذكرت في هذا المقال هدف متحرك ومضمونها يتهالك مع مرور الزمن، ولذلك لا بد من العمل المستمر للحصول على المعارف الجديدة حتى تستمر التنمية ويزدهر التقدم الذي تحرزه البلد، ومن هنا جاء تأكيدنا على أهمية التدريب والتعلم مدى الحياة، ويتضمن اتجاه السياسات التي أتبناها في هذا المجال وهي نشر ثقافة التعلم المستمر مدى الحياة وعدم قصر التعلم على سنوات الدراسة، ومد صلاحية الشهادات والسماح بحرية الحركة في العملية التعليمية، خروجا منها وعودة إليها.

كلما أسرع العالم في التغير، أصبح التعليم هو حجر الأساس الوحيد القادر على حفظ التوازن بين الإنسان والمستقبلوالأمم التي تربط تعليمها بسوق اليوم ستظل في ذيل الركب، أما الأمم التي تربطه بالمعرفة وبمهارات الغد… فهي التي ستقود العالم.

يا قادة العالم بذرة النهضة تحتاج تربة فلسفية عميقة كي تثمر أمة لا مجرد قوة عاملةفلا تدعوا الحسابات الآنية والبيروقراطية الرتيبة تحول رغبتكم الحميدة إلى مجرد إجراءات شكلية أو مشروعات براقة قصيرة الأجل.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى