
سؤال يدور في ذهني، جوهري وخطير، ويلامس قلقًا يعتري ضميري، وأعتقد ضمير كل من يرى بوضوح المشهد الكارثي المحيط بمصر من الداخل والخارج، حول حقيقة أن المعادلة بين النقد المسؤول، والصمت المتواطئ ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضا.
أولًا: علينا أن نعترف أن الوقائع تشير إلى أن مصر محاطة بحزام من الدول المفككة، وكل واحدة منها تمّت هندسة تفكيكها عبر الدمج بين الفشل الداخلي، والتدخل الخارجي. فالعراق وسوريا وليبيا والسودان، لم تسقط بفعل مؤامرة وتخطيط، بل أيضًا هناك من أمسك بمقاليد السلطة ولم ينجح في بناء عقد اجتماعي داخلي متماسك، وقد اعتمد على قمع، وطائفية، وإقصاء.
ومصر، اكثر ذكاءً من أنها قد تتجه إلى نفس المسار، ولو استمر التضييق على الحريات، أو خنق العقول، أو انهيار الثقة في انتخابات أو مؤسسات، وبما يصاحب ذلك من تردّي الوضع الاقتصادي، وتضخُّم الديون الخارجية والداخلية، أو احتكار السلطة التنفيذية للقرار بلا مساءلة.
ثانيًا: لا يمكن فصل الداخل عن الخارج، فالإجابة الواضحة أن الخارج يستثمر في ضعف الداخل، وكلما فشلت السلطة في بناء شرعية حقيقية، كلما أصبح النظام هشًّا، وكلما أصبح أكثر عرضة للابتزاز والتفكيك، حين تُضعف الصحافة ويُسجن المعارض ويُفرغ البرلمان من معناه، لا ينتصر الأمن، بل قد تُسحب الأرض من تحت الأقدام.
ثالثًا: وهو السؤال الجوهري كيف ننقد دون أن نخون؟ هنا تأتي أهمية التوازن الواعي، فالنقد الحقيقي ليس طعنًا في الوطن، بل حماية له، والخطر ليس في من يفضح مواطن الضعف، بل في من يموّهها أو ينكرها.
حيث يمكن للناقد أن يقول: “أنا أرى خطأ في الداخل، وأخاف أن يستغل الخارج هذا الخطأ ضدنا، فدعونا نصلحه قبل أن يُستغل”.
إذن؛ هل الأفضل هو الصمت؟ الصمت هو ما يخدم سيناريو الهزائم، لأنّه يعطي انطباعًا بأن الكارثة تحظى بالقبول، أو أنه لا بديل لها، فهو ليس حيادًا، بل تواطؤ ناعم، والبديل عن الصمت ليس الفوضى، بل الكلمة المتوازنة، الذكية، الصادقة، التي تُحمّل السلطة مسؤولياتها دون أن تُضعف الوطن أمام خصومه.
وخلاصة القول: أن الناقد الحقيقي ليس معارضًا للدولة، بل مدافعًا عنها من داخلها، وضد من يسوقها إلى الهاوية، سواء كان عدوًا خارجيًا أو محليًا، فالصوت الوطني الحقيقي ليس من يُصفّق للسلطة، بل من يحذّرها قبل أن تتصدّع، ويوقظ المجتمع قبل أن يُستنزف.
والصمت في هذه اللحظة ليس حيادًا، بل تواطؤٌ غير مقصود مع مخططات التفكيك، والنقد الواعي ضرورة بقاء؛ لا ترف نُخبة، لأن ما نحتاجه هو نقد وطني مسؤول، لا يخلط بين الوطن والسلطة، ولا يبرّر الاستبداد خوفًا من المؤامرة، ولا يدفع نحو الفوضى باسم الحرية.
إنها معادلة صعبة، لكنها ممكنة: أن تقول “لا” للحاكم، دون أن تقول “نعم” للمجهول.
فهذا لا يقلل من إنجازات تتم، ولكن التهليل للإنجاز الذي هو وظيفة الحكومة، يصبح نفاقاً؛ إذا لم تتم المحاسبة وطرح البدائل، فبين مطرقة الداخل وسندان الخارج، لسنا بلا أدوات؛ لكننا لدينا تاريخ، وعقول، وشباب، ونخب تستطيع أن تُطلق صيحة الصدق في زمن الأقنعة، فالنقد الآن ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل خيار وجودي، وعلينا أن ننقد لكي نُصلح، و نوعي الجميع أن الصمت ليس في صالح الاستقرار.


