
في العلاقات الدولية، قد تمتلك دولة ما القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر، لكن ما يمنحها النفوذ الحقيقي طويل الأمد ليس القوة وحدها، بل المصداقية. فالدول قد تخاف من القوة، لكنها لا تبني معها شراكات مستقرة إلا إذا وثقت في التزاماتها.
خلال العقود الأخيرة، أخذت صورة الولايات المتحدة في هذا المجال تتعرض لتآكل واضح. فقد أصبحت واشنطن تنسحب من اتفاقات دولية أو تعيد تفسيرها أو تتجاوزها عندما تتغير حساباتها السياسية الداخلية أو الاستراتيجية.
ففي السياسة الدولية الحديثة، لم تعد المعاهدات بالنسبة لبعض صناع القرار الأمريكيين التزامًا دائمًا، بل أداة مرحلية قابلة للإلغاء أو التعديل عندما تتغير المصلحة. وقد شهد العالم انسحابات متكررة من اتفاقات دولية، أو تجاوزًا لروحها، أو فرضًا لإجراءات أحادية تتعارض مع التفاهمات السابقة.
ظهرت الولايات المتحده بعد الحرب العالمية الثانية بوصفها أحد مهندسي النظام الدولي القائم على المؤسسات والاتفاقات. غير أن العقود الأخيرة شهدت سلسلة من الوقائع التي جعلت كثيرًا من الدول يعيد النظر في هذه الصورة.
لقد انسحبت واشنطن من عدد من الاتفاقات الدولية أو أعادت تفسيرها بصورة أحادية عندما تغيرت أولوياتها السياسية.
ومن الأمثلة المعروفة انسحابها من اتفاق باريس للمناخ، ثم عودتها إليه لاحقًا مع تغيير الإدارة، كما انسحبت من الاتفاق النووي مع إيران رغم أنه كان اتفاقًا متعدد الأطراف صادق عليه مجلس الأمن. كما شهد العالم انسحابها من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى التي كانت إحدى ركائز الاستقرار النووي منذ الحرب الباردة.
كما انسحبت من اتفاقيات التجارة الحرة التي دعت بل وأجبرت الدول علي الالتزام بها..حتي اتفاقاتها مع كندا والمكسيك والتي كانت انتصاراً دبلوماسيا وقتها انسحبت منه. ..
هذه الوقائع لا تُقرأ فقط بوصفها قرارات سياسية منفردة، بل باعتبارها جزءًا من ظاهرة أوسع هي تحول المعاهدات في السياسة الأمريكية من التزام طويل الأمد إلى أداة قابلة للمراجعة السريعة تبعًا لتغير الإدارة أو المصلحة.
هذا السلوك لا يمر دون أثر. فالثقة في العلاقات الدولية تشبه رأس المال غير المرئي؛ قد يستغرق بناؤها سنوات طويلة، لكنها قد تتآكل بسرعة عندما تتكرر حالات نقض الالتزامات.
في الفلسفة السياسية، يُعد مفهوم المصداقية أحد أهم عناصر الاستقرار الدولي. وقد كتب الواقعيون في العلاقات الدولية، مثل هانز مورغنثاو وهنري كيسنجر، أن النظام الدولي لا يقوم فقط على توازن القوة، بل أيضًا على توازن الثقة. فإذا فقدت الاتفاقات معناها، يصبح كل تفاوض مجرد محطة مؤقتة في صراع القوى
ومن هنا ظهرت لدى كثير من الدول حالة من الحذر المتزايد تجاه المفاوضات مع الولايات المتحدة. فالتفاوض يفترض حسن النية والسعي للوصول إلى تسويات مستقرة. لكن بعض التجارب التاريخية جعلت أطرافًا عدة تخشى أن تتحول المفاوضات أحيانًا إلى وسيلة لكسب الوقت بينما تُعاد صياغة موازين القوة على الأرض.
وفي عالم السياسة الواقعية، فإن الطرف الأضعف في ميزان القوة قد يجد نفسه أمام معضلة:
هل يراهن على التفاوض، أم يخشى أن يتحول هذا التفاوض إلى غطاء لإجراءات أكثر صرامة لاحقًا؟
لهذا بدأت بعض الدول تعيد التفكير في قاعدة قديمة في الدبلوماسية:
التفاوض ليس دائمًا الخيار الأكثر أمانًا، إذا غابت الثقة في الطرف الآخر.
ومع ذلك، فإن الهروب الكامل من التفاوض ليس حلًا دائمًا أيضًا، لأن البديل قد يكون التصعيد أو المواجهة المفتوحة. لكن ما يتغير اليوم هو أن الدول أصبحت تدرك أن التفاوض مع قوة عظمى فقدت جزءًا من مصداقيتها يتطلب قدرًا أعلى من الحذر والضمانات الدولية.
فالقوة وحدها قد تفرض اتفاقًا، لكنها لا تستطيع أن تفرض الثقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه على النظام الدولي اليوم هو:
هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستعيد رأس مالها المعنوي في العالم، أم أن عصر الثقة غير المشروطة في التزاماتها قد انتهى بالفعل


