
–
الحياة التي نسكنها
“في أحشاء الصمت، تُغنّي المخلوقات التي لا تُرى”
في عمق الجسد، وفي ظلال الأمعاء، تعيش حياة أخرى غير مرئية، لكنها شرط من شروط وجودنا. إننا لسنا وحدنا. فداخل كل جسد بشري، يعيش كونٌ كامل من الكائنات الدقيقة — بكتيريا، فطريات، فيروسات، وأوليات — تُشكّل ما يُعرف علميًا باسم الميكروبيوم المعوي.
إنه عالم نابض بالحياة، يتجاوز عدد خلاياه عدد خلايا الإنسان نفسه، إذ يضم ما يقدَّر بـ 40 تريليون كائن حي مجهري، تتوزع في قنواتنا الهضمية، وتشارك في وظائف لا يستطيع الجسد القيام بها بمفرده: هضم الألياف، تصنيع الفيتامينات، تنظيم المناعة، حماية بطانة الأمعاء، بل وحتى إنتاج مواد كيميائية تؤثر على الدماغ مثل السيروتونين، ما يُعرف بمحور الأمعاء–الدماغ.
ولكن، ما الذي يجعل هذه الكائنات الصغيرة أقرب إلى “سكان” وليس “غزاة”؟
إنها تعيش معنا في حالة تكافل دقيق، أشبه بعقد بيولوجي غير مكتوب، أساسه التعاون والتوازن. فهي لا تطلب منّا شيئًا سوى مناخٍ داخلي صحي، وغذاء متوازن، وبعض الهدوء. ونحن، في المقابل، لا نستطيع العيش بدونها.
إذا انتقلنا لمستوي آخر من المعرفة وسألنا أنفسنا ما هي مكونات أجسادنا؟
الجسم البشري يحتوي علي أكثر من خمسين ترليون خلية حية تتفاعل وتتكاثر وتنمو وتُستبدل في دورات حياة وكلها قادم من خلايا جزعية تستطيع التحول الي ما يحتاجه العضو داخل الجسد.
ومما تتكون كل خلية من الخمسين تريليون خلية؟؟؟ ، تتكون من جدار وسيتوبلازم وجسيمات لها وظائف محدده ، ونواه ونوية والكترونات وبروتونات ونيترونات ، التي تتكون هي الأخري من كواركات مصنوعة من شعيرات تتموج ويمكن ادراكها كماده أو طاقة ، فهي مزدوجة الوجود .
نحن في النهاية طاقة….
حوار بين الخلايا
تخيّلت خليةً صغيرةً داخل جسد إنسان، تتحدث إلى جارتها، وهي لا ترى من العالم إلا محيطها الخلوي الضيق. تتنفس، تنقسم، تؤدي وظيفتها، وتحيا ضمن تريليونات من الخلايا الأخرى. وفجأة، تكتشف هذه الخلية أنها جزء من نسيج عضوي أوسع، وأن ثمة نظامًا هائلًا يضمها: شرايين، قلب، دماغ، جسد بأكمله.
وتكتشف، بدهشة، أن هذا الجسد يتحرك، يفكر، يحب، يتألم… وأنه حيّ!
تتساءل في حيرة: كيف لم ندرِ؟
كيف لم ننتبه أننا داخل كيان حي أعظم منّا بملايين المرات؟
أليس من الممكن — بل من المحتمل — أن نكون نحن، البشر، مثل هذه الخلية…
كائنات صغيرة على سطح كوكب ضئيل، ضمن مجرة واحدة من بين مئات المليارات، داخل كيان كوني هائل حيّ… لا نُدركه بعد؟
ألا يخطر على بال الإنسان، وهو يحدّق في السماء، أن هذا الكون الجبار ليس مجرد فراغ وصخور وغبار نجمي،
بل كيان حيّ، نابض، واعٍ — ونحن جزءٌ صغير من خلاياه؟
لطالما شعرت، منذ نعومة أظفاري، أن في الكون شيئًا أعمق من مجرد المادة والطاقة. نظراتي للسماء لم تكن يومًا خالية من الأسئلة، ولم تكن علاقتي بالطبيعة علاقة مراقب ومحكوم، بل شعور داخلي بأننا ننتمي جميعًا إلى كيان واحد، حيّ، نابض، وإن خفيت علينا ملامحه.
هل نحن وحدنا الأحياء في كون صامت، أم أن لهذا الصمت روحًا؟
هل وعيُنا صُدفة، أم نافذة يطلّ بها الوجود على نفسه؟
هل نحن داخل كائن حي أكبر؟ هل الكون نفسه حي؟ وهل وعينا ما هو إلا خلية في وعي أكبر لا ندركه بعد؟
هل الكون حي وواعٍ؟
هل من الممكن أن يكون الكون حيًّا؟ وهل يمكننا أن نتخيّله واعيًا؟
سؤال يبدو في ظاهره خياليًا، وربما خارجًا عن مألوف التفكير العلمي، لكنه يرافق الإنسان منذ فجر وعيه، حين رفع عينيه إلى السماء متأملًا النجوم وسأل: من أنا؟ وما هذا الوجود الذي يحيطني؟
حوار بين التوأم داخل الرحم
قرأت ﻛﺘﺎب ﻟﻠﺪﻛﺘﻮر واﯾﻦ داﯾﺮ وأنقل ﺑﺘﺼﺮف ﻣني حواراً لجنينين ﻓﻲ رﺣﻢ أم.
ﺳﺄل أﺣﺪھﻤﺎ اﻵﺧﺮ:
“ھﻞ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﻮﺟﻮد ﺣﯿﺎة ﺑﻌﺪ اﻟﻮﻻدة؟”
ﻓﺄﺟﺎﺑﮫ اﻵﺧﺮ: رﺑﻤﺎ ﻧﺤﻦ ھﻨﺎ ﻟﻨﺘﺤﻀّﺮ ﻟﻤﺎ ﺳﻨﻜﻮن ﻋﻠﯿﮫ
“ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ. ﻻ ﺑﺪ أن ھﻨﺎك ﺷﯿﺌﺎً ﺑﻌﺪ اﻟﻮﻻدة.
ﻗﺎل اﻷول ﺑﺴﺨﺮﯾﺔ:
“ھﺮاء. ﻻ ﺗﻮﺟﺪ ﺣﯿﺎة ﺑﻌﺪ اﻟﻮﻻدة. أي ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺤﯿﺎة ﺳﯿﻜﻮن ذﻟﻚ؟”
أﺟﺎب اﻟﺜﺎﻧﻲ: ورﺑﻤﺎ ﻧﻤﺸﻲ ﺑﺄرﺟﻠﻨﺎ وﻧﺄﻛﻞ بأفوهنا ، “ﻻ أﻋﻠﻢ ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ، ﻟﻜﻦ ﺳﯿﻜﻮن ھﻨﺎك ﻧﻮر أﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﻧﺮاه ھﻨﺎ ، ورﺑﻤﺎ ﺳﺘﻜﻮن ﻟﺪﯾﻨﺎ ﺣﻮاس أﺧﺮى ﻻ ﻧﻔﮭﻤﮭﺎ اﻵن.
“رد اﻷول: “ھﺬا ﻛﻼم ﺳﺨﯿﻒ. اﻟﻤﺸﻲ ﻣﺴﺘﺤﯿﻞ. واﻷﻛﻞ ﺑﺄﻓواھﻨﺎ؟! ﻣﻀﺤﻚ! اﻟﺤﺒﻞ اﻟﺴﺮي ﯾﺰودﻧﺎ ﺑﺎﻟﻐﺬاء وﻛﻞ ﻣﺎ ﻧﺤﺘﺎﺟﮫ..
ﻟﻜﻦ اﻟﺤﺒﻞ اﻟﺴﺮي ﻗﺼﯿﺮ ﺟﺪاً، ﻟﺬا ﻓﺎﻟﺤﯿﺎة ﺑﻌﺪ اﻟﻮﻻدة ﻣﺴﺘﺤﯿﻠﺔ
أﺻﺮ اﻟﺜﺎﻧﻲ: ورﺑﻤﺎ ﻟﻦ ﻧﺤﺘﺎج للحبل
“ﻟﻜﻨﻲ أﻋﺘﻘﺪ أن ھﻨﺎك ﺷﯿﺌﺎً آﺧﺮ، ورﺑﻤﺎ ﺳﯿﻜﻮن ﻣﺨﺘﻠﻔﺎً ﻋﻤﺎ ﻧﻌﺮﻓﮫ ھﻨﺎ اﻵن.”
اﻷول:
“ﻛﻼم ﻓﺎرغ. ﺛﻢ إن ﻛﺎﻧﺖ ھﻨﺎك ﺣﯿﺎة، ﻓﻠﻤﺎذا ﻟﻢ ﯾﺮﺟﻊ أﺣﺪ ﻣﻨﮭﺎ؟ اﻟﻮﻻدة ھﻲ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﺤﯿﺎة،
وﺑﻌﺪھﺎ ﻻ ﯾﻮﺟﺪ إﻻ اﻟﻈﻼم واﻟﺼﻤﺖ واﻟﻨﺴﯿﺎن. إﻧﮭﺎ ﺗﺄﺧﺬﻧﺎ إﻟﻰ اﻟﻌﺪم.”
ﻗﺎل اﻟﺜﺎﻧﻲ ﺑﮭﺪوء:
“ﻻ أﻋﻠﻢ، ﻟﻜﻨﻲ أؤﻣﻦ ﺑﺄﻧﻨﺎ ﺳﻨﻘﺎﺑﻞ اﻷم، وﺳﺘﻌﺘﻨﻲ ﺑﻨﺎ.”
ﺿﺤﻚ اﻷول:
. إن ﻛﺎﻧﺖ اﻷم ﻣﻮﺟﻮدة، ﻓﺄﯾﻦ ھﻲ؟
“أم؟! ھﻞ ﺗﺼﺪق ﻓﻌﻼً ﺑﻮﺟﻮد أم؟ ھﺬا ﻣﺜﯿﺮ ﻟﻠﻀﺤﻚ
اﻵن؟”
“إﻧﮭﺎ ﺣﻮﻟﻨﺎ… ﻧﺤﻦ ﻣﺤﺎطﻮن ﺑﮭﺎ… ﻧﺤﻦ ﻣﻨﮭﺎ، وﻓﯿﮭﺎ ﻧﺤﯿﺎ. ﺑﺪوﻧﮭﺎ، ھﺬا اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﯿﻜﻮن أﺻﻼً.
أﺟﺎب اﻟﺜﺎﻧﻲ:
ﻗﺎل اﻷول:
“أﻧﺎ ﻻ أراھﺎ، وﻣﻦ اﻟﻤﻨﻄﻘﻲ إذن أﻧﮭﺎ ﻏﯿﺮ ﻣﻮﺟﻮدة.”
ﻓﺮد اﻟﺜﺎﻧﻲ:
“أﺣﯿﺎﻧﺎً، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺼﻤﺖ وﺗُﺮﻛّﺰ وﺗُﻨﺼﺖ، ﯾﻤﻜﻨﻚ أن ﺗﺸﻌﺮ ﺑﻮﺟﻮدھﺎ، وﯾﻤﻜﻨﻚ أن ﺗﺴﻤﻊ
ﺻﻮﺗﮭﺎ اﻟﻤﺤﺐ ﯾﻨﺎدﯾﻨﺎ ﻣﻦ ﻓﻮق.”
***
البكتيريا والكائنات الدقيقة بالتريليونات، داخل الجسد المكون من تريليونات الخلايا ونحن كبشر بالميليارات علي كوكب من مليارات المجرات وتريليونات النجوم في كون لا نهاية له.
كل شئ جزء من شئ والكل حي والكل يتكافل ليعيش غيره.
والكل مادة وطاقة في نفس الوقت والخالق فينا ونحن نعيش فيه ومنه.


