
لاحظت أنه بمرور العمر فإن كبار السن لا يحبون ولا يحزنون ولا يفرحون بنفس الحدة أو الشغف، فما علاقة السن بذلك؟
ما الذي يتغير؟؟
تلاحظ مع مرور العمر أن المشاعر لا تعود تصرخ كما كانت.
الحب أقل اندفاعًا، الحزن أقل عصفًا، والفرح أقل صخبًا.
في البداية قد تظن أن القلب قد يبرد أو أن الروح فقدت شغفها.
لكن الحقيقة قد تكون أبعد من ذلك بكثير.
أظن أن ما يتغير مع العمر ليس القدرة على الإحساس، بل علاقتنا بالإحساس.
في الشباب، نحب وكأن الحب خلاص أخير، ونحزن وكأن الفقد نهاية العالم، ونفرح وكأن اللحظة لن تتكرر.
نعيش المشاعر بكامل حدتها قبل تكرارها، ولأننا نعيش الزمن بوهم الأبدية.
ومع التجربة، تتكسر الأوهام واحدة تلو الأخرى، تتعلم أن كل شيء يمر، وأن المشاعر – مهما عظمت – لا تُخلَّد ولا تفنى.
حينها، لا تنطفئ النار بل تتحول إلى جمر دافئ، نحب دون امتلاك، ونحزن دون انهيار، ونفرح دون خوف من الزوال.
يصبح القلب أقل صخبًا، لكنه أكثر عمقًا، أقل اندفاعًا، لكنه أكثر صدقًا. نكتشف أن الدراما كانت استنزافًا، وأن بعض المشاعر كانت صراخًا لا ضرورة له.
فتبدأ دون أن تشعر في اقتصاد عاطفي حكيم، تختار ما يستحق الحزن، ومن يستحق الحب، وما يستحق أن يُمرَّ في صمت.
وتدعم هذا التحول دراسات علم النفس العصبي التي تشير إلى أن التقدم في العمر لا يضعف المشاعر بقدر ما يعيد تنظيمها. فمع الخبرة وتكرار التجارب، يصبح الدماغ أقل اندفاعًا في استجابته الانفعالية، وأكثر قدرة على التقييم والاحتواء، نقل حدّة ردود الفعل، لا لأن الإحساس قد تلاشى، بل لأن العقل تعلم أن يضع مسافة بين الشعور والانفجار به. وتشير أبحاث علم النفس الإيجابي إلى أن الإنسان مع العمر يميل إلى انتقاء ما يمنحه طمأنينة ومعنى، ويتجنب ما يستنزف طاقته العاطفية دون جدوى. وهكذا يتحول الإحساس من صرخة عابرة إلى وعي مقيم، ومن انفعال فوري إلى شعور مدار بحكمة.
الفرح لا يختفي لكنه يغيّر صوته، لا يعود يطلب تصفيقًا، ولا يفرض نفسه على العالم.
يصمت الضجيج ويصير فرحًا في مساء هادئ، أو لحظة طمأنينة بلا سبب واضح.
وحين ترى كبار السن أقل انفعالًا، فاحذر من إساءة الفهم؛ ليسوا أقل شعورًا بل أقل حاجة لإثبات شعورهم.
مع العمر لا نموت عاطفيًا، بل نتحرر من استبداد المشاعر، ونتعلم أخيرًا أن نكون معها لا أسرى لها.
ومع ذلك، لا أخفي عن نفسي هذا السؤال المقلق: هل ما نسميه نضجًا هو دومًا اختيارًا واعيًا؟
أم أن للعمر أثره الصامت، البيولوجي، الذي يخفف حدة المشاعر فعلًا، لا حكمة بل خفوته؟
ربما الحقيقة تقع في المسافة بين الأمرين.
ربما نتعلم كيف نحتوي مشاعرنا، وفي الوقت نفسه تفقد بعض المشاعر حدتها الطبيعية بفعل الزمن.
لا كخسارة، بل كتبدل في الشكل.
لست متأكدًا إن كنا نهدأ لأننا فهمنا الحياة… أم لأن الحياة أرهقت قدرتنا على الصراخ.
لكنني متأكد من شيء واحد:
أن الصمت الذي يأتي بعد الضجيج ليس دائمًا موتًا. أحيانًا يكون شكلًا آخر للحياة، أقل صخبًا وأكثر صدقًا.

