
ليس كل خلافٍ فكريٍّ خلافًا في الجوهر، ولا كل رفضٍ لفكرةٍ دليل وعي.كثيرًا ما يكون الرفض انعكاسًا لمشاعرنا.. لا لحججنا.نسمع فكرةً ما، أو نقرأ رأياً فلا نسأل: ماذا تقول؟بل نسأل – في لا وعينا –: من قالها؟فإن أحببناه، سامحنا الفكرة على عثراتها، وإن كرهناه، أعدمناها ولو كانت صادقة.وهنا، يتحوّل الحوار من بحثٍ عن الحقيقة إلى تصفية حسابات شعورية.
الفكرة كائنٌ مستقل، لا تُولد معصومة لأن صاحبها محبوب، ولا تولد فاسدة لأن قائلها مستفز.
لكننا – نحن البشر – نُقحم ذاكرتنا، وانحيازاتنا، وخيباتنا في ميزان الفكر، فنخلط ما يجب أن يُفصل.
أنا لا أؤمن بالشيوعية كنظامٍ يُطبّق على البشر، ولا أرى في تجاربها التاريخية خلاصًا للإنسان، لكنني، في لحظة صدقٍ مع العقل، لا أستطيع إنكار العمق الفلسفي في تحليل كارل ماركس للاغتراب الإنساني، ولا قدرته على كشف كيف يتحوّل الإنسان إلى أداة حين تُقدَّس المنظومات وتُنسى الكرامة.لا يمكنني التغاضي عن وصف عبقرية التعبير عن استخدام الدين في السياسة حين قال “الدين أفيون الشعوب” هل رفض التطبيق يُلغي قيمة الفكرة؟ أم أن العدل العقلي يفرض علينا أن نرفض ما نراه خطأ ونحترم ما نراه صائبًادون خوف أو تبرير؟
وكذلك الأمر مع فريدريك نيتشه. لم أُحب شخصيته، ولا استرحت إلى حدّته، ولا شاركته تمرده الصاخب.
لكن بعض أفكاره كانت كالمطرقة، لا لهدم الإيمان، بل لكسر الأصنام التي صنعها البشر بأيديهم وسمّوها إلهًا.
من خلاله، تميّز لديّ الإله الذي في أذهان العامة—إله الخوف، والعقاب، والإسقاط—عن الله المطلق في وعيي:الله الذي لا يُشبه ضعفنا، ولا يُختصر في تصوراتنا، ولا يحتاج دفاعنا عنه.أخذت الفكرة… وتركت صاحبها حيث لم أستطع السير معه.
المشكلة ليست في ماركس، ولا في نيتشه، ولا في أي مفكرٍ اختلفنا معه.المشكلة فينا حين نعجز عن الفصل بين العقل والقلب، بين الفكرة والذاكرة، بين الرأي والجرح القديم.
نخاف من الأفكار لأنها تُربك انتماءاتنا، فنقتلها بدل أن نفهمها.
الحوار الناضج لا يُشبه المحاكم، ولا يحتاج سكاكين ، هو مساحة إنصاف:إنصاف للفكرةوإنصاف للعقلوإنصاف للإنسان، حتى وهو مختلفأن تأخذ فكرة من خصمك لا يجعلك تابعًا له، بل شاهدًا على حريتك.
في النهاية، الفكرة لا تطلب حبّك، ولا ولاءك، ولا إعجابك بقائلها. كل ما تطلبه أن تنظر إليها كما هي… ثم تختار.
وحين نفعل ذلك،لا نُهذّب الحوار فقط، بل نُهذّب أنفسنا.هذا المقال ، في روحه، ليس دفاعًا عن أفكار…بل دفاع عن كرامة العقل.

