
بمناسبة يوم المرأة العالمي وجوابًا عن سؤال إحدى مريضاتي عن الرابط بين المجتمع والمرأة،قلت:في العموم، الذي تتغلب فيه نزعات الذكورة، وتُتهم فيه المرأة في كل الأحوال، حتى لو كانت مغتصبة ومنتهكة حقوقها، وفي الخصوص بين الرجل والمرأة لتعرض المجتمع لموجات جديدة من التخلف بانتهاك حريتها بالتحرش اللفظي، أو لمسها أو النظرة الدونية لها وانتهاك جسدها بما يسمونه “طهارة”، وهو في العلم تشويه لأعضائها التناسلية بدون إذنها، أو فرض الزواج عليها في سن الطفولة وإخفاء هويتها باسم الحماية، وسلبها حقها في استمرار حياتها الزوجية بإلغاء قانون يمنحها هذا الحق.
وجدتني أفكر وأقول لنفسي: ما هو الرابط بين المجتمع والمرأة سوى تلازم ثقافي؛ فيه انفصام شخصية جمعي، تُبجِّل وتحترم فيه المرأة الأم، ويتباهى الجميع أن مصر أم الدنيا، وفي الوقت الذي يتهمها وينتهك حقوقها حتى لو كانت مغتصبة ويريد إخفاءها عن العيون؛ لأنها أم الشرور في نظرة ذكورية متخلفة.
وللعلم فإن الفكر الذكوري يرى أن المرأة خُلقت من ضلع آدم، وهو لا يختلف عما أعتقد سوى أن آدم اسم علم يحتمل أن يكون رجلًا أو امرأة أو الاثنين!!أعود إلى العلم وأتصور أن الإدراك الذاتي بالعقل هي قدرة الإنسان وأعظم ما يميزه بها عن باقي خلقه، فالعقل والتفكير هي معجزة الخلق فينا، وأعتقد أن الدين وبالذات الإسلامي يحرضنا على إعمال العقل والتفكير والبحث والعلم.
وعندما أطلق “دارون” فرضيته بتطور المخلوقات عبر بلايين السنين، ارتطمت النظرية العلمية بمعتقدات رجال الدين المسيحي واليهودي بفهمهم الذي ارتبط بتفسيراتهم لمحتوى كتبهم الدينية، وكذلك المسلمين الذين ساروا على نفس المنهج. نفس حائط تكذيب أن الأرض ليست مركز الكون، أو أننا كوكب يدور حول الشمس، وغيره من الإثباتات العلمية.التفسيرات إنسانية وليست مقدسة، ولابد للبشرية أن تنضج وتعتبر تراكم المعارف في فهمها ولا تقف عند مرحلة طفولة العقل الجمعي للبشر، وهو تفسير أجداد أجدادنا لمحتوى الكتب الإلهية.
السؤال الديني الفلسفي العلمي: هل بداية الخلق الذي ترمز له الأديان باسم العلم “آدم”* خُلق كما نراه الآن خلقًا كاملًا، يعني أمسك الخالق قطعة طين ثم عجنها في يده ونفخ فيها فإذا بها آدم؟! هذا ما يقوله المتشددون المتمسكون بتفسير القدماء: “إن آدم خُلق على هيئته”.
ويؤكدون أن نظرية التطور تخالف الكتب السماوية قولًا واحدًا، فلا مجال للنقاش، ولا يمكن تصديق أن الإنسان نتاج لتطور من الحيوان الأدنى مرتبة.
الحقيقة أن كثيرًا من الناس اليوم “وأنا منهم” لا يرى في رواية التكوين عن آدم وحواء أكثر من قصة رمزية، ويوافق حتى بعضًا من علماء الكاثوليك والبروتستانت واليهود والمسلمين على هذا الرأي. ورغم أن معظم تفسيرات المفسرين حسب زمانهم للأديان لبدء البشرية يتعارض مع التاريخ والعلم، وهذا ما خلق صراعًا بين الفلسفة والعلم والدين عبر العصور، فإن زيادة المعرفة قد يفسر الكثير.
بالعلم والإثبات اللذين لا يقبلان الشك، فإن التحولات، أو تغييرات النقاط، في الكروموسوم الذكوري لا يمكن أن تتبع خط الذكور إلى أب جميع البشر. وعلى النقيض من ذلك، فإن الحمض النووي من الميتوكوندريا، “قوة الطاقة في الخلية”، يُحمل داخل البويضة، لذا لا يمر سوى من النساء إلى أطفالهن. لذلك فإن الحمض النووي المخفي داخل الميتوكوندريا (الموجودة في كل خلية) يمكن أن يكشف نسبية الأمومة إلى الأصل.
هذه الدراسات تثبت أن التنوع الجيني الموجود في الإنسان الحديث قد يكون أكبر من أن يزوده شخصان فقط. وجدير بالملاحظة أيضًا أن الدراسات أثبتت أن الحمض النووي للميتوكوندريا لدى جميع البشر اليوم ينحدر من امرأة عاشت في شرق أفريقيا قبل 150 ألف سنة، وهي تسمى “حواء الميتوكوندريا”.
هذا قد يعني أن البشرية الحديثة قد لا تكون منحدرة من شخصين فقط كآدم وحواء.
سألني شاب من الحالمين بالغد: وما قصة أن طاقة الإنسان تأتي من الأم التي سمعتها منك في حوار تلفزيوني؟قلت: هي نفسها القصة المكتوبة أعلاه؛ لأن الميتوكوندريا هي مصنع الطاقة للبشر، وهي تورث من الأم فقط. أي أن المرأة ليست فقط أصل الحياة بل سبب استمرارها.
ولكي تتنوع صفات أفراد أي جماعة Genetic Diversity يجب أن يكون عدد أفرادها الفاعلين على الأقل 50.ولكي لا تختفي بعض هذه الصفات بفعل الانحراف الجيني (Genetic Drift) يجب ألا يقل عدد الأفراد الفاعلين عن 500.
ولما كان ليس كل الأفراد قادرين على الإنجاب وتمرير جيناتهم للأجيال اللاحقة، فقد قُدِّر أن العدد المطلوب من الجماعة الأولى حتى لا ينقرض البشر الأوائل هو ما لا يقل عن 2500 فرد، إذن يجب أن يكون التطور قد حدث منذ حوالي 300 ألف سنة في “جماعة” من البشر الأوائل عددهم تقريبًا 2500 زوج من (آدم وحواء).
• هذا المفهوم يتفق مع النظريات العلمية حول التطور والسجل الأحفوري والحمض النووي للبشر، ولكنه يتعارض مع التفسير الحرفي لقصة خلق آدم وحواء في بعض التقاليد الدينية.
أعتقد أنه لابد لنا أن نضع قصة آدم وحواء في إطار الرمز والوعظ الذي يهدف إلى أن البشر متساوون وولدوا من “جماعة” واحدة.
وأضيف أيضًا أن 300 ألف سنة تمثل ثانية واحدة أو أقل في عمر الكون البالغ حوالي 14 مليار سنة، والأرض وجدت من حوالي 4 مليارات سنة، ونحن البشر بأنواعنا وجدنا في آخر جزء من الثانية.نحن حتى لسنا لقطة في الفيلم ونظن أن الفيلم يدور حول قصتنا.
أعود بعد جولة العلم إلى المرأة المصرية التي أراها عظيمة وغير عادية، كونها أمًا وفلاحة وعاملة؛ ولما أتيح لها التعليم تفوقت وأجادت، وعندما ترأست البلاد في تاريخنا الفرعوني ألهمت وقادت. وعندما تزوجت من الأنبياء كإبراهيم ومحمد أنجبت جد العرب إسماعيل، وعندما قررت حمت موسى من القتل؛ وما كان لليهود وجود لولا امرأة فرعون التي احتضنت وربّت.
المرأة المصرية جينات حضارة وقدرات لابد من تحريرها من قيود متخلفة فرضت عليها الانزواء وراء الرجل.
المصريات تراهُن مرفوعات الهامة، رؤوسهن تناطح السحاب، تجلس على عرش مصر بجوار ملكها… وأحيانًا تجلس بعظمتها وحيدة على العرش… محركة بإصبعها جيوشًا… ومتحكمة بعقلها الفذ في مصائر البلاد والعباد بمنتهى الحكمة والقدرة…!!!
– وعندما جلست المصرية على عرش مصر حكمت حتشبسوت الدولة المصرية 21 عامًا، جعلت مصر خلالها أعظم قوة عسكرية في العالم، ووصل الاقتصاد المصري إلى مستوى غير مسبوق، ويشهد على ذلك معبدها الذي يعتبر قبلة الباحثين عن عظمة مصر وعظيماتها.
– حتى عندما غنت المصرية أصبحت كوكب الشرق، أقوى حبال صوتية لامرأة في العالم، إنها السيدة أم كلثوم. غنت للعاشقين، غنت لمصر المحروسة، جابت كل دول العالم لتجمع بصوتها الأموال لبلادها فاستحقت الاحترام والتقدير.
والمرأة المصرية نفسها قادت أول طائرة في مصر، وصوتها علا فوق صوت الرجال في ثورة 19، وبعدها في ثورة 30 يونيو.
هي الآن العالمة والطبيبة والممرضة والمدرسة والفنانة والكاتبة.
قالت شابة من الحالمين بالغد: لكن ما الذي يحمي المرأة في هذا الزمن من الطغيان الذكوري؟قلت: العلم، العلم، العلم والمعرفة. على كل أسرة أن تسلح بناتها بالعلم والمعرفة؛ فلا سبيل لحماية الحقوق إلا بذلك.
إلى كل سيدات مصر…إلى كل آنسات مصر…إلى كل عظيمات مصر…ينحني العالم كله لَكُنّ احترامًا….. ماضيكُنَّ حضارة تسجلها أول صفحات التاريخ…وعظمة حاضرِكُنَّ لا تخطئه أعين الناظرين…والمستقبل تضيئه شمس وجودِكُنَّ الجميل؛فلا تنحنين أمام جهالة البعض وضحالة التفكير الذي يريد العودة بكنَّ إلى ظلمات التاريخ.


