
“بيت الطاعة”
إذلال و مهانة
بقلم
حسام بدراوي
فتحت حوارا مع شباب الحالمين بالغد الذين يلتقون معى أسبوعياً ، وكنا نتكلم عن القيم الإنسانية الواجب العمل على تعميقها.
جاء ذِكر الطاعة كقيمة تمثل الاحترام، إلا أن الشباب ثاروا وقالوا: إن ربط قيمة الاحترام بالطاعة مرفوض تمامًا. الطاعة أساسًا للعبيد وليست للأحرار. نفهم الالتزام بالقواعد، نفهم الحوار باحترام، نفهم الالتزام بالتعاقد أو الاتفاق.. أما الطاعة فمعناها التخلى عن العقل واستعباد للبشر.
فقلت لهم: أُذّكركم تأييدًا لكلامكم أن مدخل تنوير البشرية فى عصور الظلام كان الخروج عن طاعة رجال الدين بمعتقداتهم ورجال السلطة الذين يودون التحكم فى الشعوب.
ولقد كان الفيلسوف إيمانويل كانط ملهمًا لعصره فى مقالته «تجرأ على المعرفة»، مؤكدًا أهمية خروج الإنسان من مرحلة القصور العقلى وبلوغه سن النضج أو سن الرشد. وقد عرّف القصور العقلى على أنه التبعية للآخرين، وعدم القدرة على التفكير الشخصى أو السلوك فى الحياة، أو اتخاذ أى قرار دون استشارة الأوصياء عليه.. ومن هذا المنظور جاءت صرخته التنويرية لتقول: “استخدموا عقولكم أيها البشر، ولتكن عندكم الجرأة، فلا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب، تحركوا وانشطوا وانخرطوا فى الحياة بشكل إيجابى متبصر”
إن حماية الإنسان تكمن فى تعليمه ليصبح ناضجا وقادرا على الاعتماد على نفسه، مستخدما عقله للتحرر من المعتقدات والحقائق الملقنة له عبر تاريخ فيه الكثير من الجهل.
الطاعة يأتي منها التطوع ، والطوع، ولم أجد بعد المعني السليم لدعوة الزوجة لطاعة الزوج وكأنه ربها وسيدها وهو ما لا يستسيغه عقلي ولابد أن هناك تفسير.
والحقيقة أن هناك مستويات ترتاح لها مجتمعات الجهل الذكورية التى تأمر المرأة بالطاعة لزوجها، إيمانًا بأنها قاصر وليست على قدم المساواة معه.
وأزيد قائلًا : طول عمرنا نسمع جملة” الرجال قوامون علي النساء” ونأخذها أمر مسلم به ومطلق رغم أن الآية تقول غير ذلك “
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ
ورأيي أنه ربط القوامة بتفضيل الله بعضهم علي بعض بالعقل والعلم والمعرفة والفائدة علي المجتمع والبشرية ، وبما أنفقوا ، فلو كانت المرأة أكثر علما وفائدة للمجتمع وكانت هي مصدر الإنفاق فهي قوامة علي الرجل وهو كلام يخالف التفسيرات الذكورية الشائعة
التي تقول الرجل قيم على المرأة ، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم لأن الرجال أفضل من النساء ، والرجل خير من المرأة;
إن القرآن الكريم عندما أعطى الرجل قوامة على النساء ربطها ، بالإنفاق على الأسرة ، (وهو ما تفعلة أغلبية من النساء الآن) ، وبما فضل الله به بعضهم على بعض، أى العلم والمعرفة والقدرة.
أن الطاعة فعل نفسى، وقد تكون شكلًا من أشكال «التأثير الاجتماعى الذى يخضع فيه الشخص لتعليمات أو أوامر صريحة من شخصية ذات سلطة».
وتختلف «الطاعة» بشكل عام عن «الامتثال»، فهو سلوك يتأثر بالأقران، وعن «المطابقة»، فهى سلوك يقصد به مطابقة سلوك الأغلبية. واعتمادًا على السياق، يمكن اعتبار «الطاعة» مثلاً سلوكًا أخلاقيًا فى إطار تنظيم الجيوش ولكنهً غير أخلاقى أو لا أخلاقى إذا ارتبط بسلطة إنسان على آخر لمجرد التحكم فيه أو الحصول مميزات.
إن الحضارة لا يصنعها إلا الأحرار، وأن الاستعباد بكل صوره السياسية والاجتماعية مرفوض.. وهو يختلف عن الامتثال للقانون الذى يرتضيه المجتمع والذى يطبق على الجميع بلا انتقائية، رجلاً كان أو امرأة ،وهو الذى يضبط قيمة الحرية والمساواة.
للعجب قد أجد نساء يعارضون ما أقوله حول حقوق المرأةً ولكن الحكمة والتجربة تقول أن أصعب شىء نواجهه لتحرير إنسان من العبودية هو أن تقنعه بأنه ليس عبدًا.
أكثر الناس إستعدادًا ليكونوا عبيدًا للحاكم أو ولى الأمر هم أكثرهم استعبادًا للمرأة والضعفاء. وكأن قيمة الطاعة تخلق الديكتاتور والعبد فى نفس الوقت.
اعود لهدف المقال وهو مناقشة مفهوم “بيت الطاعة” في المجتمع المصري.
كثيرون يظنون أن لبيت الطاعة أصلًا قرآنيًا أو شرعيًا، بينما الحقيقة أنه نتاج تفسيرات ذكورية وممارسات سلطوية تسربت إلى الفقه والقانون، ثم ورثتها المحاكم.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يُجبر إنسان على العيش في كنف آخر باسم الطاعة، بينما أساس التكليف الإلهي هو حرية الاختيار؟
حتي طاعة الله – وهي الأعلى والأقدس – مشروطة بالحرية: «فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: 29). إذا كان الله سبحانه لم يفرض الطاعة قسرًا، فكيف يُسمح لبشر أن يفرضها على بشر آخر في علاقة إنسانية يفترض أن قاعدتها المودة والرحمة؟
“بيت الطاعة” ليس نصًا قرآنيًا، بل مادة قانونية تستند إلى اجتهادات فقهية قديمة تكرّس سلطة الرجل على المرأة. الفكرة تقوم على إلزام الزوجة بالعودة إلى بيت الزوجية حتى لو رفضت، ما لم تستطع أن تثبت للقاضي “الضرر”.
لكن أليست هذه صورة من صور الإكراه؟ وهل تُبنى حياة أسرية بالقرارات القضائية والجبرية، لا بالحب والاختيار؟
لا مهانة وأعمق من أن تُجبر امرأة على العيش مع رجل لم تعد تريده، ولا ضعف أكبر من رجل يحتاج إلى الشرطة والقانون كي يحافظ على وجود امرأة بجواره. الأسرة الحقيقية تقوم على السكن والمودة والرحمة، لا على أوراق قضائية وأوامر تنفيذية.
إعادة التفكير في المفهوم
حين نعيد قراءة النصوص القرآنية بعيدًا عن التراث الذكوري، نجد أن العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على المساواة والشراكة: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الروم: 21).
أين المودة والرحمة في بيت تُساق إليه المرأة قسرًا؟
“بيت الطاعة” مفهوم تجاوزه الزمن، وهو جرح في الضمير الإنساني قبل أن يكون مادة في القانون. ما نحتاجه اليوم ليس تكريس الطاعة القسرية، بل استعادة معنى الحرية والكرامة في أقدس العلاقات الإنسانية: الزواج. ومن لا يريد الشراكة بالحب، فلن يحققها بالقهر.
—————————
ما هو «بيت الطاعة» أو إنذار الطاعة في القانون المصري
عندما تغادر الزوجة مسكن الزوجية أو ترفض العودة، يحق للزوج أن يوجّه لها إنذارًا بطاعة الزوج والعودة إلى المسكن.
القانون يعطي الزوج 30 يومًا من تاريخ تسليم الإنذار للزوجة لكي تعود أو تعترض عليه أمام محكمة الأسرة.
إذا امتنعت المرأة عن العودة دون مبرر قانوني بعد المدة، يمكن للزوج أن يرفع دعوى إثبات نشوز ضدها لإسقاط بعض الحقوق مثل النفقة.
القانون أيضًا يشترط أن المسكن الذي يُطلب منها أن تسكن فيه — ما يُطلق عليه بيت الطاعة — أن يكون صالحًا، مناسبًا من الناحية المادية والاجتماعية، بأن يكون خاليًا من سكن أهل الزوج أو غيره، وغير متهالك، وأن يوفّر أمانًا للزوجة.
كما يُعطى للزوجة الحق أن تعترض على الإنذار بالأسباب التي تراها مناسبة داخل المدة القانونية، ويُلغي الإنذار إذا أثبتت أن المسكن غير صالح أو أنها معرضة للأذى فيه أو لظروف أخرى.
التحديات والنقاشات المعاصرة
بعض القضاة والمحامين يُشيرون إلى أن دعوى إنذار الطاعة تُستخدم أحيانًا كأداة للضغط على الزوجة، وقد تصدر أحكامًا تُلزم الزوجة بالرجوع حتى إذا وجدت أن المسكن غير آمن أو غير صالح.
هناك جدل بين الفقهاء والأكاديميين حول مدى شرعية المبدأ من الناحية الدينية، فمثلاً أزهريون يُقولون إن ما يُسمّى “بيت الطاعة” ليس مفروضًا حرفيًا في الشريعة بهذا التعبير، وأن ما يُمارَس هو تفعيل لحقوق وواجبات الزوجين والتوازن بينهما، وليس إكراهًا ماديًا قسريًا.
بعض المصادر تشير إلى أن هناك دعوات لإصلاح قانون الأحوال الشخصية لتقليل الممارسات التي قد تُسيء إلى حقوق المرأة، أو لإعادة النظر في تطبيق بعض المبادئ كإنذار الطاعة.


