
ليس ما يعيشه العالم اليوم صراعًا أخلاقيًا بين خير وشر، ولا مواجهة قيمية بين ديمقراطية واستبداد، كما يُسوَّق في الخطاب الرسمي الغربي. نحن أمام صراع عارٍ على القوة، تُدار أدواته بالاقتصاد والطاقة والممرات البحرية، لا بالشعارات ولا بالمبادئ. وفي هذا الصراع، لا تُكافأ الدول على حسن النوايا، بل على قدرتها على حماية مصالحها أو عجزها عن ذلك.
ومصر، بخلاف ما يُراد لها أن تبدو، ليست على الهامش. لكنها أيضًا ليست في موقع القوة. فهي تقع في قلب معركة تُعاد فيها هندسة العالم، بينما تتآكل هوامشها الاقتصادية، ويُختبر استقلال قرارها، وتُدفع – بوعي أو بدونه – إلى مواقع رد الفعل بدل الفعل. وما جرى ويجري في الاقتصاد المصري خلال العقد الأخير لا يمكن عزله عن هذا السياق، ولا عن حسابات إقليمية ودولية ترى في إضعاف الهامش المصري شرطًا لإدارة المنطقة لا تمكينها.
ما يجري في العالم اليوم لا يمكن فهمه باعتباره سلسلة أزمات منفصلة، ولا بوصفه ردود أفعال عشوائية لدول كبرى تتحرك بلا بوصلة أخلاقية أو استراتيجية. نحن أمام مرحلة إعادة هندسة شاملة للنظام الدولي، تُستخدم فيها أدوات الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية بوصفها أسلحة ناعمة، لكنها شديدة التأثير، قادرة على إعادة توزيع النفوذ دون إطلاق رصاصة واحدة.
في هذا السياق، لا تبدو التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه فنزويلا، وما يُتداول عن تشديد مشابه محتمل تجاه إيران، ولا الاهتمام المتزايد بقناة بنما، قرارات أخلاقية متصلة بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، بقدر ما تبدو حلقات متصلة داخل استراتيجية أوسع تهدف إلى تطويق الصين، ومن خلفها روسيا، عبر خنق منافذ الطاقة، والتحكم في شرايين التجارة العالمية.
فنزويلا ليست المشكلة في ذاتها، بل موقعها في معادلة الطاقة الصينية.
وإيران ليست الهدف بذاتها، بل دورها في الضغط على آسيا عبر الطاقة والممرات.
وقناة بنما ليست مجرد ممر، بل عقدة استراتيجية في صراع السيطرة على التجارة العالمية.
إنه تفكير مرتب، متراكم، طويل النفس.
الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة وترسخ النظام الأحادي القطبية، لم تعد الولايات المتحدة في حاجة إلى الحروب الشاملة.
تطورت أدواتها إلى عقوبات ذكية وسيطرة على النظام المالي العالمي مع إدارة الممرات البحرية والضغط على سلاسل الإمداد والطاقة.
غير أن العنصر الأقل حسابًا – أو الأكثر تعمّدًا للمخاطرة – يظل رد الفعل الصيني والروسي.
الصين، التي بنت صعودها على الاستقرار، والتجارة، وتجنب الصدام المباشر، تجد نفسها اليوم أمام استراتيجية تستهدف أعصابها الحيوية: الطاقة، الشحن، الدولار، والممرات. ومن الصعب تصور أن تظل بكين في موقع المتفرج طويلًا. لكن الرد الصيني المرجّح لن يكون انفجارًا عسكريًا مباشرًا، بل مزيجًا من: توسيع التحالفات البديلة، وتعميق شبكات الالتفاف المالي، ونقل الصراع إلى ساحات أقل كلفة، وربما تحرك محسوب عالي التأثير حين تكتمل الظروف.
أما روسيا، فتميل تاريخيًا إلى الرد اللامتماثل: سيبرانيًا، أمنيًا، إقليميًا، أو عبر وكلاء.
مصر ليست طرفًا مباشرًا في هذا الصراع، لكنها ليست بعيدة عنه. بل تقف عند تقاطع ثلاث دوائر ضغط رئيسية: قناة السويس، الفرصة المؤلمة لموقفها من الطاقة، وضغط الدولار والديون.
قناة السويس ليست مجرد ممر اقتصادي، بل ورقة استراتيجية عالمية.
أي تصعيد في حرب الطاقة أو العقوبات أو الصدامات غير المباشرة يؤدي إلى: ارتفاع مخاطر الملاحة، وزيادة تكاليف التأمين، ودفع بعض الخطوط إلى مسارات بديلة.
والنتيجة: تذبذب إيرادات القناة، مع ضغط إضافي على العملة الصعبة، وهشاشة أكبر أمام الصدمات الخارجية.
ما أقصده من الفرصة المؤلمة لأزمة الطاقة هو أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يبدو فرصة لمصر كمُصدّر إقليمي للغاز، لكنه في الواقع قد يرفع فاتورة الاستيراد، ويضغط على الموازنة و يحد من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الاجتماعية.
الصراع العالمي الحالي يعني: دولارًا أقوى، وتشددًا ماليًا، وتراجعًا في شهية الاستثمار.
وهذا يضع مصر أمام تحدٍ صامت لكنه خطير في صعوبة إعادة تمويل الديون، وارتفاع كلفة الاقتراض، وتقلص هامش القرار الاقتصادي المستقل.
الخطر الحقيقي على مصر ليس حربًا مباشرة، ولا عقوبات، بل التآكل التدريجي تحت ضغط عالم يتغير بسرعة، واقتصاد لا يملك مرونة كافية.
الدول التي لا تمتلك اقتصادًا مرنًا، متنوعًا، قادرًا على التكيّف، تُستنزف حتى دون أن تُستهدف صراحة.
هشاشة الاقتصاد المصري تقع بين الخطأ الداخلي وضيق الهامش.
ليس من الدقة النظر إلى التدهور الاقتصادي خلال العقد الماضي باعتباره نتاجًا داخليًا خالصًا، رغم أن الأخطاء الداخلية كانت حقيقية ومتراكمة. فما جرى لا يمكن فصله عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بمصر، ولا عن موقعها في معادلات إقليمية شديدة الحساسية.
فمصر دولة محورية: بموقعها الجغرافي، بثقلها العسكري الكامن، وبدورها التاريخي في الصراع العربي–الصهيوني، وبقدرتها – إن امتلكت الاستقلالية الاقتصادية – على التأثير في توازنات إقليمية لا يرغب كثيرون في إعادة فتحها.
من هنا يصبح التساؤل مشروعًا: هل كان تآكل الهوامش الاقتصادية مجرد نتيجة أخطاء داخلية، أم أنه تزامن – وربما تفاعل – مع هدف أوسع يتمثل في ضمان أن تبقى مصر منشغلة بأزماتها، محدودة القدرة على المناورة، وغير قادرة على لعب دور فاعل في كبح أي تمدد صهيوني إقليمي، أو اتخاذ موقف مستقل في الصراع المتصاعد بين الغرب والشرق؟
فالحياد هنا ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل قدرة اقتصادية، وهذه القدرة تتآكل كلما ضعف الاقتصاد.
هناك مفاهيم حاسمة لا بد لنا من استيعابها مثل اهمية الـ تنويع الحقيقي للشركاء الاقتصاديين.
هذا لا يعني تعدد الزيارات أو الصفقات الرمزية، بل: ألا تُرتهن مصادر التمويل أو التجارة أو العملة الصعبة لمعسكر واحد، وألا تتحول القروض إلى أدوات ضغط سياسي، ورجولية امتلاك بدائل حقيقية عند تغيّر التحالفات.
بدون ذلك، يصبح القرار الاقتصادي – ومن بعده السياسي – مقيدًا بحكم الواقع، وعلى مصر تقليل الاعتماد على التمويل الساخن.
التمويل الساخن: يدخل بسرعة، يخرج أسرع، ويخلق وهم الاستقرار.
وعند خروجه: يضغط على العملة، ويرفع التضخم، ويفرض قرارات قاسية في توقيت بالغ الحساسية.
البديل هو: الاستثمار طويل الأجل، والإنتاج الحقيقي، واقتصاد يولّد العملة الصعبة بدل ملاحقتها.
حين يتصدّع الحلفاء: الخليج ومصر في المعادلة
بوادر التوتر بين السعودية والإمارات لا يمكن قراءتها بمعزل عن إعادة تشكيل الإقليم. فرغم وجود أسباب موضوعية، فإن أي تصدع خليجي يخلق بيئة مثالية لتدخلات خارجية تهدف إلى إبقاء المنطقة بلا تكتل صلب.
في هذا السياق، لا يبدو مستبعدًا أن يكون تعطيل أي تقارب استراتيجي عربي حقيقي – وفي القلب منه التحالف المصري–السعودي – جزءًا من حسابات أوسع تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
فالتحالف المصري–السعودي، إذا تبلور بجدية، يمتلك:
سيطرة جغرافية على البحر الأحمر وبواباته، وثقلًا سياسيًا ورمزيًا، وقدرة كامنة على إعادة التوازن الإقليمي.
ومن هنا يصبح تفكيك البيئة الحاضنة له هدفًا غير معلن، عبر تشجيع تنافس الحلفاء بدل تكاملهم.
الخلاصة
ما يحدث عالميًا ليس عشوائيًا، ولا أخلاقيًا، ولا مؤقتًا.
وما يحدث إقليميًا ليس بعيدًا عن هذه الاستراتيجية.
وما حدث ويحدث في مصر لا يمكن عزله عن هذا السياق الأشمل.
إنه صراع على: النفوذ و الطاقة، والتحكم في الممرات، مما سيعطي من يملكها التحكم في القرار في القرن القادم.
ومصر، إن لم تُدر هذه المرحلة بحكمة شديدة، قد لا تكون الضحية المباشرة.. لكنها قد تكون الخاسر الصامت.

