
رغم معارضتي الصريحة أحياناً لسياسات الحكومة المصرية في إدارة الاقتصاد، وانتقادي لكبت الحريات وتقييد المجال العام، إلا أنني لا أخلط بين موقف مبدئي وطني راسخ، وبين أخطاء قد أراها في طريقة إدارة البلاد داخلياً.
الموقف المصري من القضية الفلسطينية، وعلى رأسها رفض التهجير الجماعي للفلسطينيين إلى سيناء، هو موقف يُحسَب للدولة، لا تُدان به ويستحق المساندة من كل مصري.
ألاحظ في الأسابيع الأخيرة تصعيدًا ممنهجًا، يبدو كأنه مدروس، يهدف إلى خلق انطباع كاذب بأن مصر تمنع دخول المعونات الإنسانية إلى قطاع غزة، وتُحمّلها المسؤولية عن كارثة إنسانية صنعها العدوان والاحتلال.
تكراراً تُبثّ مقاطع مصورة تُظهر شاحنات تنتظر، دون الإشارة إلى العراقيل التي يضعها الاحتلال عند المعابر، ويُتداول خطاب يقلب الحقائق ويحوّل الحارس إلى متّهم، بل والضحية إلى جلاد.
إنه قلبٌ مخجل للحقائق، لا يُسهم فقط في تزوير الواقع، بل يزرع في الوجدان الجمعي للأجيال الناشئة بذور عداء بين الشعب الفلسطيني والشعب المصري، وبين أبناء قضية واحدة، كان المصريون ولا يزالون في طليعة المدافعين عنها.
مصر ليست بوابة التهجير
منذ بداية الحرب على غزة، تتعرض مصر لضغوط دولية غير معلنة، وعروض سياسية مغلفة بالدبلوماسية، لإقناعها بفتح المجال أمام خروج المدنيين من القطاع، تحت ذريعة “الإجلاء الإنساني”. لكن ما يُراد في الحقيقة هو إفراغ غزة من سكانها، ودفع الشعب الفلسطيني قسرًا إلى منفى جديد، هذه المرة في أرض سيناء.
وهو السيناريو الأخطر على الإطلاق، لأنه يُنهي عمليًا أي أمل في قيام دولة فلسطينية، ويحوّل القضية من صراع على أرض محتلة إلى مشكلة لاجئين يُطلب من دول الجوار استيعابهم.
إن رفض مصر لهذا السيناريو ليس موقفًا سياديًا فحسب، بل هو موقف مبدئي يحمي جوهر القضية الفلسطينية من التلاشي. فحين يخرج الفلسطينيون من غزة، سيُغلق ملف العودة، وتُمنح إسرائيل على طبق من ذهب ذريعة تقول فيها: “لم نطرد أحدًا، هم خرجوا بأنفسهم”.
حين يتحوّل الدعم إلى تشويه
لا أحد ينكر المعاناة التي يعيشها أهل غزة. والمصري يشعر بالألم كما يشعر به الفلسطيني. وقد فتحت مصر مستشفياتها للجرحى، واستقبلت الكثير من الحالات الإنسانية، وسعت بكل ما تملك – سياسيًا وإنسانيًا – لوقف نزيف الدم.
لكن تحويل هذا الدعم إلى واجب مفتوح بلا حدود، أو إلى أداة ابتزاز عاطفي، أمر لا يخدم سوى أعداء القضية.
ومن المؤسف أن بعض المنصات الإعلامية، وحتى شخصيات فلسطينية محسوبة على التيارات الراديكالية، بدأت بتوجيه سهامها نحو مصر، متهمةً إياها – ظلمًا – بأنها “شريكة في الحصار”، دون أن تلتفت إلى أن المعابر الأساسية بين غزة والعالم لا تسيطر عليها مصر، بل تتحكم فيها إسرائيل بالكامل.
ونري الآن مظاهرات امام السفارات المصرية في بعض البلدان الأوروبية تهاجم مصر وكأنها المتسببه في المأساة.
حماية الأمن الوطني ليست خيانة
يتحدث البعض وكأن من واجب مصر أن تفتح حدودها بلا قيد أو شرط، غير مدركين أن أي دولة مسؤولة، لا تسمح بانهيار حدودها. إن التسلل غير المنضبط، وتسلّح بعض الجماعات، ووجود تنظيمات أيديولوجية مسلحة – مثل حماس والجهاد – داخل أراضي الدولة المصرية، قد يشكّل خطرًا وجوديًا على مصر نفسها، وعلى أمن سيناء التي دفعت مصر ثمنًا غاليًا لاستقرارها بعد سنوات من الإرهاب.
إن رفض التهجير لا يعني التخلي عن غزة، بل العكس تمامًا: هو حفاظ على الحق الفلسطيني في أرضه، ودعم لنضاله من أجل الاستقلال. أما فتح الأبواب للفرار الجماعي، فهو إقرار بهزيمة ناعمة للقضية، لن تُمحى آثارها لعقود.
الوعي ليس سلعة إعلامية
من السهل تضليل الناس عبر الصور والبث المباشر والعناوين العاطفية. لكن بناء الوعي يحتاج إلى صدق وتوازن. ومن الظلم أن نُصوّر مصر، وهي الدولة الوحيدة التي حافظت على معبر إنساني إلى غزة، على أنها المتّهمة، بينما يغيب عن الخطاب العام دور الاحتلال في منع دخول الشاحنات، وفي قصفها أحيانًا بعد دخولها.
في فبراير–مايو 2024، حذّرت الأمم المتحدة من “عواقب إنسانية مدمّرة” في حال تهجير مليون فلسطيني نحو مصر، مؤكدة أن المنظمة لن تكون جزءًا من أي اقتراح أحادي لدفع المدنيين إلى ما يُسمّى «مناطق آمنة»، بينما عبّر رئيس مفوضية اللاجئين عن أن الفلسطينيين يُدفعون نحو “زاوية ضيقة مشتعلة”.
أكّد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في نوفمبر 2023 أن دور مصر كان حاسمًا في ضمان إدخال مساعدات إنسانية وإنقاذ حالات مصابة داخل غزة عبر معبر رفح، رغم تعقيد السيطرة الإسرائيلية.
هناك فجوة بين الدعاية والإعلام والواقع التنفيذي فرغم أن بعض المنشورات الإعلامية تُظهر صورًا لشاحنات متوقفة عند رفح، فإنها عمومًا تفتقر إلى توضيح أن سبب التأخير غالبًا يعود لقيود الاحتلال الإسرائيلي ومفاوضات أمنية داخلية، وليس لبوابات مصر المغلقة.
بينما تعلن الدعاية أن “مصر تمنع المساعدات”، فإن البيانات الرسمية تُظهر غير ذلك: معابر مصرية مفتوحة حسب الأطر القانونية، ومرورية ضخمة للشاحنات، مع تأخير يسببه الاحتلال وليس القاهرة.
الأرقام المستقرة من الأمم المتحدة تؤكد أن نسبة المساعدات المحجوزة أو المتأخرة وصلت إلى 83٪ بسبب الإجراءات الإسرائيلية ضمن الفترة قبل مايو 2024، ما يُعبّر عن أن العقبة الكبرى ليست مصرية أصلًا ، ولقد وثق الاتحاد الأوروبي و الأمم المتحدة دور مصر كممر إنساني فعّال، وليس عامل عرقلة.
إن البيانات الميدانية – من وصول الشاحنات إلى تقارير نقص الغذاء – تشير بوضوح إلى أن الإرهاب الحقيقي في إدارة المساعدات لا يكمن في من يفكّر في التهجير أو الإغلاق، بل في من يمتلك القدرة على تأخير آلاف الشاحنات بشكل ممنهج.
حين تحذف الدعاية الإعلامية هذا السياق، تصوّر مصر كعقبة، بينما المؤشرات والمنظمات الدولية تقول العكس فإن فك التهديد عن رفح يبدأ بضغط على إسرائيل، وليس توجيه الاتهام إلى مصر.
أكرر تأكيدي أن رفض مصر التهجير ليس سياسة إغلاق، بل حماية للقضية الفلسطينية من الاختفاء. ممر رفح هو النهاية الوحيدة المتبقية للفلسطينيين، وبرغم الضغوط والاتهامات الخاطئة، تبقى مصر – وبالاستناد إلى تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي – الحارس الذي فتح طريقًا رغم العاصفة، وليس من أغلقها.
لقد دعمت مصر المصالحة الفلسطينية، واحتضنت الفصائل، واستضافت مفاوضات وقف إطلاق النار، وهي تفعل ذلك ليس حبًا في النفوذ أو الادّعاء، بل إدراكًا لدورها التاريخي، والتزامًا بمصير لا يمكن الفكاك منه: ففلسطين جرحٌ مصري بامتياز.
كلمة أخيرة
مصر ليست خصمًا لفلسطين، بل سندها الأخير. فلا تجعلوا من قهر اللحظة وسيلة لتدمير الوجدان الجمعي بين شعبين لم تفرقهما الحروب، فهل تفرّقهما الأوهام؟
حسام بدراوي يكتب لموقع الحرية: لا تزوّروا الوعي.. مصر ليست العدو


