
الفن والفكر… حين يخاطب العقل وجدان الوطن
في مساء الثقافي رفيع المستوي يوم الثلاثاء الموافق 3 يونيو 2025 بآرت جاليري الزمالك، التقي د حسام بدراوي مع في حضرة الفن والفكر، في حضرة الجمال والمعنى. على ضوء النيل وسحر ألوانه مع جمهور ألفن ، في معرض “أحباب النيل” للفنان السكندري القدير عادل مصطفى، الذي منحنا من ريشته انعكاسًا بصريًا للهوية المصرية الهادئة، المتأملة، المتجذرة في الماء والتراب والحنين.
يقول معدي المعرض :
في حضور النيل، لا يمكن أن نجد أفضل من الدكتور حسام بدراوي ليحدثنا عن الفن… عن مصر… عن النهر ككائن حي، وعن الجمال كطريق للوعي، وعن الثقافة كقوة ناعمة تنهض بالأمم.
فهو المفكر والطبيب، السياسي والإنساني، وهو أيضًا الفنان الذي يرى بعين العقل ويحسّ بقلب الوطن.
حاورت الأستاذه سيلفيا النقادي د. حسام:
* كيف يرى د. حسام بدراوي دور الفن في تشكيل وعي المجتمع؟
الفن هو مرآة الوعي ومولّد الذاكرة الجماعية. إنه ليس ترفًا ولا تزيينًا للحياة، بل أحد أعمق أدوات تشكيل الوجدان، وصناعة المعنى، ومقاومة القبح والعنف والاغتراب.
الفن يعيد ترتيب الأولويات في النفس، يصالح الإنسان مع ذاته، يزرع في وجدانه الحس بالجمال، وبالتالي يزرع فيه الحس بالحق.
وعي المجتمع لا يتكون فقط من المناهج المدرسية والخطابات السياسية، بل من الأغنية التي نحفظها، واللوحة التي نشاهدها، والمسرحية التي تحرّك بداخلنا سؤالًا أو وجعًا أو حلمًا.
ولذلك، فالفن هو أداة إصلاح ثقافي طويل المدى، لكنه الأعمق أثرًا والأبقى.
* هل يمكن للفن أن يسبق السياسة في إصلاح المجتمعات؟ وكيف؟
نعم، بل أحيانًا يكون هو البداية الوحيدة الممكنة.
الفن سابق على القانون، لأنه يغيّر القناعات قبل أن يُسنّ التشريع.
الفن يسبق السياسة، لأنه يخلق الحلم والخيال الضروريين لأي مشروع تغييري.
حين يرسم الفنان وطنًا جميلًا، يُلهم السياسي أن يسعى لبنائه.
وحين تُشاهد لوحة مثل لوحات عادل مصطفى، تسترجع مصرًا هادئة، إنسانية، متصالحة، وتحس بأنك تريد أن تحمي هذا الجمال.
هكذا يبدأ الإصلاح من الداخل، من القلب، من الرؤية لا من الخطاب.
* ما الذي يفتقده المشهد الفني والثقافي في مصر اليوم ليؤدي دوره في النهضة الشاملة؟
يفتقد المساحة… المساحة الحرة والرحبة للتعبير، للتجريب، للمجازفة.
ويفتقد الثقة في أن الفن ليس خصمًا لأي سلطة، بل هو شريك في البناء.
ويفتقد – وهذا الأهم – الربط بين الإبداع والمعرفة.
الفن المنفصل عن الفكر، يتحول إلى استعراض شكلي.
والفكر المنفصل عن الإحساس، يصبح جافًا، بلا جذور.
نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي وطني، يُعيد الفن إلى المدارس، والخيال إلى التعليم، والجمال إلى الحياة اليومية.
هل يمكن أن يكون النيل محوراً لرؤية ثقافية معاصرة تبنى عليها مشاريع فنية وتعليمية؟
النيل ليس فقط مجرى مائيًا يمنح الحياة، بل هو شريان الذاكرة الجمعية للمصريين، وروح الزمن الممتد عبر حضارات متعاقبة. نعم، يمكن أن يكون النيل محورًا لرؤية ثقافية معاصرة، بل يجب أن يكون كذلك. ففي زمن الحداثة الرقمية والعولمة الثقافية، نحتاج إلى نقطة مرجعية نُعيد من خلالها وصل الماضي بالمستقبل، والروح بالجسد.
النيل قادر على أن يكون أساسًا لمشروعات تعليمية في الجغرافيا والتاريخ والبيئة، ومصدرًا للإلهام في الفن والموسيقى والأدب، بل وحتى منصة للحوار حول الهوية والعدالة البيئية ككائن حي، وكيان حضاري، وشريك في تشكيل الشخصية المصرية.
كيف قرأ د. حسام بدراوي تجربة الفنان عادل مصطفى في هذا المعرض؟
قرأت هذه التجربة كرحلة وجدانية بصرية تُعيد إلينا إحساسًا مفقودًا بالانتماء. الفنان عادل مصطفى، في لوحاته، لا يرسم النيل فقط، بل يرسم الحنين، يرسم الحلم، ويرسم ما تبقى في قلوبنا من صفاء الحياة على ضفاف الماء.
هذا المعرض ليس مجرد إنتاج فني؛ بل هو مشروع ثقافي يحمل في طياته ما يمكن أن يُبنى عليه سرد جديد للهوية. لقد استطاع الفنان أن يحرر النيل من رمزيته السياسية أو الجغرافية، ويقدمه كفضاء حميمي، شخصي، يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان.
قرأته كتجربة تُحاكي “البيت الأول” الذي يسكننا، حيث يلتقي العاشق والمعشوق، الطفل والشيخ، المرأة والماء… كلهم يشربون من ذات العين الأولى للحياة.
ما الانطباع الذي تكوَّن عن الفكرة، والأسلوب الفني، والرسالة الوجدانية للأعمال؟
الانطباع الأول هو الدفء. لوحات عادل مصطفى لا تصرخ، بل تهمس. ألوانه ليست صاخبة، لكنها ناطقة بالسكينة. أسلوبه يحمل مزيجًا بين الواقعية والانطباعية، حيث يختزن الشكل ليُطلق الشعور.
أما الرسالة فهي واضحة: النيل ليس مجرد جغرافيا، بل وجدان. هناك في اللوحات تكرار متعمد لثنائية الإنسان والماء، المرأة والمركب، الرجل والظل… كأنما يرسم حالة انتظار دائم، حنين مستمر، أو لحظة حب لا تكتمل، لكنها تفيض بالعذوبة.
هل رأى في المعرض نوعًا من التوثيق البصري لحالة وجدانية مصرية؟
بكل تأكيد. هذا المعرض يُوثّق – لا عبر الحكاية، بل عبر الحسّ – شكلًا من أشكال الهوية المصرية التي تكاد تندثر في ضجيج المدن، وضغط الحداثة.
المرأة بالثوب الزهري، الرجل بالطربوش، الشجرة، النخلة، المركب، كلها عناصر ليست مجرد رموز فنية، بل هي شفرات وجدانية تقرأها الروح قبل العين.
هو توثيق لحالة مصرية رومانسية، مسالمة، متصالحة مع ذاتها، تتأمل النهر لا كمصدر رزق فقط، بل كمرآة للروح.
ما فعله الفنان عادل مصطفى هو أشبه بإعادة طباعة القلب المصري على قماشة لونية. وفي زمن أصبح فيه التوثيق مرتبطًا بالكاميرات والأرشيف، اختار أن يوثق الذاكرة الإنسانية برشاقة الفرشاة، وهذا أبلغ.
إذا تخيلنا النيل “كشخص”، كيف سيكون؟ وبماذا سيحدثنا؟
لو كان النيل شخصًا، لكان حكيمًا طاعنًا في العمر، لا يتكلم كثيرًا، لكنه يهمس بحكايات من آلاف السنين، ويصغي لكل من جلس على ضفافه…
كان سيكون أبًا رءوفًا، أو جدًّا صامتًا يعرف كل شيء عن أحفاده لكنه لا يتدخل إلا حين يخاف عليهم.
سيحدثنا بصوت الماء… عن الممالك التي قامت ثم زالت، عن المحاريث التي شقت تربته، عن الحب الذي بدأ على شاطئه، وعن الأرواح التي فارقت الحياة بين يديه.
سيحدثنا عن الصبر، عن الاستمرار، عن الكرم… لأنه يمنح ولا يطلب، يحتضن ولا يملّ، يعبر ولا يقف.
هل يشعر الدكتور حسام أن للنيل حكمة خاصة؟ وإن كانت كذلك، ما هي؟
نعم، النيل لا يُشبه أي نهر.
حكمته العميقة تكمن في الثبات مع التغيّر.
النيل يعلمنا أن الحياة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى استمرارية.
أنه يمكن أن تكون ناعمًا كالماء، لكنك تغيّر شكل الصخور.
أنك يمكن أن تكون صامتًا، لكنك تحفر مجرى في قلب الزمن.
أن تعطي دون أن تفقد، وأن تمضي دون أن تنفصل.
النيل يقول لنا: “الحكمة هي في أن تفيض حين يُطلب منك، وتجفّ حين تُهان.”
هل النيل اليوم ما زال كما عرفه الدكتور حسام في الطفولة؟ أم تغير؟ ومن تغير فعلاً… النهر أم نحن؟
من حيث الجغرافيا، النيل هو هو… لكن الروح التي حوله تغيّرت.
النيل الذي عرفته وأنا طفل كان محفوفًا بأغانٍ، وقصص، وهدوء.
كنا ننظر إليه باحترام، كأنه كائن مقدّس.
أما اليوم، فننظر إليه بعجلة، أو بأسف، وكأننا نسيناه.
أنا لا أظن أن النهر تغيّر، بل نحن الذين تغيّرنا.
أفقدنا علاقتنا الحميمة بالطبيعة، بالزمن البطيء، بالأشياء التي لا تُشترى.
ربما النيل ينتظر أن نعود، لا كأجساد تسكن ضفافه، بل كقلوب تحسّ بحضوره.



