
فلسفة التحرُّر فى القرآن
بين الطاغوت والعروة الوثقى
بقلم د. حسام بدراوى
الإيمان فى معناه اللغوى هو تصديق فى شىء ليس له برهان علمى ملموس. وفى رأيى أن الكثير مما لم يكن له برهان كشف العلمُ فى الألفى سنة الماضية براهينه. الشىء الوحيد الذى يحتاج للإيمان الآن هو ما بعد الموت، الذى لا نعرفه، ويحتاج فعلاً للإيمان لنصدِّق ونعتبر.
إننى أدرك وجود الله – عز وجل – بعقلى العلمى والنفسى، ولكن ما أدركه ليس صورة الإله المُشخْصَن فى خيال الكثيرين.
الفيلسوف على بن أبى طالب عندما سألوه أن يصف الله، قال: لا «أستطيع أن أصفه؛ لأنى لو وصفتُه فقد حدَّدتُه، وإذا حدَّدتُه فقد عدَّدتُه، وهو واحد». وإذا حددنا الله فهناك ما هو خارجه مما ينفى إطلاقه، مما يعنى أن إثبات أوصاف البشر لله – عز وجل – نقص من حقيقة وجوده.
لا يتحدث القرآن عن الإيمان بوصفه حالة وجدانية مجردة، ولا يطرحه كملاذ نفسى أو طقس شعائرى، بل يقدِّمه كموقف فلسفى وأخلاقى جذرى من العالم. ولهذا جاء أحد أكثر التعابير القرآنية كثافةً ودلالةً فى سياق واحد يجمع بين مفهومين متقابلين: «فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا»، هذه الآية لا تصف إيماناً سلبياً، بل عملية تحرر واعٍ يعقبها ارتباط ثابت.
أولاً: ما هو الطاغوت الذى علينا أن نكفر به؟
الطاغوت فى جوهره ليس صنماً حجرياً ولا اسماً تاريخياً، بل كل ما تجاوز حدَّه الطبيعى وادَّعى حقاً ليس له.
هو كل سلطة – سياسية كانت أو أيديولوجية أو كهنوتية أو فكرية أو نفسية – تنصِّب نفسها مرجعاً أعلى فوق الحق، وتطلب الخضوع بدل الاقتناع، والطاعة بدل الوعى.
القرآن لا يكتفى بوصف الطاغوت، بل يطلب الكفر به؛ أى رفضه رفضاً معرفياً وأخلاقياً.
ثانياً: لماذا يبدأ الطريق بالكفر بالطاغوت؟
لأن العقل المُستعبَد لا يستطيع أن يؤمن إيماناً حراً، فالتحرر يسبق الارتباط، وهدم وكسر المرجعيات الزائفة يسبق البناء حتى لا يصبح الإيمان تبعية، وتتحول العقيدة إلى أداة ضبط، ويغدو الدين نفسه طاغوتاً جديداً.
ولهذا لم يقل القرآن: من آمن بالله فقط، بل قال: من كفر بالطاغوت وآمن بالله.
وللعلم فقد ظُلم مفهوم «الكفر» حين حُصر فى خانة العداء للدين، بينما هو فى جوهره مرآة للحرية.
فمن يكفر بالطاغوت، بالظلم، ومن يكفر بالنفاق، ومن يكفر بالاستبداد، هو أقرب إلى روح الدين من كثير ممن يرفعون لافتة الإيمان.
ثالثاً: ما هى العروة الوثقى؟
العروة الوثقى ليست فكرة مجرَّدة ولا شعاراً عقدياً، بل رابطة وجودية لا تنفصم. هى ما يتمسك به الإنسان بعد أن يتحرَّر من كل أشكال القهر الخارجى والداخلى.. هى العقد بين الإنسان وربه.
العروة الوثقى هى: ارتباط واعٍ بالحق، إيمان نابع من اختيار حر ومرجعية أخلاقية لا تتغير بتغير المصالح أو الخوف.
ولذلك قال عنها القرآن: «لَا انفِصَامَ لَهَا»، لأنها لم تُبنَ على وهْم أو وراثة أو قسر، بل على وعى.
رابعاً: العلاقة الجدلية بين المفهومين
الطاغوت والعروة الوثقى ليسا مفهومين منفصلين، بل قطبان فى معادلة واحدة:
* الكفر بالطاغوت = تحرير
* الإيمان بالله = تثبيت
* العروة الوثقى = نتيجة هذا المسار
من يتمسك بالعروة الوثقى دون أن يكفر بالطاغوت يتمسك بوهْم، ومن يكفر بالطاغوت دون أن يؤمن بقيمة عليا يسقط فى العدمية.
القرآن لا يطلب إيماناً خائفاً، ولا طاعة صمَّاء، بل يطلب إنساناً حراً، واعياً، قادراً على الرفض قبل القبول.
الطاغوت هو نفى الحرية، والعروة الوثقى هى اكتمالها، وبينهما يولد الإنسان المؤمن.. لا تابعاً، بل شاهداً على الحق.
خامساً: أركان الانتماء فى القرآن
تقدِّم سورة البقرة، الآية 62، معياراً قرآنياً صريحاً للانتماء لله، بعيداً عن التصنيفات الطائفية أو الطقسية:
«مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ».
هذه الآية لا تتحدث عن طقوس، ولا عن شعائر، ولا عن انتماء شكلى، بل تضع ثلاثة أركان واضحة للانتماء الاسمى إلى الإسلام:
أركان الانتماء الثلاثة فى القرآن
* الإيمان بالله، بوصفه مرجعية عليا، لا مجرد اعتقاد موروث.
* الإيمان باليوم الآخر، أى الإيمان بالمسئولية والمعنى والعدالة النهائية بعد الموت.
* العمل الصالح، كترجمة عملية للإيمان، لا كزينة خطابية.
هذه الثلاثية تتكرر فى القرآن بصيغ متعددة، وتشكِّل الحد الأدنى اللازم للانتماء، لا أكثر ولا أقل.
استرسل إلى سورة الأنعام (الآيات: 151، 152، 153)، وهى فى رأيى من أقوى المقاطع القرآنية التى تضع دستور القيم والالتزام للدين الإسلامى بوضوح:
«قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».
نص الآيات والوصايا العشر فيها: (الآيات: 151 – 153)، هى مجموعة من الأوامر والنواهى الإلهية الأساسية التى تشمل التوحيد، والإحسان للوالدين، تحريم قتل الأبناء، اجتناب الفواحش، تحريم قتل النفس بغير حق، النهى عن أكل مال اليتيم، الأمر بالعدل فى الكيل والميزان، والوفاء بالعهود، مع التأكيد على اتباع طريق الله المستقيم.
هذه الآيات تعتبر وصية جامعة لمقاصد الشريعة لحفظ الدين والنفس والمال والعرض.
هذه الآيات مفصلية؟ هذه الآيات الثلاث لا تذكر صلاة ولا صياماً ولا حجاً، ومع ذلك يقدِّمها القرآن بصيغة أنها أساس التكليف، لا فرع منه.
البنية الفلسفية للآيات إذا قرأناها كوحدة واحدة نجد أنها تقوم على ثلاث دوائر كبرى:
١- التوحيد والمرجعية ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ هذا هو ركن الانتماء الأول: تحرير المرجعية من أى شريك سياسى، دينى، أو نفسى.
٢- الأخلاق والعدل الاجتماعى، وتشمل: حفظ النفس، وحماية الضعفاء (اليتيم، الطفل)، والعدل فى القول والميزان والوفاء بالعهد. وهذا هو العمل الصالح بمعناه القرآنى الواسع، وليس فقط المعنى الشعائرى الأضيق.
٣- المسئولية والاختيار: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾، و﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، و﴿هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾.
الإسلام فى جوهره طريق أخلاقى شامل واضح يُبنى على: توحيد المرجعية، والعدل، وحماية الإنسان، والالتزام الأخلاقى الحر؛ وهدفه بناء الإنسان المسئول والحر.


