
في أزمنةٍ يعلو فيها صوت النار على صوت العقل، تظلّ مصر — بحكمتها التاريخية وحنكتها السياسية — تمسك بخيوط التوازن في لحظةٍ تتأرجح فيها المنطقة بين الانفجار والضياع.
ولأنني من المنتقدين لطريقة إدارة مصر الاقتصادية و السياسية في الداخل وضيق الأفق في فتح نوافذ حرية التعبير وتوازن السلطات بين مؤسسات الدولة ، فإنّ الإنصاف والضمير الوطني يفرضان عليّ أن أقول اليوم كلمة الحق في موقف مصر من القضية الفلسطينية الذي يستحق الاحترام والإشادة.
لقد اختارت القيادة المصرية طريق السلام المسؤول، لا الخضوع ولا الانفعال، فكان سعيها إلى اتفاقٍ يحقن الدماء ويحمي المدنيين من الجانبين، فعلًا وطنيًا وإنسانيًا في آنٍ واحد.
لم تزايد مصر بالشعارات، ولم تساوم على ثوابتها، بل سعت بخطوات محسوبة، تُديرها دبلوماسية محترفة وعقول استخباراتية واعية، لتقريب وجهات النظر بين أطرافٍ يصعب جمعها حول طاولة واحدة — في ظل شخصياتٍ قيادية إسرائيلية وأمريكية وحماسية، كلٌّ منها قادرٌ على إشعال النار في أي لحظة.
لكنّ الموقف الأهم، والأكثر عمقًا في وجدان الأمة، هو رفض مصر القاطع لأي شكل من أشكال التهجير إلى أراضيها.
فذلك الرفض لم يكن مجرد قرارٍ سياسي، بل كان حائط صدٍّ تاريخيًّا حافظ على جوهر القضية الفلسطينية حيًّا في العقول والقلوب، وحال دون تحويلها إلى مأساة لجوء جديدة تطمس الهوية وتذيب الحق في عناوين مؤقتة.
قد يكون عدم قبول ما قد يكون قد قُدم لمصر من ثمن يخرجها من ضائقتها الاقتصادية يدل علي ثبات المبدأ وثقة القيادة في امكانية الخروج من ازماتها بدون التنازل عن الحق.
إنّ مصر، في هذه اللحظة الدقيقة، لم تدافع فقط عن حدودها، بل عن حدود الوعي العربي نفسه — عن الحق في البقاء، والكرامة، والهوية.
ولذلك فإنّ من الواجب الوطني، قبل الأخلاقي، أن نُشيد بهذا الدور، لا تملقًا ولا تزييفًا، بل اعترافًا بعملٍ وطني يُحسب للقيادة المصرية حين أحسنت إدارة واحدة من أعقد أزمات المنطقة.
فالنقد حين يلزم، واجب.
والثناء حين يُستحق، أمانة.
إنّ من الإنصاف أن نقول إن هذا الأداء الدبلوماسي المصري يليق بتاريخ الدولة ومكانتها، ويعيد التذكير بالدور الذي كانت ولا تزال تلعبه مصر كـ قلبٍ عاقل للأمة العربية.
وفي أزمة كهذه، أثبتت مصر أن صوت الحكمة لا يزال قادرًا على أن يُسمع… حين ينطق من قلبٍ وطنيٍ صادق.


