بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل منطق المصالح وحدود الأمن القومي بقلم حسام بدراوي

أتابع باهتمام—وبشيء من القلق—حدة الجدل الذي دار حول صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل .
مئات التعليقات وصلتني ، بعضها مؤيد يرى في الأمر صفقة تجارية ذكية، وبعضها معارض يعتبرها خطأً استراتيجيًا وأخلاقيًا، وبين هذا وذاك خرج النقاش أحيانًا عن جوهره إلى اتهامات شخصية لا أراها مفيدة ولا منصفة.
ولهذا أكتب هذا المقال لا للدفاع عن رأي، ولا للهجوم على رأي آخر، بل لمحاولة فهم الصورة كاملة، والاعتراف بأن القضية أعقد من شعار، وأخطر من صفقة عادية.
علما بأن الشيطان يكمن في التفاصيل التي لا أدّعي معرفتها.
أولًا: ما هي الصفقة في أبسط صورها؟
نحن لا نتحدث عن “بيع غاز مصري لإسرائيل” كما كان الحال في الماضي، بل عن استيراد غاز من حقول إسرائيلية في شرق المتوسط إلى مصر، عبر خط أنابيب قائم أُعيد استخدامه في الاتجاه العكسي، في إطار عقود تجارية بين شركات، وتحت مظلة اتفاقات سياسية وأمنية أوسع.
الهدف المُعلن من هذه الترتيبات كان:
الاستفادة من محطات تسييل الغاز المصرية (إدكو ودمياط)، وهي ميزة لا تملكها معظم دول المنطقة،
وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة الغاز،
وفي الوقت نفسه سد فجوات محتملة في احتياجات السوق المحلي عند الضرورة.
ثانيًا: لماذا كانت مصر مُصدِّرة وأصبحت مُستورِدة؟
هذا السؤال مشروع، والإجابة عليه لا يجب أن تكون سياسية فقط.
مصر صدّرت الغاز حين كان الإنتاج أكبر من الاستهلاك.
ثم ارتفع الاستهلاك المحلي بسرعة (سكان، كهرباء، صناعة)، وتراجع الاستثمار في فترات معينة، فاختل الميزان.
لاحقًا أعاد اكتشاف “ظُهر” بعض التوازن، لكن قطاع الطاقة بطبيعته دوري ومتقلب، يتأثر بالأسعار، والديون، والاستثمار، والسياسة كما فهمت.
التحول من التصدير إلى الاستيراد ليس فضيحة في حد ذاته، لكنه مؤشر على خلل يجب الاعتراف به ومعالجته، لا إنكاره ولا تبريره.
ثالثًا: هل الغاز الإسرائيلي للاستهلاك المحلي أم لإعادة التصدير؟
الحقيقة: كلا الأمرين.
في سنوات الفائض النسبي، يُسَيَّل جزء من الغاز (المصري أو القادم من شرق المتوسط) ويُعاد تصديره، بما يحقق عائدًا ويشغّل بنية تحتية مهمة.
وفي سنوات العجز، تصبح الأولوية حتمًا للسوق المحلي، والكهرباء، والصناعة.
المشكلة لا تكمن في “التسييل” ذاته، بل في السؤال الأعمق:
هل نملك رفاهية الاعتماد—ولو جزئيًا—على خصم استراتيجي في سلعة تمس الأمن القومي؟
رابعًا: هل السعر أقل من السعر العالمي؟
لا يوجد “سعر عالمي واحد” للغاز.
لكن عمومًا:
الغاز المنقول عبر الأنابيب يكون أرخص من الغاز المسال (LNG)، لأنه يتجنب تكاليف التسييل والشحن.
في فترات ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، قد يبدو الغاز الإسرائيلي “أوفر”.
لكن السعر وحده لا يكفي للحكم؛ فهناك شروط تعاقد، وحدود دنيا للكميات، ومخاطر سياسية لا تُقاس بالدولار.
هل هذه الصفقة “امتداد لصفقات تمت قبل ٢٠١١”؟
هنا يجب أن نفصل التاريخ:
في عهد مبارك كان هناك تصدير غاز من مصر إلى إسرائيل عبر خط EMG (العريش–عسقلان) قبل أن يتوقف لاحقًا، ثم حدثت نزاعات وتحكيم ٢٠٠٨ الي ٢٠١٢.
أما الآن فالمسار معكوس: غاز قادم من الحقول الإسرائيلية إلى مصر عبر نفس الممر بعد إعادة تهيئته.
إذن تشابه العنوان (غاز بين بلدين) لا يعني تطابق الجوهر.
الجوهر الآن: مصر تحاول أن تلعب دور “مركز إقليمي” بتشغيل بنية الإسالة والتجارة، وفي الوقت نفسه تعالج عجزًا داخليًا متكررًا.
أين تقع “المصلحة الوطنية”؟ وأين تقع “المخاطرة”؟
المكاسب المحتملة (إذا أُديرت بعقل):
تشغيل مصانع الإسالة وخلق قيمة مضافة ورسوم وخدمات لوجستية
تنويع مصادر الإمداد في سنوات العجز
تعزيز موقع مصر كممر/مركز في شرق المتوسط
المخاطر الواضحة:
الاعتماد على خصم/عدو استراتيجي في سلعة حساسة (طاقة/كهرباء)
تقلبات الأمن والسياسة في المنطقة قد تقطع الإمداد
أن يتحول “المركز الإقليمي” إلى “وسيط مضغوط” إذا كان الداخل يعاني أصلًا من نقص الغاز
وهنا تأتي الجملة التي أثارت الجدل:
“لا يصح أن تعتمد على خصمك الاستراتيجي في توفير الطاقة”
هي حجة أمن قومي معروفة. والرد عليها يكون عادةً بحجة اقتصاد سياسي: “نحن لا نعتمد اعتمادًا مطلقًا، بل ننوّع، ونستفيد من فرق الكلفة والبنية التحتية”.
الخلاف مشروع… بشرط ألا يتحول لتخوين شخصي.
“اختلافي أو اتفاقي مع صفقة اليوم لا علاقة له بانتماءات سياسية سابقة، ولا لاحقة ، الحديث الآن عن صفقة بشروط مختلفة وزمن مختلف وسوق مختلف. أنا أناقش مبدأ: أمن الطاقة لا يبنى على خصم استراتيجي، وفي الوقت نفسه لا أنكر أن هناك منطقًا اقتصاديًا يطرحه المؤيدون. فلنناقش الوقائع بدل توزيع الاتهامات.
خامسًا: أين ينتهي منطق المصالح… وأين يبدأ خطر الاعتماد؟وهنا بيت القصيد.
نعم، الدول تتعامل بالمصالح.
ونعم، الاقتصاد الحديث يعرف تشابكات حتى بين الخصوم.
لكن هناك فرقًا بين:
تجارة محدودة محسوبة ضمن تنويع مصادر،
وبين الاعتماد الهيكلي طويل الأجل في ملف حيوي كملف الطاقة.
رأيي—وهو مجرد رأي—أن المنطق والعقل الاستراتيجي يحذّران من بناء أمن الطاقة على مصدر واحد قادم من خصم استراتيجي، حتى لو بدا السعر مناسبًا، وحتى لو وُصفت الصفقة بأنها “تجارية بحتة”.
هذا لا يعني تخوين من يرى فيها مكسبًا اقتصاديًا، ولا يعني تجاهل الحسابات الواقعية، لكنه يعني أن الأمن القومي لا يُدار بمنطق السوق وحده.
النقاش هنا ليس عن الماضي، بل عن كيف نفكر اليوم، وكيف نختلف دون أن نتخاصم.
قد نختلف:
هل الصفقة ضرورة مرحلية أم خطأ استراتيجي؟
هل المصلحة الاقتصادية تبرر المخاطرة السياسية؟
لكن ما يجب ألا نختلف عليه هو:
أن طرح الأسئلة ليس خيانة، وأن الدفاع عن الحسابات الاقتصادية ليس عمالة.
بين هذين الحدّين فقط يمكن أن يولد نقاش صحي في اطار مجتمع يفكر.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى