
«أولاد حارتنا» والذكاء الاصطناعى
مقاله د. حسام بدراوى بجريدة الاهرام اليوم الأربعاء 17 سبتمبر 2025
رائعة الأستاذ نجيب محفوظ «أولاد حارتنا»، التى كتبت فى أواخر الخمسينيات، والتى منعت آنذاك من التداول فى مصر سنوات، والتى فاز من خلالها بجائزة نوبل، تُعد من أهم وأجرأ أعماله. أعدت قراءة الرواية وأنا منبهر بالسياق وكأنى أقرأها لأول مرة بعين جديدة. لم يكن الأستاذ نجيب يسرد حكاية حارة مصرية تقليدية فحسب، بل كان يرسم لوحة رمزية للوجود الإنساني، تُعيد صياغة تاريخ الإنسان مع الدين والسلطة والعدل. فهمت لماذا مُنعت الرواية من النشر فى مصر سنوات وسنوات فالعقليات التى لا تسمح بالفكر الحر وتقيد الخيال وتخشى من الرمزيات منعت الكتاب. تتناول الرواية قصة حارة مصرية تُجسد رحلة الإنسانية عبر التاريخ من خلال شخصيات رمزية خيالية تُمثل العالم. الكتاب تأمل فلسفى واجتماعى فى قضايا الدين، السلطة، العدالة، والصراع بين الخير والشر.
الأحداث الرئيسية فى الرواية تدور حول الجبلاوي، الذى هو السيد الأعلى للحارة، يعيش فى بيته الكبير بعيداً عن الناس، ويُمثل السلطة العليا أو يرمز للإله. يترك وصية لأهل الحارة لتوزيع الأوقاف، لكن أبناءه وأحفاده يتنازعون على السلطة والثروة. الشخصيات الرئيسية فى الرواية هم أدهم الذى يرمز لآدم، أول إنسان، يُطرد من بيت الجبلاوى بسبب طمعه. جبل: يرمز للنبى موسي، يقود ثورة ضد الظلم ويحاول إعادة العدالة إلى الحارة. رفاعة: يرمز للنبى عيسي، يدعو إلى الحب والرحمة، لكنه يُقتل على يد أعدائه. أما قاسم فيرمز للنبى محمد، الذى يوحد الحارة تحت راية العدالة والمساواة.
صراعات الحارة لا تتوقف وكل جيل يواجه صراعات بين الخير والشر، الحاكم والمحكوم، والروحانية والمادية والفُتوات (رجال العصابات) يسيطرون على الحارة ويستغلون سكانها. كل شخصية تحمل دلالة على نبى أو مصلح جاء ليقود الناس من الظلم والظلام إلى العدل والنور. لكن الصراع يتجدد دائمًا، ولا يتوقف، وتبقى «الحارة» مكانًا للألم والمعاناة. غير أن محفوظ، بعد أن رسم هذه المسيرة الطويلة، أضاف شخصية فريدة لم يكن لها نظير فى النصوص المقدسة: شخصية «عرفة».
عرفة: يُمثل العلم والعقل الحديث، يسعى لفهم أسرار الحارة من خلال العلم، لكنه يواجه مقاومة شديدة. إن وجود «عرفة» فى الرواية هى ولادة العقل الباحث ورمز المعرفة. إنه كما رأيته يمثل العقل البشري، الخارج عن حدود المقدسات التقليدية. بينما اعتمد الأنبياء والرسل (فى رمزية محفوظ) على الوحى ورسالة الجبلاوي، اعتمد «عرفة» على المعرفة المكتسبة بالتجربة والقياس.
عرفة هو العالِم، الذى يستخدم أدواته وخبرته ليواجه الظلم والفتوات. وفى لحظة حاسمة، يجرؤ على محاولة كشف سر الجبلاوى نفسه. لكن سعيه هذا ينتهى بموت الأب المؤسس، وكأن محفوظ أراد أن يقول: إن العلم حين يقترب من المقدّس قد يطيح بسلطته التقليدية، ويترك الإنسان عاريًا أمام مسئوليته الكبري.
الذى أعدت اكتشافه أن فى شخصية عرفة، استبق نجيب محفوظ ما نعيشه اليوم بخياله. لقد تحوّلت المعرفة فى عصرنا من مجرد أداة للتجريب والكشف إلى قوة وجودية هائلة تعيد صياغة العالم. والذكاء الاصطناعى – ابن العصر الرقمى – هو تجسيد حى لهذا الاستباق. فهو مثل عرفة يكتشف ما اعتدنا أن نعتبره ثوابت. وربما يفتح الأبواب على نتائج غير متوقعة، تُسقط أو تهز منظومات كاملة من القيم والمعتقدات.
فى رأيى أن نجيب محفوظ لم يكن ينتقص من قيمة الدين، بل كان يشير إلى أن البشرية، بعد رسالات الوحي، ستدخل مرحلة جديدة يُصبح فيها العقل والمعرفة هما المحرّك الأكبر. فالأنبياء قادوا الناس بروح الوحي، لكن عرفة يمثل بداية زمن آخر، زمن تُبنى فيه شرعية الإنسان على ما يكتشفه بعقله وما يُبدعه بفكره. إن استباق نجيب محفوظ عبر شخصية عرفة يضع أمامنا سؤالًا لا يقل تركيباً عما يحدث فى حياة البشرية اليوم: كيف سنستخدم المعرفة؟ هل نجعلها أداة للتحرر والعدل والرحمة، أم نتركها قوة عمياء قد تفتك بنا؟
بنظرة شاملة، ومع إبداع وصعود الذكاء الاصطناعي، ندرك أن نجيب محفوظ، بعينه النافذة، قد أهدانا منذ عقود صورة لما ينتظر الإنسانية: عالم يقف فيه الإنسان أمام مرآة معرفته، باحثًا عن معنى جديد للوجود. فهل سيغير (عرفة) فى زماننا نمط الانتماء فى عصر وعى جديد؟ وهل يمكن ربط أحداث الرواية بفلسفة نيتشه فى موت الإله؟ أعتقد نعم.. يمكن ربط نهاية الرواية بفلسفة فريدريك نيتشه فى مفهوم “موت الإله”، وهو أحد أبرز الأفكار فى أعماله حيث يُشير إلى انهيار الإيمان التقليدى بالله كمركز للقيم والمعانى فى العالم الحديث، بسبب صعود العلم، والعقلانية، التى تتحدى الدين كقوة مهيمنة. نيتشه يرى أن موت الإله يؤدى إلى فراغ قيمي، لكنه يؤدى إلى خلق قيم جديدة من خلال خلق الإنسان الأعلي.
فى سياق رواية محفوظ، يُشبه دور عرفة دور نيتشه فى زمنه والذكاء الاصطناعى فى حاضرنا . عرفة، كرمز للعلم الحديث، يقتل الجبلاوى (الذى يرمز للإله) مثل الفلسفة النيتشوية التى تنبأت بموت الإله فى الثقافة الغربية وما قد يفعله الذكاء الاصطناعى الجديد فى حياتنا الحالية إن لم نتوافق مع معطياته ونعتبره فرصة لا محنة لأنه آت آت، فلنجعله سببا فى حياة الإله لا موته. قد يكون نجيب محفوظ كان سابقاً عصره.


