بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: التأييد المطلق قد لا يعيش.. تصريح نيوسوم وبداية نقاش جديد حول إسرائيل

أحيانًا لا تبدأ التحولات الكبرى بقرارات سياسية ضخمة، بل بجملة تُقال في لحظة صريحة فتفتح بابًا كان مغلقًا في الوعي العام.

هذا ما خطر ببالي عندما قرأت تصريح حاكم ولاية كاليفورنيا جافين نيوسوم، أحد أبرز الوجوه الصاعدة في الحزب الديمقراطي الأمريكي، وقد يكون مرشحاً قوياً لرئاسة أمريكا، حين أشار إلى أن سياسات الحكومة الإسرائيلية تدفع كثيرين إلى وصف إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري، بل طرح سؤالًا ظل طويلًا خارج الخطاب السياسي الأمريكي التقليديهل ينبغي للولايات المتحدة أن تعيد النظر في دعمها العسكري لإسرائيل؟

لم يكن ما لفت انتباهي في هذا التصريح هو حدّة الكلمات بقدر ما كانت الدلالة الكامنة وراءها.

فالكلمات قد تُقال في السياسة كثيرًا، لكن أهميتها الحقيقية تكمن أحيانًا في من يقولها وفي اللحظة التي تُقال فيها.

فمنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 ظل الدعم الأمريكي لها واحدًا من أكثر الثوابت رسوخًا في السياسة الأمريكية، يكاد يحظى بإجماع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء.

لكن التاريخ يعلمنا أن الإجماعات السياسية، مهما بدت صلبة، تبدأ أحيانًا في التصدع بهدوء قبل أن يلاحظ ذلك كثيرون.

وقد كان تصريح نيوسوم بالنسبة لي مناسبة للتوقف قليلًا والتأمل في سؤال أكبرهل نحن أمام مجرد سجال سياسي عابر، أم أن هذا الكلام يعكس تحولًا أعمق في المزاج السياسي والفكري داخل الولايات المتحدة؟

لفهم ذلك، ربما يكون من الضروري العودة خطوة إلى الوراء، والنظر إلى المسار التاريخي الطويل للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، وكيف تشكلت، وكيف بدأت ملامح النقاش حولها تتغير.

من تعاطف تاريخي إلى تحالف استراتيجي

حين اعترفت الولايات المتحدة بإسرائيل عام 1948، لم يكن ذلك مجرد موقف دبلوماسي عابر.

كان تعبيرًا عن لحظة تاريخية ثقيلة، خرج فيها العالم من الحرب العالمية الثانية وهو يحمل شعورًا أخلاقيًا عميقًا تجاه مأساة اليهود في أوروبا.

لكن العلاقة بين البلدين لم تتحول إلى تحالف استراتيجي كامل إلا بعد حرب عام 1967، حين بدأت الولايات المتحدة تنظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفًا رئيسيًا في معادلة التوازن الإقليمي خلال الحرب الباردة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت إسرائيل جزءًا من بنية النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وتحول دعمها العسكري إلى سياسة ثابتة عبر الإدارات المتعاقبة.

وهم الاستقرار

طوال عقود، بدا وكأن هذه المعادلة مستقرة.

حتى عندما ظهرت انتقادات لسياسات إسرائيل — خاصة فيما يتعلق بالاحتلال والاستيطان — بقيت تلك الانتقادات في إطار محدود لا يمس جوهر العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.

لكن ما يبدو ثابتًا في السياسة الدولية قد يخفي في داخله تحولات بطيئة تتراكم مع الزمن.

الجيل الذي لم يعش الماضي

التحول الذي نراه اليوم في الولايات المتحدة يرتبط جزئيًا بتغير الأجيال.

فالأجيال الجديدة في الغرب لم تعش لحظة تأسيس إسرائيل، ولا تحمل الذاكرة التاريخية نفسها التي شكلت مواقف الأجيال السابقة.

وبالنسبة لكثير من هؤلاء الشباب، فإن الصراع في الشرق الأوسط لا يُقرأ من خلال ذاكرة الحرب العالمية الثانية، بل من خلال مفاهيم معاصرة مثل حقوق الإنسان، والعدالة، والمساواة أمام القانون.

ولهذا لم يعد غريبًا أن يظهر خطاب نقدي جديد داخل المجتمع الأمريكي، خاصة داخل الحزب الديمقراطي.

لحظة نيوسوم

في هذا السياق يصبح تصريح نيوسوم أكثر أهمية.

فهو لا يمثل صوتًا هامشيًا أو راديكاليًا، بل ينتمي إلى التيار الرئيسي داخل الحزب الديمقراطي، بل ويُنظر إليه كأحد الوجوه المحتملة لقيادة الحزب في المستقبل.

عندما يصدر مثل هذا الكلام عن سياسي من هذا الوزن، فإن معناه أن النقاش حول إسرائيل لم يعد محصورًا في الجامعات أو في أوساط النشطاء، بل بدأ يدخل إلى قلب المؤسسة السياسية الأمريكية.

وهذا في حد ذاته تطور لافت.

إسرائيل في مرآة النظام الدولي الجديد

لكن ربما يكون الخطأ الأكبر هو قراءة هذه التحولات باعتبارها مجرد مسألة أمريكية داخلية.

فالعالم كله يشهد في السنوات الأخيرة تحولًا في موازين القوة والرؤية السياسية.

النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يتغير تدريجيًا، ومعه تتغير الطريقة التي ينظر بها الغرب إلى كثير من القضايا القديمة.

وفي هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن يعاد طرح أسئلة ظلت طويلًا خارج النقاش.

ما الذي يتغير فعلًا؟

ليس من الواقعي توقع أن تتخلى الولايات المتحدة عن دعمها لإسرائيل في المستقبل القريب.

فالعلاقة بين البلدين عميقة، وتشمل أبعادًا سياسية وعسكرية وثقافية عديدة.

لكن ما يتغير بالفعل هو لغة النقاش وحدوده.

فبعد عقود من الإجماع شبه المطلق، أصبح الملف الإسرائيلي جزءًا من جدل سياسي وفكري داخل الولايات المتحدة نفسها.

التاريخ لا يتوقف

قد يكون تصريح نيوسوم مجرد لحظة عابرة في سجال سياسي.

لكن التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى غالبًا ما تبدأ بأسئلة صغيرة تبدو في البداية هامشية.

وربما يكون السؤال الذي طرحه — حول طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل — أحد تلك الأسئلة التي تشير إلى أن مرحلة جديدة من التفكير السياسي قد بدأت بالفعل.

فالتاريخ لا يتحرك دائمًا بصخب، وأحيانًا يبدأ التغير الحقيقي بجملة قيلت في ما تقوله لحظات التحول

التاريخ نادرًا ما يتغير بقرارات مفاجئة.

غالبًا ما يبدأ التحول الحقيقي عندما يتغير ما كان يُعدّ بديهيًا.

فالقضية هنا ليست تصريحًا سياسيًا، ولا حتى موقف حزب أو إدارة بعينها.

القضية الأعمق هي أن الأسئلة التي كانت تُطرح همسًا في الماضي أصبحت تُقال اليوم بصوت أعلى داخل قلب المؤسسة السياسية الغربية.

وهذه هي العلامة الحقيقية على بداية التحول.

لقد عاش العالم عقودًا طويلة كان فيها الدعم الأمريكي لإسرائيل جزءًا من المسلمات السياسية التي لا تُناقش.

لكن التاريخ يعلّمنا أن المسلمات السياسية لا تبقى ثابتة إلى الأبد، وأن التحولات الكبرى تبدأ عندما تتغير اللغة التي يتحدث بها الناس عن الواقع.

ربما لن يتغير شيء كبير غدًا.

وربما تبقى السياسات على حالها سنوات أخرى.

لكن مجرد طرح السؤال — سؤال إعادة التفكير في طبيعة العلاقة — يعني أن شيئًا ما بدأ يتحرك في العمق.

وهكذا تعمل حركة التاريخفالتاريخ لا ينهار فجأة، ولا يتبدل بضربة واحدة.

إنه يتغير أولًا في العقول والضمائر واللغة، ثم تتبعه السياسة بعد ذلك بسنوات.

وربما يكون تصريح نيوسوم — في نهاية الأمر — مجرد إشارة صغيرة إلى أن العالم بدأ ينظر إلى هذا الصراع بعيون مختلفة.

وعندما تتغير طريقة النظر، يتغير معها — عاجلًا أم آجلًا — مسار التاريخ نفسه.

أكتب هذا المقال، مع أمل أن يكون هناك استراتيچية مصرية عربية تعمل على خلق واقع جديد واستغلال لحظات التغيير التاريخي لصالح نظرة أكثر عدالة لقضايا الشعوب المقهورة بصلف الصهيونية العالمية اعتمادًا على تحالفها النسيجي مع الولايات المتحدة.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى