
الكلمه الحلوه بين العتاب واللوم
حسام بدراوي
في عالم يتسم بالتعقيد والتشابك بين المشاعر والعلاقات الإنسانية، يبرز حديث اللوم والعتاب حكمة تمس عمق طبيعتنا البشرية. كل كلمة نقولها تحمل في طياتها معنى، وكل تصرف ينبع من تجربة خفية تدفعنا إلى التعبير عن مشاعرنا بطرق شتى. اللوم والعتاب، عبارتان تتقاطعان في معناه، ولكنهما، كظل العين والنور، تمثلان جانبين متناقضين من العلاقات الإنسانية. فاللوم يتطلب القوة المجردة في إلقاء اللوم على الآخر، مما يؤدي غالبًا إلى جدار من الدفاع، بينما العتاب يؤكد قوة الحب والرغبة في التواصل، حيث يتجلى في كل كلمة التفاهم والعطر الإنساني. فهل نحن حقًا نعرف متى نلوم ومتى نعبر عن عتابنا بطريقة تبني ولا تهدم؟ هذا ما سنبحثه في سطور المقال.
اليوم علي الشاطئ مع إبنتي وبعض صديقاتها، وبعض الأمهات ،جري حديث بين واحده من الأمهات وابنتها تلومها علي تصرف ما.
جري في ذهني حوار قررت فتحه مع الشباب حولي ،حول معني اللوم والفرق بينه وبين العتاب.
وهل هناك فرق في الترجمة الإنجليزية للكلمتين ، ام أن اللغه العربيه تحمل قدرات تفوق الإنجليزية في التعبير.
ترجمة اللوم هو blame أما العتاب فلم أجد لها ترجمة بكلمة واحدة معبرة عن المعني gentle approach
أو reproach
هدفي كان نقل خبرتي لهن بدون التدخل.
ايه الفرق بين اللوم والعتاب؟
العتاب فيه عشم ومحبه وطاقه ايجابيه
اما اللوم فهدفه إثبات خطأ الآخر وكسب نقطه عليه.
العتاب لما نسمعه نحس حبا،
اللوم لما نسمعه يصبح الآخر في حاله دفاع عن النفس، وهو احساس سلبي.
الفرق بينهما في القول هو طريقه قوله وتعليق اللائم علي الرد.
في اللوم نتمادي في إثبات خطأ الآخر بعد إجابته فيزداد اللوم عمقا .
اما في عتاب الأحبه فأي رد يفتح
بابا للقبول ويبني علي الإيجاب.
قالت لي والدة واحدة من الشباب وهي كاتبة مثقفة :
عندك حق فالعتاب هو كلام المُحب برفق من باب: ” لك العتبى حتى ترضى”
أما اللوم فهو التكدير بالكلام المُعَنِف بقصد المعاقبة و هو درجة من درجات العقوبات الادارية يسبقه لفت النظر و يتبعه الخصم. و هو ينطوي على ،و يشترك مع حروف مصدرية لكلمة اللؤم.
فما أبعد العتاب عن اللوم.
وأضافت:
و العتاب من نفس مصدر العَتَب و في الثقافة الشعبية:
”كلام الاعتاب يطووول بين الاحباب.” و ذلك لأنهم يُستقبلون على عتبة الدار بالسرور و الحبور وبالاحضان و القبلات و السؤال عن الأخبار و الأحوال. و يودعون بالتوصيات بالعودة و الدعوات بالسلامة و بالعناق و دموع الوداع لقُرب الفراق.
كما يقال: “الستات أعتاب” عندما يأتي الرزق مع العروس.
و ”العتب على النظر” للاعتذار الرقيق عن تجاهل غير مقصود.
و” العتبة جزاز” للدلالة على الرفاهية ويسر المعيشة المفرحة.
و ” لا عتاب على الأعتاب”. حيث لا يصح استقبال الضيوف أو وداعهم بالعتاب.
و ” عتاب الندل اجتنابه ” أي تجاهله لانه لا يستحق جهد ولا عاطفة المعاتبة.
و كل هذا و أكثر تجده في كتاب الأمثال الشعبية لمحمود تيمور باشا.
وبعثت لي صديقه أخري ، بحثا
.للدكتورة: فؤادة هدية ( أستاذة علم النفس بجامعة عين شمس ) تقول:” إن اللوم هو طريقة غير مباشرة يفرض بها الشخص سيطرته على الشخص الذي يُـلقي عليه باللوم ويُعّينْ نفسه قاضٍ وديان له. وهذا مالا يقبله الكثيرون”.
والسيد المسيح نبّه وعلّم قائلا:”لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا”.
وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن الشخص الذي يتعرض دائما للوم، عندما يحاول أن يتغير فإنه لا يتغير من أجل من يحبهم بل يتغير ليثبت لنفسه إنه ليس شخصا سيئا.
إننا أحياننا نلقي باللوم على أبنائنا ،ازواجنا، قدرنا ،وأحيانا كثيرة نلوم الله نفسه باعتراضنا على أمور معينة نمر بها.
العتاب لغة راقية تقود قاطرة الحب الى الامام، تشعله بوقود الثقة بالنفس وتنقيه من الإحساس بالفشل.
لكن اللوم !!!
عندما نلوم أبناءنا نُـوَلّدْ لديهم شعوراً بالنقص وفقدان الثقة في النفس. ربما البعض منا عانى من لوم الأهل له في طفولته، لذا أعتقد أن العتاب أو التشجيع والتنبيه هو اللغة المثمرة التي تحفز ولا تهدم مثل اللوم.
لننتبه كيف نستخدم الكلمات مع الآخرين لأن ” الموت والحياة في يد اللسان ” كما يقول الحكيم سليمان، بكلماتنا قد نقتل أو نحيي من نتكلم معهم. وهناك مثل يقول: أن جرح السيف يُشفى بينما جرح الكلام لا يشفى أبدا…
فليكن كلامنا كل حين مُصحوبا بالنعمة، ولنبدل لغة اللوم والإدانة بلغة المحبة والتشجيع.
وزاد علي ذلك ما ارسله لي صديق حول الكلمه الحلوه قائلا:
حلوة كلمة ”ما بزعلش منك”
بس الأحلى منها ”مايهونش عليا زعلك”
حلوة العلاقات الرايحة جاية .. اللي فيها الناس بياخدوا و يدوا .. بيخافوا على بعض .. مايهونش عليهم زعل بعض .. بيراضوا بعض .. بيطبطبوا على بعض .. بيطمنوا بعض.. بيسندوا بعض..
هؤلاء لا لوم في علاقاتهم بل عتاب بمحبة .
في ختام هذا الحوار الذي استمر على الشاطئ، نجد أن الاختيار بين اللوم والعتاب ليس مجرد مسألة لغوية، بل هو قرار يؤثر على نوعية العلاقات في حياتنا. العتاب، عندما ينطلق من مكان الحب والاهتمام، يمكن أن يكون جسرًا يربط بين القلوب ويغذي روح التواصل، بينما اللوم، بما يحمله من مشاعر سلبية، قد يزرع الفجوات ويؤدي إلى انقطاع الأواصر. فلنتعلم أن نُستخدم كلمات العتاب التي تبني ولا تُهدم، لنُحيي لحظاتنا ونقوي روابطنا. ولنتذكر دائمًا أن الحب هو الذي يُفتح به قلب الآخر، وأن الكلمات الحلوة قد تكون المفتاح لفتح قلوبهم، حتى في أصعب الأوقات. إن كانت حياتنا مليئة بالعتاب الجميل، فسنكون قد نلنا أغلى ما في الوجود: التواصل الصادق والنقي بين القلوب.
(وعلي عكس ما يظن البعض ففي المصيف والشاطئ يمكن ان يكون هناك حوارات جميلة ويعتمد ذلك علي الأسرة)


