
قرأتُ مقالاً جميلاً للأستاذ محمد عبد القدوس بعنوانٍ جريء: «الله صديقي».ابتسمتُ وأنا أقرأه، لأن العبارة – رغم بساطتها – تفتح باباً واسعاً للتأمل في طبيعة العلاقة بين الإنسان وربه. وربما كان في جرأتها شيءٌ من روح والده الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، الذي كان يملك القدرة النادرة على قول الأفكار الكبيرة بلغة قريبة من القلب.
لكنني حين أعدت التفكير في الفكرة وجدتني أميل إلى تعبيرٍ آخر أقرب إلى وجداني:الله… حبيبي.ليس حباً من جنس الحب بين البشر، فالله ليس كمثله شيء، ولا يمكن لعلاقةٍ بشرية أن تكون مقياساً للعلاقة بين الخالق والمخلوق.لكن كلمة الحب هنا ليست استعارة عاطفية، بل وصفٌ لحالةٍ وجودية يعيشها الإنسان حين يدرك أن الكون ليس مكاناً بارداً أو عدائياً، بل فضاءً مشبعاً بالمعنى.الإنسان في رحلته الطويلة بين السؤال والدهشة يبحث دائماً عن معنى.
فالعلم يفسر الظواهر، والفلسفة تحلل الأفكار، لكن القلب يظل يبحث عن شيءٍ آخر: عن حضورٍ يطمئنه.ومن هنا تبدأ العلاقة.ليست علاقة خوفٍ، ولا علاقة طلبٍ دائم ، بل علاقة قرب.يقول محمد عبد القدوس في مقاله إنك إذا تقدمت إلى الله خطوة جاءك بأكثر من عشر خطوات.
وهذه العبارة البسيطة تختصر فكرة عميقة في التجربة الروحية:أن العلاقة مع الله ليست علاقة مسافة، بل علاقة وعي.
فالله ليس بعيداً حتى نقترب منه،ولا غائباً حتى نبحث عنه،بل هو حاضر في عمق التجربة الإنسانية نفسها.حين يتأمل الإنسان الكون،حين يقف أمام نظامه المدهش،حين يشعر بتلك الرعشة الخفية أمام الجمال أو الحقيقة أو الرحمة… فإنه في الحقيقة يلمس أثر الحضور الإلهي في الوجود.
لهذا لا أرى العلاقة مع الله مجرد طقوس، ولا أراها خوفٍ من عقاب أو طمعٍ في الثواب.
العبادة في جوهرها حالة حب ووعي.حب يجعل الإنسان يشعر بالامتنان لوجوده نفسه.ووعي يجعله يدرك أن حياته ليست حادثة عابرة في كونٍ أعمى، بل فصلٌ صغير في قصةٍ أكبر.وفي صداقات البشر قد نخشى أن نكشف ضعفنا.أما مع الله فالأمر مختلف تماماً.هو يعلم ضعفك قبل أن تعترف به،ويعلم حيرتك قبل أن تنطق بها،ويعلم ما في أعماقك حتى حين لا تعرف أنت كيف تعبّر عنه.ليس لأنه صديق بمعنى الصداقة البشرية، بل لأنه أقرب إلى وعيك من وعيك نفسه.ولعل أجمل ما في هذه العلاقة أنها لا تحتاج إلى وسطاء.
الإنسان يقف أمام الله كما هو:بضعفه، وحيرته، وأحلامه، وأخطائه.وفي هذه اللحظة يسقط كل شيءٍ آخر: المناصب، والألقاب، والسلطة، والثروة.يبقى الإنسان فقط…ويبقى الله بجلاله.
وفي أسماء الله الحسنى إشارات عميقة إلى هذه العلاقة كما يقول محمد عبد القدوس:الودود… اللطيف… القريب.
ليست مجرد أسماءٍ نحفظها،بل مفاتيح لفهم تجربة الإنسان مع الوجود.فإذا ضاقت الدنيا شعر بلطفه.وإذا أخطأ وجد باب رحمته.وإذا تاه بين أسئلة العقل دلّه قلبه إليه.لهذا أقولها دون حرج:ليس الله فقط خالقي…بل هو أيضاً الحضور الذي أحب.
وفي عالمٍ يمتلئ بالصخب والضجيج، تبقى لحظة الصفاء مع الله هي اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان توازنه الداخلي.
لحظةٌ يدرك فيها أن رحلته في هذا الكون ليست بلا معنى،وأن وراء هذا الوجود الواسعحقيقةً واحدةً تحيط بكل شيء.وفي تلك اللحظة الهادئة،حين يهدأ الفكر ويصمت الضجيج،يكتشف الإنسان أن أجمل ما في الإيمان ليس الخوف ولا الرجاء…بل تلك الطمأنينة العميقة التي تجعل القلب يهمس:يا رب… ما أجمل أن يكون الإنسان في حضرة حبك.


