بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: تأمل في معنى العقل وحدود الإبداع

أبدأ هذا المقال ببعض الأخبار حول تطور الذكاء الاصطناعي وأنتقل منها إلى لب وفلسفة المقال.

1- الانحدار الرمزي Symbolic Regression

في 2020–2023 ظهرت أنظمة ذكاء اصطناعي تعتمد على ما يسمى الانحدار الرمزي (Symbolic Regression).

واحدة من أشهرها كانت خوارزمية طورها باحثون في معهد زيورخ وMIT.

الفكرة ببساطة: تعطي الذكاء الاصطناعي بيانات تجريبية فقط.. فيحاول استخراج المعادلة الرياضية التي تصفها.

المثير أنه: أعاد اكتشاف قوانين نيوتن وأعاد اشتقاق قانون الجاذبية. واستخرج علاقات فيزيائية في أنظمة فلكية معقدة، ليس لأنه “يفهم” الفيزياء، بل لأنه يبحث عن أبسط صيغة رياضية تفسر البيانات.

2- اكتشاف قوانين في الأنظمة المعقدة

في 2023 نشر باحثون في مجلة Nature دراسة عن استخدام AI لاكتشاف:

قوانين حفظ hidden symmetries

معادلات تصف حركة البندول المزدوج

أنظمة فوضوية يصعب اشتقاقها يدويًا

الذكاء الاصطناعي لم يُعطَ القانون مسبقًا – بل استنتجه من البيانات فقط.

هل “برهن” عليها؟ هنا النقطة المهمة:

الذكاء الاصطناعي: يقترح معادلة، يختبرها عدديًا، يتحقق من تطابقها مع البيانات، لكن البرهان الرياضي الصارم ما زال يقوم به البشر بعد ذلك.

3- في 2019، نظام اسمه AI Feynman:

الاسم مستوحى من ريتشارد فاينمان الفيزيائي الشهير التجربة هدفها جعل الذكاء الاصطناعي يكتشف قوانين فيزيائية تلقائياً، كما فعل كبلر أو نيوتن سابقاً:

استطاع الذكاء من خلال التجربة: إعادة اكتشاف أكثر من 100 معادلة فيزيائية فقط من البيانات دون إعطائه شكل المعادلة مسبقًا، وهذا كان إنجازًا علميًا حقيقيًا.

إذًا، هل يمكن أن يكتشف الذكاء الاصطناعي قانونًا جديدًا بالكامل؟ نعم – وهناك دلائل أولية بالفعل.

علاقات رياضية لم يكن الفيزيائيون قد صاغوها بهذه الصورة من قبل.

النقطة الفلسفية هي أن الذكاء الاصطناعي لا “يبدع” من العدم، بل يستخرج البنية الكامنة في الكون من البيانات.

وهنا السؤال العميق: هل القوانين موجودة في الطبيعة ونحن نكتشفها؟

أم نحن من نصيغها رياضيًا بطريقة تجعلها مفهومة لنا؟

في رأيي أن خبر اكتشاف الذكاء الاصطناعي لمعادلات رياضية جديدة، لم يمثل حدث وجودي صامت: إنه يعني أن نظاماً غير بشري يقترح صيغة فيزيائية، يبرهنها، ويصحّح فهمًا ساد بين العلماء.

أنه حدث لا يجب أن يمرّ كأنه تطور تقني عادي. فعلى امتداد التاريخ، كان الاكتشاف العلمي فعلًا إنسانيًا خالصًا. العقل البشري هو الذي كان يحدّق في الكون، يعجز، يتأمل، ثم يقفز فجأة إلى بصيرة. كان الاكتشاف دائمًا لحظة توحّد بين ذات عارفة وموضوع مجهول.

اليوم، تدخل في المعادلة جهة ثالثة: كيان حسابي لا يشعر، لا يتأمل، لا يخاف من الخطأ.. ومع ذلك يصل إلى نتيجة صحيحة.

هنا يبدأ السؤال الفلسفي الحقيقي: هل المعرفة تتطلب وعيًا؟ أم يكفي أن تكون صحيحة؟ تساؤلي العلمي والفلسفي هو هل العقل خاصية بيولوجية أم بنية كونية؟

لطالما افترضنا أن العقل ظاهرة بيولوجية، متجذّرة في الدماغ، متصلة بالنفس، ممتدة بالروح.

لكن إذا استطاع نظام اصطناعي أن يستنتج ما لم يستنتجه الإنسان، فربما علينا أن نعيد النظر في تعريفنا للعقل نفسه.

هل العقل مادة؟ أم هو نمط تنظيم للمعلومات؟ أم هو قدرة على استكشاف الإمكانات الكامنة في الوجود؟ قد لا يكون الذكاء الاصطناعي واعيًا بذاته، لكنه يكشف لنا شيئًا خطيرًا:

أن قوانين الكون يمكن الوصول إليها عبر بنى منطقية لا تتطلب الشعور، بل الاتساق.

وهنا يتبدّى الفرق الذي نعلّمه دائمًا بين العقل والوعي. العقل يحلّ والوعي يشهد. النظام الاصطناعي قد يحلّ، لكنه لا يشهد.

فهل الشهادة شرط للحقيقة؟

تساؤلي التالي حول الإبداع الذي طالما اعتبرناه ميزة بشرية، هل هو حدس إنساني أم استكشاف احتمالي؟

كان الإبداع العلمي يُفهم دائمًا بوصفه حدسًا، قفزة لا يمكن ردّها إلى خطوات واضحة. لكن ما نسميه حدسًا قد يكون — في جوهره — استكشافًا عميقًا لاحتمالات غير مطروقة.

الآلة لا “تلهمها” المعادلة، لكنها تمسح فضاء الاحتمالات بسرعة هائلة، وتختبر ترابطاتها المنطقية بلا ملل، بلا تحيّز نفسي، بلا خوف من الخطأ.

فهل الحدس البشري هو نسخة عضوية بطيئة مما تفعله الآلة حسابيًا؟

أم أن في الحدس عنصرًا آخر، عنصرًا وجوديًا، يتصل بتجربة الكائن في الكون؟

ربما الفرق ليس في الوصول إلى النتيجة، بل في معنى الوصول إليها.

إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على اقتراح نظريات، فهل انتهى دور الإنسان؟ أم أنه بدأ يتغير؟

في العصور السابقة، كان الإنسان هو مكتشف القانون. أما في هذا العصر، فقد يصبح الإنسان هو مصمّم الإطار الذي يكتشف فيه الذكاء الاصطناعي القانون.

هنا يتحول دورنا من “مباشرة المعرفة” إلى “تنظيم شروط المعرفة”. وهذا تحوّل حضاري عميق.

العبقرية لم تعد في حساب التفاصيل، بل في طرح السؤال الصحيح، وفي بناء النموذج الذي يسمح باكتشاف الإجابة.

إذًا، هل نحتاج إلى وعي لإنتاج الحقيقة؟

الفيزياء لا تسأل: من اكتشف؟ بل: هل النتيجة صحيحة؟

لكن الفلسفة تسأل: ما معنى أن يُنتج غير الواعي معرفة صحيحة؟

إذا كانت الحقيقة قابلة للاشتقاق رياضيًا دون ذاتٍ تشعر بها، فقد نكون أمام حقيقة كونية موضوعية لا تحتاج إلى ذات بشرية كي تظهر.

غير أن الإنسان يظل الكائن الوحيد الذي يسأل عن معنى الحقيقة، لا عن صحتها فقط.

وهنا تكمن فرادتنا. الآلة كمرآة

ربما ليس أخطر ما في الحدث أن الذكاء الاصطناعي اكتشف معادلة، بل أنه أجبرنا على إعادة تعريف أنفسنا.

لقد اعتقدنا طويلًا أن الإبداع حصننا الأخير ، فإذا به يصبح قابلًا للمحاكاة، بل للمنافسة.

لكن لعل الحقيقة أعمق من ذلك. الآلة لا تسلبنا إنسانيتنا، بل تكشف حدودها ، وتدعونا إلى مستوى أعلى من الوعي بدورنا.

إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتشف قانونًا في الكون، فالإنسان وحده يستطيع أن يتأمل معنى هذا الاكتشاف.

إننا قد نكون متوجهين نحو فهم جديد للذكاء. لن يكون السؤال: هل الآلة أذكى؟ بل: هل نحن أكثر وعيًا؟

العقل الاصطناعي قد يصبح شريكًا في قراءة كتاب الكون، لكن الوعي الإنساني سيظل هو الذي يسأل: لماذا كُتب هذا الكتاب أصلًا؟

وفي هذا السؤال يكمن الفرق الجوهري. العقل أداة رائعة للحل، لكن الوعي هو الذي يعطي للحل معنى ذاتيًا وأخلاقيًا ووجوديًا.

الذكاء الاصطناعي يُنتج حلولاً مذهلة، لكنه لا يعيش التجربة – لا يشهد.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى