جانب من كتاب رجل العاصفة: معركة الإصلاح من الداخل

معركة الاصلاح من الداخل

 

بعد 2005 كان اللعب على المكشوف، وكان الصراع واضحا للجميع بين جناحي الحزب، الجناح الإصلاحي بقيادة د بدراوي، والحرس القديم في الحزب والحكومة من جهة، وكانت رؤية د بدراوي واضحة كما عرضها في لقاء تليفزيوني أكتوبر 2007 في البرنامج التلفزيوني “منتهى السياسية” مع الاعلامي والصحفي محمود مسلم، وقال في نفس الحوار:

“التغيير إما يأتى بتداول السلطة بوجود حزب جديد، أو بتغيير داخلى جوه الحزب الحاكم نفسه، والمصريون بحاجة إلى موجة تغيير أكثر جرأة، والخطوة الأولى لإصلاح الحياة السياسية في مصر هي إصلاح الحزب الوطني باعتباره الوعاء السياسي، للنظام الحاكم في مصر، والعمل من أجل إصلاح الحزب، كمقدمة وكخطوة على طريق إصلاح النظام السياسي الحاكم برمته“.

كان انفراد الوطني بالتعديلات الدستورية عام 2006 أحد النقاط التي صنعت أزمة بينه وبين الحرس القديم في الحزب، ففي ديسمبر العام نفسه بعث الرئيس الأسبق حسنى مبارك برسالة للبرلمان المصري طلب فيها تعديل 34 مادةً من مواد الدستور، وهو ما يقترب من سدس النصوص الدستورية التي يحتويها دستور 1971. ومجلس الشعب في 19 مارس 2007 بالأغلبية وافق على التعديلات الدستورية المطروحة. وفى 26 مارس 2007، أُجرى الاستفتاء على هذه التعديلات للمواد الـ 34، ووافق عليها الشعب بنسبة بلغت 75.9%.

وقال الحزب الوطني آنذاك إن “التعديلات هي تنفيذ لوعود إصلاحية قطعها الرئيس حسني مبارك خلال حملته لانتخابات الرئاسة”

واعتبرت المعارضة المصرية أن التعديلات تلغي الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات العامة وتسمح لرئيس الدولة بإحالة المدنيين الى القضاء العسكري كما تسمح له بحل مجلس الشعب دون الرجوع للناخبين. ووجه بعض رموز العمل السياسي وممثلو القوى الوطنية انتقادات حادة للتعديلات الدستورية، وعبروا عن رفضهم القاطع لانفراد الحزب الوطني بالتعديلات المزمع إقرارها، ومحاولاته المستميتة للانفراد بها دون باقي القوى الوطنية محاولًات تهميش دور المعارضة ومنظمات المجتمع المدني في المشاركة في الحوار الدائر نحو إقرار التعديلات الدستورية الجديدة.

وحده داخل الحزب الوطني الذي أيد رأي المعارضة في التعديلات الدستورية كان الدكتور حسام بدراوي، وقال آنذاك ” ليس من حق الحزب الوطني الانفراد بالتعديلات الدستورية. وأشار أنه لا يجب أن يكون الحوار الوطني مجرد الجلوس مع ممثلي الأحزاب فلابد أن يكون الحوار الوطني مستمرا حتى ينتهي الحوار لصالح مصر أولا“.

وأشار أن هناك مواد كان يجب النظر فيها وتعديلها، المادة 77 من الدستور كانت تتيح للرئيس مبارك فرصة إعادة انتخابه لفترات متتالية حتى مماته أو اعتزاله العمل السياسي، وتنص المادة: “مدة الرئاسة ست سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى”.

وكان هناك داخل الحزب الوطني من كانوا يرفضون تعديل المادة 77 من الدستور التي تطلق مدد تولى الرئيس الحكم، ويرون أن بقاء الرئيس مكسب للشعب لا يجب التفريط فيه وأن إيجاد البديل صعب ولا يجب وضع إنسان في أعلى مكان في السلطة لا نعرف عنه شيئاً ويمكن أن يعرض مصالح الناس والوطن للخطر، وكان يرى ضرورة تعديل المادة من أجل تحقيق خطوة حقيقية نحو تحديد مدد الرئاسة ومن ثم تحقيق مبدأ تداول السلطة، وكان يقول : “كنت ولازلت من الداعيين لتعديل الماده 77 من الدستور وتحديد مدد الرئاسة ليشعر المواطن بالطمئنان نحو فكره تداول السلطة ، ولابد من ضرورة توسع المنافسة الانتخابات الرئاسية”

كذلك كانت لـ د. حسام آراء مناقضة لرأي الحزب الوطني فيما يتعلق بالرقابة الدولية على الانتخابات، باعتبارها تمس سيادة الدولة، حسبما يروج الحزب، بينما كان يعتبرها “تزيد من درجة نزاهة الانتخابات وهو ما يطالب به المواطن حتى يطمئن لنزاهة الانتخابات” ووصل الهجوم عليه من بعض الأطراف في الحزب بوصفه بالعمالة، وهو كان يدلل على موقفه: “المراقبون الدوليون يذهبون لمراقبة الانتخابات فى كل مكان، وموجودون أردنا أم لم نرد. جميع السفارات وكل الإعلام وتليفزيونات العالم موجودة. يذهبوائ ويصوروا ويسألوا الناس فى الشارع. مش هنقدر نمنعهم. أنا اعرف ان فيه ناس من المعارضة رافضه الرقابه الدولية، ووجهة نظرى إن هناك أزمة ثقة بين الناس والانتخابات فى مصر، إذا احنا قلنا إنها مش موجودة يبقى بنخالف الواقع” .

موقف د. حسام المتجدد من الرقابة الدولية يعيدنا إلى ما كتبه عام 2005 تحت عنوان “الرقابة والتدخل”، حيث طرح 3 نقاط رئيسية للمناقشة، أولا: هل المراقبة الدولية تدخل في سيادة الدولة، النقطة الثانية: من يقوم بالمراقبة، والنقطة الثالثة تقييم العملية الانتخابية، وتساءل: هل يعتبر ذلك تدخلًا في سيادة الدولة أو تجاوزاً على سلطة القضاء الممثلة في قضاة يشرفون على كل صناديق الانتخاب.

وقال : “أمامنا في هذا الأمر 3 قضايا، أولها أن العرف العالمي أن من يقوم بخدمة إدارة عملية الإنتخابات هم أفراد من المجتمع، يراقبهم أفراد من المجتمع ويحكم بين المرشحين والناخبين وإدارة عملية الانتخاب القضاء، ولقد اخترنا أن يقوم القضاة بأنفسهم بإدارة العملية الانتخابية وعليه أصبحت الرقابة عليهم أمرًا قد لا يرونه مناسباً لما للقضاء من قدسية ومكانة. ولكن، بما أن هذه عملية سياسية وليست إجرائية فقط، فبرغم من قيام القضاة بهذه المهمة برضا وطلب المجتمع، أصبح عليهم أيضاً قبول العرف السياسي بالمراقبة المحايدة للإجراءات كوسيلة متعارف عليها لزيادة المصداقية.

ويكمل: “القضية الثانية، هي من يقوم بالمراقبة؟ وهل نسمح بمراقبين من خارج مصر، أم أن ذلك يعتبر تدخلاً في سيادة الدولة، وهو الأمر الذي أخذ حجماً كبيراً بشكل جعل كثيرين يعتقدون فعلاً أن المراقبة الدولية التي تحدث في أغلب انتخابات الدول المتقدمة هي أمور تمس السيادة الوطنية. بل إن كثيرين لا يعلمون أن عدداً لا بأس به من الخبراء المصريين يشاركون في مراقبة الانتخابات في دول العالم. كذلك فإن مؤسسات كالإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وأفراد لهم المصداقية العالمية مثل جيمي كارتر وبطرس غالي وغيرهم يشاركون في هذا في مختلف البلاد. ولا يعلم أيضاً كثيرون أن المراقبة المحايدة، الدولية، والتي تقوم على أساس من المعايير الدولية قد تكون أفضل من المراقبة العشوائية عن عشرات من الجهات والمحطات الفضائية والأفراد، والتي يصدر كل منها تقاريره حسبما يريد وبالشكل الذي يريد ويتمثل فيها أحياناً توجهات سياسية معينة”.

وأضاف: “فما هو الأفضل في مصر، أن تكون الدعوة للمراقبة الدولية مؤسسية وبناءً على دعوة من الحكومة تأكيدًا لنزاهة وشفافية الانتخابات أم تترك للصدفة والدوافع التي لا نعلمها وراء كل من يقوم بها بدون دعوة، وهو الأمر الذي اتضح صعوبة منعه؟.

أما عن القضية الثالثة فقال: “المعايير نفسها التي تقيم العملية الانتخابية على أساسها، وإعلانها ونشرها على المجتمع كله، حتى يكون كل مواطن مراقبًا إيجابيًّا بهدف التنمية والجودة، وليس بهدف الهدم والتشكيك. ولا شك أن مؤسسات المجتمع المصري المدنية قد نضجت بالشكل الذي يؤهلها للقيام بهذه المهمة على أفضل وجه

قانون الطوارئ كان أيضا محطة اختلاف رئيسية بين بدراوى وجناحه الإصلاحي من جهة والحزب والحكومة من جهة أخرى، فقد عاشت مصر في ظل حالة الطوارئ والعمل بقانون الطوارئ منذ سنة 1967 حتى عام 1980 ثم توقف العمل به مدة يسيرة عام 1980، وعاد العمل به مرة أخرى بعد اغتيال الرئيس أنور السادات في 1981 واستمر طوال عهد مبارك، بكل ما يشمله من إجراءات استثنائية، دون الحاجة إليه في أحيان كثيرة.

وبينما كان يؤكد الحزب الوطنى وقياداته على أن “الطوارئ” يعنى صمام أمن وأمان الوطن وأن المصريين مازالوا غير قادرين على التعامل مع الديمقراطية، كان بدراوي يجاهر برفض حالة الطوارئ ويعتبر استمرارها “تقليلا من الوجه الحضارى لمصر”

وبمناسبة مد العمل بقانون الطوارئ في 2009 قال د بدرواى: “كلنا فى مأزق بسبب “الطوارئ ومصر تستحق أن تعيش بدونه، وقرار مد حالة الطوارئ لمده عامين وضع الجميع فى مأزق، كان من الواجب أن يتم إقرار قانون مكافحه الإرهاب وكان من الواجب أن تخرج مصر من حالة الطوارئ، والسماح للسلطات الأمنية باستباق الأحداث سواء بالتنصت عليك أو الاشتباه، يجب أن يكون فى إطار محدد وهو مكافحة الإرهاب و يجب ألا يستغل ذلك فى الحياة السياسية، مصر تستحق أن تعيش بلا طوارئ وشعبها أكثر نضجا من أن يعيش فى حالة طوارئ

وفي 2010 حاولت الحكومة المراوغة بطرح قانون ارهاب لا يختلف كثيرا عن الطوارئ، فقال صراحة في مقابلة تليفزيونية: “أنا ضد تطبيق حالة الطوارئ.. وضد قانون مكافحة الإرهاب بالصيغة التي تطرحها الحكومة، حالة الطوارئ مجرد إجراء وقتي لا يجب أن يستدام، أما قانون مكافحة الإرهاب، فهو قانون دائم يجب أن يصاغ بعناية“.

فيديو: جانب من مواقف د بدراوي السياسية قبل ثورة يناير

https://www.facebook.com/hossambadrawi/videos/1550817595005695/

 

وانطلاقا من تلك القناعة عند د حسام بدراوي “الاصلاح من الداخل”، احتدم الصدام  بين أفكار حسام بدراوى الإصلاحية وجناحه من جهة وبين الحرس القديم في الحزب والحكومة من جهة اخرى، إذ اعتبروا أن هذا الاختلاف هو خصومة وليس دعوة جادة للتغير قبل الانفجار الذي سيحرقهم أولا، وكان هناك محطات محددة لم يتنازل عنها د بدراوى في آرائه السياسية وهي نفسها الأسباب الذي تراكمت حتى انطلقت العاصفة 25 يناير، مثل احتكار السلطة وعدم السماح بتداولها ديمقراطيا، غض الطرف عن زواج السلطة ورأس المال، ودعمه أحيانا، اعتماد التزوير لحسم الانتخابات البرلمانية في آخر دورتين قبل الثورة 2005 و2010، رفض الرقابة الدولية أو القضائية الكاملة على الانتخابات، الإصرار على الانفراد بالتعديلات الدستورية دون حوار وطني، إهدار حقوق الانسان، وفرض الطوارئ ، قمع المعارضين والتنكيل بهم، ومنع واستبعاد الأصوات المطالبة بالإصلاح من داخل النظام والحزب الوطني”.

 

نقرأ في 2008 في حوار مطول مع د بدراوي يتحدث فيه عن تداول السلطة، يقول فيه: “أكبر الاخطاء داخل الحزب الوطنى هو عدم تداول السلطة، فالحزب الوطنى يسيطر على مجريات الحياة السياسية منذ سنوات طويلة وهو ما أدى الى زيادة هجوم المعارضة التي رأت صعوبة الوصول إلى الحكم؛ لأن الحزب الوطني أصبح هو المنفرد واللاعب السياسي الوحيد فى مصر وهذه طريقة غير صحيحة؛ لأن التنافس السياسي والحزبي يعطى قوة لكل فصيل يريد أن يقدم أفضل ما لدية حتى يستمر ويجدد أفكاره بما يتناسب مع المتغيرات التي تحدث حوله، والانفراد بالسلطه والقرار لن يحقق فائده ووصول الاحزاب المعارضة سواء فى المحليات أو البرلمان يزيد من إنجازات المجلس لتوسيع الأفكار والبرامج وهو ما يحقق فائده تعود على الجميع”

في لقاء اخر قبل الثورة وجدت حديث عام 2009 مع الإعلامي حسن المستكاوي يستضيف د حسام بدراوي، سأله عن “ما معنى أن يكون مصلح من الداخل” فأجاب:

أنا مؤمن بأن أي نظام حكم يحتاج من داخله إلى من يقومه ويدفعه إلى الطريق الصحيح، القضية ليست أن اعارض من الخارج فقط، المعارضين متوفرين، فالمعارضة من الداخل مخاطرها أكبر من المعارض من الخارج، والنظم الاستبدادية أول ما بتضرب بتضرب معارضيها من الداخل، وبعض وزملائي من المعارضة يقولون لي لا تترك مكانك لأنك لو تركته لن نجد من يقول هذا الكلام بالداخل، وتقرير حقوق الإنسان الذي وقعت عليه اقوى تأثيرا وقيمة وانا جزء من النظام وللتوضيح أنا لا أعارض من أجل المعارضة لكن لدي أمل حقيقي في إمكانية الإصلاح من داخل النظام

 

معارضة بدراوى للحزب وهو داخله كانت ملفتة للأنظار لدرجة قال عنها د على هاشم في روزاليوسف 2010 تحت عنوان “حسام بدراوى نموذجا” وصف بدراوى بأنه خلق جناح معارض داخل الحزب، وأنها تحولت لـ “ظاهرة” يجب رعايتها وتنميتها حتى تقدر على التغيير، وقال في صدر مقالته: “نعود إلى ظاهرة المعارضة فى صفوف الحزب الوطني، وهى ظاهرة ثجية بكل المقاييس نتمنى استمرارها واحتوائها وتنميتها من جانب قيادتها ويحضرنى نموذج رشيد لهذه المعارضة “المعتدلة” وهو دكتور حسام بدراوى عضو الأمانة العامة للحزب والذي اعتبره معارضا شريفا فى حزب الأغلبية عندما سئل عن رئاسته للجنة التعليم فى الحزب وليس لجنة الصحة باعتباره طبيبا وجراحا شهيرا كان رده حتى لا يكون هناك تضارب فى المصالح والتوجهات”.

وأكمل: “فليس للرجل مصالح فى مجال التعليم بعكس مجال يحترم الابتكار والابداع والتعددية ومن منهج يقدس الطاعة والامتثال إلى منهج للبحث والتساؤل فهذا فى رأيه – و رأينا جميعا-الطريق الحقيقي لتقدم مصر ويرى أنه أيضا آن الآوان لكى يكون عمل الحزب في إطار حكومته، ونجوم الحزب لابد أن يكونوا نجوم الحكومة والعكس، ولابد للوزير أن يكون سياسيا لأنه يحاسب محاسبة سياسية وليس شرطا أن يكون هناك علاقة أو رابطة بين مهام الوزير ودراسته فأي وزارة ليست إلا مؤسسة بها كوادر متخصصة مسئولة عن متابعة تفاصيل الأداء”

لم يكن اختلاف د حسام بدراوى عن غالبية رموز الحزب الوطني اختلافا شكليا، بل كان اختلافا في الفهم والممارسة، وهو ما شهد عليه الكاتب سعد هجرس في مقالة عام 2009 عن د حسام بدراوي قال فيها: “من المعروف للقاصى والدانى أن حسام بدراوى أحد أعضاء الحزب الوطنى الديمقراطى وأحد ابرز القيادات الاصلاحية به . وقد عودنا هذا الحزب أن يتقوقع قادته على انفسهم وان يقصروا خدمتهم على أتباعهم وزعانفهم فقط ، وان ينظروا إلى من هم خارج هذه الدائرة الضيقة ، وبالذات من ينتمون إلى مدرسة فكرية وسياسية أخرى ، على انهم ( أعداء ) وليس مجرد (خصوم ) وخلافا لهذه النظرة الضيقة الأفق … تأتى سلوكيات الدكتور حسام بدراوى لترسى دعائم موقف متحضر ، يحترم الاختلاف ، ويمد الجسور مع الأخر ، ويحرص على إيجاد مساحة للحوار . وأظن أن موقفة الشخصي ازاء الكاتب الكبير محمد عودة ، جبرتى مصر المعاصرة وضميرها الحى ، وجزء من هذا الموقف الثقافي والسياسى الأعم و الأشمل . وأظن أيضا أن وجود أمثال الدكتور بدراوى، حتى لو كانوا استثناءات ، في مثل هذا الجو المشحون بالاحتقان والتوتر العصبي والخطاب الهابط ، الذي يستبدل لغة العقل بالتلويح الفج والبربرى بالحذاء ، يبقى بقية من أمل – حتى لو كان محدودا للغاية – في أمكانية بث دماء جديدة في شرايين الاصلاح المتصلبة والمتكلسة. اشكر الدكتور حسام بدراوى على رعايته له بكل ما تمثله هذه الرعاية من معان نبيلة تتجاوز الأبعاد الشخصية .

 

د بدراوى كان من القليلين داخل الحزب الذين يقدرون خطورة ملف حقوق الإنسان، وكان له نصيب كبير في تصدع علاقة بدراوى بالحزب، وهو نفسه سبب تصدع علاقة الحزب بالناس، وحتى لا ننسى فقد جرى اختيار يوم 25 يناير لتزامنه مع عيد الشرطة، احتجاجا من المتظاهرين ضد ممارسات وزارة الداخلية من انتهاكات لحقوق الانسان، وكانت أولى شعارات الثورة بخلاف رفض التوريث وإسقاط مبارك “عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية”، وإذا كانت وزارة “الداخلية” تتحمل عواقب إهدار حقوق الانسان في عهد مبارك، فإن الحزب الوطني تحمل المسئولية السياسية عن ذلك باعتباره الوعاء السياسي للحكم.

وقع د بدراوى باعتباره عضو مجلس حقوق الانسان تقريرا دوليا عام 2009 يدين الحكومة، وقدم أوراق عمل بمقترحاته ضمنها استحداث منصب وزير شئون حقوق الإنسان، كل هذا دون أى حساب لغضب الحزب منه.

وفي نفس العام كان بدراوى ضيف شرف على مائدة الحركة المصرية من أجل التغيير “كفاية” التي كان يناصبها الحزب والنظام العداء، بسبب دعوتها لرفض التمديد لمبارك والتوريث لجمال.، وخلال اللقاء حظي بدراوى بقدر كبير من الترحيب والثناء من أعضاء الحركة وعلى رأسهم مؤسسها الأستاذ جورج اسحاق، بسبب تقرير حالة حقوق الانسان الجريئ الذي شارك في إعداده، وضمن فيه الانتهاكات التي تتعرض لها قوى المعارضة المصرية وكانت اللجنة مكونة من د. حسام بدراوي، د. صلاح عامر، أ/ منى ذوالفقار لإعداد تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر في سياق المراجعة الدورية الشاملة، وتم إرسال التقرير يوم 31/8/2009 إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان بجنيف.

ولم تمر مشاركة  بدراوي في سحور حركة كفاية بسهولة داخل الحزب الوطني، بل أثارت عاصفة غضب ضده، بسبب مشاركته التي تزامنت مع تقرير “حقوق الانسان”، وهو ما وثقه حينها الكاتب سعيد شعيب 2009 بعنوان “نزاهة حسام بدراوى” ورصد حالة الغضب داخل الحزب قائلا: “لم تكن مفاجأة كبيرة أن يتضمن تقرير المجلس القومى لحقوق الإنسان كل هذه الانتقادات على الحكومة، فالذى أشرف عليه هو الدكتور حسام بدراوى، والرجل لا يمكن أن يخالف ضميره ويقول ما لا يؤمن به، ولذلك تجده ينتقد بعنف الأخطاء سواء جاءت من الحكومة أو الحزب الوطنى، وهو أحد قياداته الكبيرة، أو جاءت من أية قوى سياسية أخرى،  فآراء بدراوى ليست تعبيرا عن توازنات قوى داخل الحزب الحاكم، ولكنها فى الحقيقة تعبير عن رأيه الشخصى الذى يعتقد أنه لصالح البلد، حتى لو كان على النقيض من رأى الحزب الذى ينتمى إليه. فهو مثلا يطالب برقابة دولية على الانتخابات ولا يرى فيها أى مشكلة، بل ويراها ضمانة للنزاهة، رغم أن هناك كثيرين فى الحزب الوطنى لا يرفضون فقط هذا الرأى، ولكنهم يلمحون إلى أنه عمالة وخيانة. كما أن بدراوى طالب مؤخرا فى تصريح لجريدة لوس أنجلوس تايمز باستئصال ثقافة التعذيب،ناهيك عن آرائه الجريئة والشهيرة فى التعليم ومنها أن التعليم فى بلدنا للأغنياء فقط،  التقرير الأخير للمجلس القومى لحقوق الإنسان انتقد على سبيل المثال تحصين المادة 179 الخاصة بمكافحة الإرهاب ضد الطعن وعدم الدستورية، كما انتقد صلاحيات الرئيس التى تتيح له إحالة مواطنين مدنيين للمحاكم العسكرية، لأن هذا يخل بمبادئ المحاكمة العادلة”

وأضاف شعيب في مقاله: “كما طالب التقرير الذى شاركت فيه دكتورة منى ذوالفقار ودكتور صلاح عامر بنقل التفتيش القضائى من وزارة العدل إلى المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما يعنى تدعيما حقيقيا لاستقلال القضاء، الأساس القوى لأى ديمقراطية حقيقية. وانتقد أيضا قصور تشريعات التعذيب، وطالب بإنهاء العقوبات السالبة للحريات فى قضايا النشر.. كما انتقد بشراسة معدلات الفقر والبطالة التى تعد انتهاكا فاضحا لحقوق الإنسان، فكيف يمكن الحديث عن حريات فى ظل الفقر. وإذا تأملت هذه المطالب ستجد أنها مطالب الكثير من عقلاء الحزب الحاكم والكثير من قوى المعارضة، بل ومطالب كل من يريد أن تكون مصر دولة الحرية والعدل. ولأن الدكتور بدراوى هكذا، فكان من الطبيعى أن تجد من يسميه بالحالم، ومن يحاربه، ومن يساهم بشكل أو آخر فى هزيمته فى انتخابات النادى الأهلى أو فى الانتخابات البرلمانية، أو عدم حصوله حتى الآن على وزارة التعليم حتى يبدأ مشروعه لنهضة تعليمية حقيقية.

وقال في خاتمة مقاله:” الحقيقة أيضا أن هناك قلة مثل دكتور بدراوى داخل الحزب الحاكم، لم يلتحقوا به تحقيقا لمصلحة أو منفعة، بل بعضهم دفع ثمنا غاليا بسبب آرائه، فكل ما فى الأمر أنهم يرون صعوبة، إن لم يكن استحالة، إصلاح مصر من خارج نظامها الحاكم، فهناك تراث ضخم لدولة مركزية عريقة، ولذلك فالأكثر فعالية وتأثيرا هو الإصلاح من الداخل،  دعك من الاختلاف أو الاتفاق حول صحة هذا المنطق.. ففى كل الأحوال علينا أن نحترمه ونحترم المخلصين من أصحابه. فالمهم ليس أين تقف ولكن المهم ماذا تفعل.. وبهذا المعيار فمن هم مثل الدكتور بدراوى يخدمون البلد أكثر بكثير من غيرهم داخل الحزب الوطنى وخارجه.”

يقول الأستاذ جورج اسحاق مؤسس حركة كفاية وأبرز المعارضين لمبارك عن د حسام بدراوي خلال حكم مبارك: “يذكر لحسام موقفه من حقوق الانسان التي دافع عنها في وقت كان لا يستطيع أحد أن يدافع عن حقوق الانسان في هذه الفترة الا قليل لأن النظام وقتها كان يريد حقوق الانسان دون فاعلية وتمكن بدراوى من إبراز أهمية حقوق الانسان في مصر التي تردى حالها اليوم

 

وفي نفس العام أعلن د بدراوي رؤيته لإصلاح وضع حقوق الإنسان في معايير ومؤشرات قياس محددة لعل الحكومة تسترشد بها بدلا من أن تنشغل باتهامه بالعمالة أو المراوغة باقتراح قانون ارهاب معيب، كتب د بدراوى 2009 مقالة تحت عنوان “حقوق الانسان المصري”: “إن الضغوط الدولية للإصلاح السياسي ،وتعزيز ونشر الديمقراطية، وحماية حقوق الانسان عبر العالم وخصوصا تجاه مصر، هى ضغوط قد توقفت مرحليا، ولأنها توقفت لابد أن نتحرك نحن، لأن موقفنا دائما كان يتلخص فى أن الإصلاح لايفرض قسرا، ولا يأتى من الخارج وأننا ماضون فيه بروئيتنا وايقاعنا. وبالتالى فان توقف هذه الضغوط الدولية هو التوقيت الذي يجب أن نتحرك فيه بإرداتنا لكى نؤكد مصداقية مواقفنا السابقة ونحمي مصالحنا الحالية والمستقبلية وعلاقتنا مع شركائنا”

ووجه رسالته للحكومة قائلا: “إن علينا أن نواجه آلية المراجعة العالمية الشاملة 2010 من منطلق الإرادة الإيجابية لتخقيق وتطبيق حقوق الانسان كما جاءت فى العهود الدولية والمعاهدات التي وقعت عليها  مصر ، وقناعتها الوطنية بذلك، وأقترح فى هذا الصدد أن نقوم بإعداد وثيقة شاملة كاملة لجميع تعهدات مصر الدولية، والآليات الخارجة منها، ومدى تطبيق مصر لأهدافها، بحيث ثشمل بصدق ما تم منها وما لم يتم خلال مدى زمني محدد للتطبيق فى إطار الشراكة مع الجكومة، وهو الأمر الأساسي لبنية إعداد تقرير شامل عن مصر”

وفند مبادرته في عدة نقاط أبرزها إعلان عام 2009 عام حقوق الإنسان، وجاء في نقاطها:

إننا  لابد أن نسلم أن المواجهة الأمنية لتديين السياسة أو الأرهاب تؤدى بالضرورة لفرض بعض القيود على حقوق الإنسان، خاصة فى مجالات حرية التعبير والانتقال ونشاط ، وبالتالى فإننا نحتاج “لاستراتيجية موازية” لحماية حقوق الانسان وتعزيز المشاركة السياسية والانفتاح على المجتمع المدنى عبر مبادرات جديدة وفكر جديد وبرامج تنفذايه يشعر بها المواطنون ويشاركون فيها.

  • إننا يجب أن نقر أن أى حكومة لا يمكنها مواجهة التطرف الفكرى والدينى وحدها، فقط المجتمع يمكنه ذلك، والمجتمع لايمكن أن يتحالف مع الحكومة لتحقيق هذا الهدف إلا إذا أطلقنا له الحريات، وضمنا له كرامته مع كل جهات الإدارة، وفي طلباته لحقوقه الطبيعية في الصحة والتعليم والمواصلات والسكن والغذاء.

وفى إطار هذا التحليل لإشكالية حقوق الإنسان فى مصر ومن منظور الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية أخلص إلى عدد من المقترحات المحددة :-

  • أن تتضمن سياسة “حقوق الانسان” تحليلا لأوضاعنا وسياستنا وتوجهاتنا، وتأكيدا على التزامنا بتعهداتنا الدولية إن هذا التوجة يمكن أن يمنح المجتمع قوة دفع جديدة وحقيقية، ويجذب لدائرة المشاركة قطاعات عريضة من الشعب الذي ينتظر شيئا ملموسا وبرامج تنفيذية، سواء فى مجال المعاملة اليومية، أو مكافحة التمييز، أو مكافحة الفساد، أو التعرض لظواهر الواسطة والمحاباة التي تقتل الانتماء والمشاركة وتهدم فكرة حقوق الانسان وتنتهك جوهر المساواة.
  • ومن بين هذه الأشياء الملموسة والبرامج التنفذية عدة إجراءات أقترح مناقشتها، مثل استحداث منصب وزير شئون حقوق الانسان فى مصر ليكون حلقة وصل بين مختلف الوزارت والأجهزة داخليا، ويكون المسئول التنفيذى عن وضع “إعلان حقوق المواطن المصري” موضع التفعيل والمتابعة، خاصة أن مصر تفعل الكثير مما ينتمى لمفهوم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكننا لا نقدم هذا من منظور حقوق الانسان. إن هذا الطرح يستكمل الجانب التنفذى لجدية مصر فى تطبيق حقوق الانسان بعد مبادرات الدولة الناجحة فى إنشاء المجلس القومى لحقوق الانسان، والمجلس القومى للطفولة والامومة، والمجلس القومى للمرأة.
  • وكإجراء عملى، أقترح أن يتبنى المجتمع كله بمؤسساته وحكومته، ومجلسة الوطنى لحقوق الإنسان- مبادرة ستكسب النظام المصري شعبية كبيرة لدى المواطنين، ومصداقية مضافة داخليا وخارجيا ألا وهو إعلان عام 2009 “عام حقوق الإنسان المصري” والركيزه الأساسية لهذه المبادرة هى تطويران، الأول تطوير داخلي هو التعديلات الدستورية الأخيرة واعتبار المواطنة أساس الحكم. والثاني تطوير دولي هو الإعداد لتقرير مصر أمام آلية المراجعة العالمية الدورية الشاملة فى 2010 أما المناسبة التي تربط زمنيا واحتفاليا بين هذيين التطويرين الوطنى والدولى فهى حلول الذكرى الستين للإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى 10 ديسمبر 2008، إن إعلان 2009 عام حقوق الإنسان فى مصر، مع برنامج عمل يتضمن جميع العناصر السالفة الذكر، سيكون مبادرة سياسية هامة استراتيجيا، لاتتعارض مع مقتضيات الأمن بل تعززها، وتضيف الكثير من المصداقية للعمل الحقوقي، وتسهم بشكل كبير فى مواجهة حالة اللامبالاة والعزوف السياسي لدى المواطنين عن المشاركة فى العمل العام، كما أنها مبادره ستخدم مصر بشكل مباشر فى إعداد تقرير مصر أمام آلية المراجعة الدورية العالمية الشاملة، وتحويل هذا التقرير من كونه حدثا إلى طريق لتحقيق الأهداف ومن ظرف عابر إلى حالة سياسية تضع البذور الحقيقية لثقافة المشاركة وهى مبادرة فى التحليل النهائى التي تضع المواطن فى قلب السياسة، الأمر الذي لا يتحقق إلا متى شعر المواطن أن كرامته وحقوقة كإنسان –هى قولا وعملا- ليس فقط أساس الحكم إنما أيضا أساس الإدارة والحياة اليومية” .

 

وفي عام 2010 وقبل الثورة بشهور وتحديدا في 18 مايو 2010 قرر إرسال رسالة للرئيس مبارك نفسه يطالبه فيها بإجراءات محددة لإصلاح حقوق الإنسان، وتعديل المادة 77 المحددة لمدد الرئاسة

وفي نفس العام الذي طالب حسام بدراوى أن يكون عام حقوق الإنسان، ألقى د بدراوى ثاني قنبلة له في الحزب الوطني في نفس العام عندما ألقى حجرا في الماء الراكد عن التوريث، الأهم أن الحجر ألقى من جانب قيادي كبير في الحزب الوطني، هذا الملف غير المسموح الاقتراب منه. جملة فتحت النار عليه “ أرى الابتعاد عن فكرة ترشح ابن الرئيس ” قالها في حوار صحفي، وكان تقييمه لحملات المعارضة ضد التوريث، مفاداها أن “هذا حقهم”، وقال :

“إن التخوف فى الإعلام المستقل من فكرة التوريث حق لهم، ومهم أن يعبروا، وأنا معهم لا أحب التوريث ولا أتمنى انتقال الحكم بالتوريث بأى شكل من الأشكال. لكن الإعلام أيضا خلق هذا القلق وخلق انطباعا وتساؤلات مبكرة حول عدم اختيار الحزب لمرشح الرئاسة ، مؤكدا أن الموضوع هام وأن هناك حقا مشروعا للمواطنين لمناقشته” .

وعندما سؤل: وفى حال ترشيح جمال مبارك ألا يعد ذلك توريثًا ؟ كانت الإجابة حاضرة بوضوح أيضا :

من وجهة نظرى التوريث من عدمه كفكر يحدده كيفية سير الإجراءات الانتخابية على المستوى العام وإذا الشعب استقر على أن هذه الإجراءات ليس بها تدخل وأنها شفافة ومراقبة محليًّا ودوليًّا والمرشح أخذ الأصوات التي تؤهله للمنصب أعتقد أننا سنكون خرجنا من فكرة التوريث، وأنا أتمنى أن تكون الانتخابات تأكيدًا مهماً جدًّا للنزاهة والشفافية؛ لأن انطباع الناس أن هناك تدخلات لاختيار أحد يفقده الشرعية، التوريث تخط لإرادة الشعب ولكى لا يكون هناك توريث لابد أولًا فى الإجراءات الانتخابية أن تضمن المراقبة الشفافة النزيهة، وثانياً: تعديل المادة ٧٧ كحصن ضد أى رئيس فى المستقبل، بحيث تكون مدد الرئاسة محددة، ولا تزيد على مرتين، أنا أرى أن ذلك لو تحقق قد يعطي بعض الطمأنينة ولكنه لن يزيل الانطباع عن أنه توريث لذلك أرى الابتعاد عن فكرة ترشح ابن الرئيس.”

 

كل هذه الأسباب الموضوعية التي ساقها الدكتور حسام بدراوي، في إطار رفضه للتوريث، كانت بمعني ما تغذي “رفة الفراشة”، لتحدث الأثر المدوي في الوقت الملائم. لكن أحدا لم يسمع ولم يدرك خطورة الأمر، وانفرد نظام مبارك بإجراء تعديلات دستورية دون تعديل المادة 77 المحددة لمدد الرئاسة، واستحوذ الحزب الوطني على 99% من البرلمان في انتخابات 2010، وواصل تكتمه على ملف التوريث ومستقبل الحكم في مصر، وفي صباح 25 يناير 2011 تحولت “رفة الفراشة” إلى إعصار مدمر، إذ تصدر رفض مشروع التوريث أول مطالب المتظاهرين.

في أحد قراءاته لتأثير ملف التوريث على اندلاع ثورة 25 يناير، يقول “بدراوي” : “نظام مبارك كان تحت سيطرة القصر الرئاسى، وأعطى الشعب انطباعا بأن هناك شيئا مريبا يتم إعداده من أجل توريث الرئاسة لجمال مبارك، كان على الرئيس أن يوضح أنه لن يعيد ترشيح نفسه للانتخابات، وكذلك أى من أفراد أسرته، فوجود جمال مبارك وطريقة قيادته للحزب، وكذلك ظهوره المتكرر، وزياراته لمختلف أنحاء البلاد، أعطت الانطباع أنه يلمع سياسياً. ويؤكد أن سخط الناس من احتمال التوريث الذي رسخته الانتخابات البرلمانية في 2010، وانتهاك النظام لحقوق الإنسان ساعدا على تصاعد غضب المصريين، ومن ثم خروج الثورة الشعبية.

 

ولكن هل فعلا مشروع التوريث كان حقيقيا،؟ النظريات السياسية الحديثة، تتحدث عن أن رفة جناح فراشة في الهند قد تكون هى السبب في إعصار مدمر في الولايات المتحدة، وكثير من الأحداث التاريخية الكبرى وقعت بسبب أشياء تبدو بسيطة أو افتراضية، هروب هيلين مع باريس سبب انهيار مملكة طروادة، وامتلاك صدام حسين لأسلحة نووية سبب دمار العراق وبوعزيزي بائع الخضار التونسي أحرق نفسه في تونس فاندلعت ثورات في عدة دول عربية..

وحكاية هيلين وصدام وبوعزيزي ليست القضية، لكننا نسأل فى كيفية تصنيع أواستخدام ظروف لتهيئة رأى عام يبرر لأجاممنون الاستيلاء على طراودة، ويسمح للولايات المتحدة بغزو العراق وإزاحة عدة أنظمة سياسية في الشرق الأوسط.

الإعلام إذن هو مقصدنا، فخلال العشر سنوات السابقة لثورة 25 يناير، مع أحداث 11 سبتمبر كشفت الكثير من الكتب والمقالات الأمريكية أن إدارة بوش الصغير كانت تخطط  للتلاعب بالرأى العام العالمى من خلال شبكات تضليل معظمها لشركات تسويق إعلامى خاصة ترتبط مع المخابرات المركزية والبنتاجون بعقود سرية، لكن بعد 11 سبتمبر بدأ التحرك وأنشأ البنتاجون “مكتب المخططات الخاصة”، وطلب رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي من خبير الحرب النفسية مايكل ديفر أن يسعى فى هذا الاتجاه في ضرورة الربط بين الاستراتيجية العسكرية والتغطية التليفزيونية، لأن “كسب الرأى العام هو كسب الحرب” حسب تعبيره.

ونأتي هنا لما حدث في غزو العراق، حين دشنت الآلة الإعلامية والمخابراتية الأمريكية حملة لعدة سنوات قبل الغزو الأمريكي للعراق عن وجود أسلحة نووية لدى نظام صدام حسين، ونجحت تلك الحملة في إقناع المجتمع الدولي وجزء كبير من العالم العربي بأن هناك أسلحة دمار شامل داخل العراق والتي تمثل خطرا على العالم، وقامت الحرب على مشروع افتراضي وصل إلى درجة من التصديق جعلته ثابتا في وجدان الناس، وبعد سنوات افتضح أمره بعد الحرب تاركة العراق خرابا مقسمة، فريسة للطائفية بعد أن كانت دولة قوية متماسكة اقتصادها قوي وجيشها ضخم..

ومن دور السي إن إن خلال حرب الخليج وغزو العراق إلى دور قناة الجزيرة القطرية خلال ثورات الربيع العربي وما قبلها، خلال السنوات السابقة لثورة 25 يناير، كانت قناة الجزيرة القطرية أول من تحدث عن خلافة جمال مبارك لوالده في رئاسة مصر، ومعها بدأ سطوع اسم جمال مبارك فى الصحف، وتدريجيا تحول ابن الرئيس إلى نجم مانشيت، وسرعان ما دشنت صحف المعارضة ملحمة لرواية سيرة ومسيرة نجل الرئيس تحت عنوان «ملف التوريث» ومعها بدأ نفوذه داخل الحزب يتضخم.

 

ومثلما كان ملف توريث حكم مصر لجمال مبارك، محوريا في الفترة السابقة على ثورة 25 يناير، ومحركا أساسيا لأحداث كثيرة، أثارت العاصفة التي اندلعت مع ثورة 25 يناير 2011، كان له أيضا تأثير كبير على مسيرة الدكتور حسام بدراوي السياسية، في تلك المرحلة الأهم من تاريخ مصر الحديث. المفارقة كانت حاضرة بقوة، فالموقف الواضح المعلن للدكتور حسام المؤيد لكثير من مطالب المعارضة والداعم لحقوق الإنسان والذي تسبب له في مضايقات كثيرة كان هو نفس الموقف الذي دفع “مبارك” في لحظاته الأخيرة إلى الاستعانة به، وقبول شروطه لإنقاذ سفينة الحكم  قبل أن يغمرها طوفان الثورة الشعبية

فيديو 2009: د بدراوي الاستقرار يأتي بالديمقراطية وتداول الحكم

https://www.facebook.com/hossambadrawi/videos/1559008524186602/

 

ويبقى القول:

رغم وجود توافق شعبي حول الرغبة في تغيير الوضع السياسي، في مصر قبل ثورة يناير، إلا أن الأحداث كشفت عن إعدادات مسبقة لتهييج الجماهير، وهذا لا يقلل من قيمة ثورة يناير التي غيرت واقعا احتاج إلى تغيير، لكن ما نحتاج فهمه هنا هو وجود مرحلة تالية معد لها مسبقا، خاصة أن كل ما كان يقال عن التوريث، كان ومازال افتراضا، لكنه وصل إلى درجة من الثبات في وجدان الناس جعلتهم لا يصدقون “مبارك” نفسه عندما خرج في خطابه الشهير 2 فبراير 2011 ينفى فكرة توريث الحكم لنجله، إلا أن بناء هذا الافتراض ووصوله لدرجة تصديق عالية، يبدو الآن وكأنه جزء من العملية التنسيقية لإعداد لثورة 25 يناير. وهنا لايفوتنا القول بأن نظام مبارك يتحمل الجزء الأكبر من تفاقم ذلك السيناريو، بسبب إحاطته ذلك الملف بهالة كبيرة من الحماية وتجريم وتحريم الاقتراب منه.

وفي هذا السياق، توجد ملاحظة أخيرة، تتلخص في أن الدول الملكية التي يعتبر التوريث فيها معلنا وثابتا مستقرة سياسيا، بينما الجمهوريات التي بها قدر من الديمقراطية وإن لم تكن ناضجة فهي تعاني الإضطرابات والفوضي، وكانت مسألة التوريث في مصر عنصرا رئيسا في الثورة، وذريعة للثورة بدرجة ما في ليبيا، فالافتراض في الجمهوريات أدى إلى ثورات بينما الواقع في الممالك مستقر هادئ.

ولا يوجد إجابة دقيقة حتى الآن، على سؤال: أيهما أسبق.. “بيضة أمانة السياسات أم دجاجة التوريث”، فهل كان “هاجس التوريث” فى مخيلة جمال مبارك، أم أنه تلقف الفكرة من المعارضين أو عقول مدبرة مستفيدة قدمت خدماتها التسويقية له كرئيس محتمل، أو للدقة “رئيس افتراضى”. وهو ما يفتح تساؤلات جديدة عن مدى قدرة الإعلام فى خلق “واقع افتراضي” لتغذية العقول بتصورات وأفكار وفقط، وصياغة وصناعة واقع لم يتشكل بعد، عن طريق الإلحاح، والإيحاء، وفبركة مظاهر وظواهر يساهم فيها المؤيد والمعارض معا.

 

وبالحديث عن التوريث، في الوقت الذي الجميع يرفضه حتى جناح الإصلاح في الحزب، كان الاخوان المسلمون لهم رأي مختلف، إذ حكي أنه كان على علاقة طيبة بمعظم التيارات بمن فيهم الإخوان، كان الرئيس المعزول محمد مرسي زميلا لبدراوي في البرلمان من 2000 حتى 2005، ودامت بينهم علاقة تعارف واحترام متبادل

وجدير بالذكر هنا أن نذكر أن هذا العام 2009 شهد توجيه الشكر من مهدى عاكف المرشد السابق لجماعة الإخوان الشكر لبدراوى على أنه لم يهاجم الإخوان كغيره من قيادات الوطني، كما نشر الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس، المحسوب على جماعه الإخوان خطابا مفتوحا إلى حسام بداروي، بتاريخ 28 يونيو 2007 بجريدة “الوفد” قال فيه: “أنت أحد الاستثناءات القليلة التي تستحق التهنئة على دخولك مجلس الشورى.. صديقي العزيز عرفك المجتمع المصري كوجهة ليبرالي لسنوات طويلة وأنا شخصيا تعرفت عليك وأنت معارض مستقل رافض للأوضاع القائمة ، ثم دخلت إلى الحزب الوطني بغرض الإصلاح من الداخل بدلاً من النقد من بعيد، كنت أرى أن الدكتور حسام بدراوى هو الأكثر كفاءة لرئاسة لجنه التعليم بمجلس الشورى لكن تم انتخاب واحد آخر بناء على حسابات خاصة ومقالب وتربيطات”

في تلك المرحلة ذهب محمد مرسي مع مجموعة من الإخوان إلى د حسام بدراوي طالبين منه التوسط بينهم وبين جمال مبارك معلنيين دعمه في الانتخابات الرئاسية بشرط أن تكون لهم حصة في البرلمان، لكن بدراوي رفض أن يلعب هذا الدور وقال لهم إنه ليس وسيطا لأحد

 

وعلى الرغم من أن مصر كانت وفق الأرقام الاقتصادية في السنوات العشرة الأخيرة قبل ثورة يناير تعيش طفرة في نشاطها الاقتصادي ومعدل نمو وصل 7.5%، إلا أن الطبقات الفقيرة والمتوسطة لم تشعر بذلك التحسن، بل ازدادت أعباؤها، وبلغ معدل التضخم 10% سنويا، فضلا عن تدني مستوى الخدمات العامة من صحة ومواصلات وتعليم، في مقابل تعاظم طبقة صغيرة من رجال الأعمال والوزراء الذين عمدوا إلى زواج السلطة برأس المال، وسيطروا بأموالهم ونفوذهم داخل الحزب الوطني والحكومة على الاقتصاد.

ويعتبر المحللون أن الفساد الناتج عن اقتران السلطة السياسية بالسلطة المالية والاقتصادية هو العائق الأكبر أمام تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وتحسن الخدمات، وهو ما توافر في حكومة أحمد نظيف من رجال أعمال دون الإعلان عن ضوابط حقيقية لعدم تضارب مصالحهم مع المصلحة الوطنية، بل إن ذلك كان يتم بشكل فج، ربما يتم فيه تغليب مصلحة المستثمر أو رجل الأعمال الوزير على المصلحة الوطنية، فوزير الصحة كان صاحب استثمارات كبرى في مجال الطب والمستشفيات، ووزير السياحة صاحب شركة سياحية، وزير الصناعة صاحب مصنع، وزير الاستثمار رجل أعمال. وهو ما عزز الإيحاء بأن الفساد أصبح مقننا.

واجه د بدرواى الحزب الوطني الحزب بهذه المشكلة التي تهدد الحزب نفسه وتهدد الدولة، وأستشهد هنا بلقاء تليفزيوني 2008 مع الإعلامي محمود مسلم:  “لا يجب وضع الثروة مع السلطة السياسية في بوتقة واحدة، هذا خطر، يجب أن نضع في اعتبارنا أنه لا يوجد فئة في المجتمع ليس لها الحق في التواجد في السلطة السياسية؛ لأن الكل له نفس الحقوق، فاختيار أفضل العناصر التي تؤدي أهدافك  لكن في نفس الوقت واحنا بننتقل من نظام الي نظام يجب أن نضع أمام أعيينا  إذا القطاع الخاص بيدخل في السلطة السياسية حتي لو كان انا يجب أن تكون هناك أمور واضحة المعالم لا يمكن أن يحدث تضارب مصالح،. لذلك يجب وضع قواعد واضحة لعدم تضارب المصالح معلنة وتنطبق علي الجميع”.

واندهش المذيع من جرأة د. بدراوي فسأله: هل تقول هذا الكلام داخل الحزب يا دكتور؟

فأجاب: “آه طبعا بقوله وبقوله في كل مكان، كلامي يجعل الناس تغضب لأني برجع للأصل وبقول إن هذه الحكومة لم تنفذ وهذا الوزير لم يفي أو احنا تراجعنا وتقاعسنا في بعض من الأشياء”.

نفس السؤال كان يطارده في كل مناسبة يتعرض فيها بالانتقاد للحزب الوطني، وفي مرة تالية في 2009 ، كان رده:

ليس معنى أننى فى الحزب الوطنى أن أرفض الاعتراف بوجود فساد أو أقاوم تداول السلطة باعتبارها أمرا خاطئا. من يلعب وحيدا لا يلعب بشكل جيد فالوزير هو المسئول السياسي يحاسب من البرلمان، والمشاركة هى أساس الديمقراطية والمساءلة هى لمواجهة الفساد، ولابد من وضع قواعد تحكم العلاقة لمنع تزاوج الثروة بالسلطة؛ لأن هذا سينتج عنه تكوين ثروات وفساد، وعلى الدولة أن تنتقل من منفذ الخدمات الى دور ضامن العدالة، التزاوج والتداخل بين السلطة والثروه نتج عنه أزمه ثقة بين المواطن والحكومه، وهو الأمر الذي تسبب فى زيادة غضب المواطنين تجاه الحكومه ، وأشار بدراوى الى ضرورة تخفيف سيطره الدوله وتقليل تدخلها المباشر فى حريه الأفراد الذي قد قد يسهم فى حل أزمة الثقة.”

عندما أتحدث مع د بدراوى الآن عن مرحلة ما قبل ثورة يناير يقول: كان يقال على الحزب الوطني الحزب الحاكم وصاحب الأغلبية، وكنت أقول لهم غير حقيقي، عندما أتكلم مع الناس وأذهب إلى أماكن مختلفة أشعر أن الحزب الوطني ليس حزب الأغلبية، ولم يكن حزبا حاكما بطريقة علمية، في واقع الأمر كان أداة للحكم في يد قصر الرئاسة، وقراراته آتية من قصر الرئاسة، كان الحزب يناقش ويدرس ويضع السياسات التي لا تلتزم الحكومة بها، وتحول مع السنوات إلى أداة للتحكم في الأغلبية البرلمانية بغرض سيطرة السلطة التنفيذية على العملية السياسية.

يدلل د. حسام بدرواي عن تلك الطريقة في الادارة بأن أوراق العمل التي كان الحزب يقدمها للحكومة كانت توضع في الأدراج، ما يؤكد فكرة أن دور الحزب ومهمته في النظام كان يقتصر على إدارة الانتخابات، وأن الأدوار الأخرى كانت صورية وشكلية أكثر منها فاعلة ومؤثرة وهو ما خلق الصراع بينه وبين الحكومة في ملف التعليم على سبيل المثال لكنه استمر في العمل لأن الاصلاح يتحقق باستمرار الضغط وتراكمه

ملفات وأوراق كثيرة سياسية واقتصادية وتنموية خصوصا ملفي الصحة والتعليم وضعها د بدراوى على طاولة الحزب الوطني والحكومة أعدها هو وزملاؤه في الجمعيات والمنظمات المختلفة كجمعية مكافحة الفساد والمجلس الوطني للتنافسية، منها ما قدمه مبكرا كمشروع محور قناة السويس، والذي كان من اوائل الداعين له كمشروع متكامل،

سمعته يتحدث عنه بالتفصيل في حلقات مع الإعلامي يسري فودة والإعلامية درية شرف الدين في أكثر من 4 ساعات تليفزيونية يشرح فيها ما توصل اليه مع زملائه حول أهمية المشروع الاستراتيجي في 2007 ، 2009

يقول د بدراوي مع الإعلامي يسرى فودة 2009: “يجب ان ننظر إلى الـ 170 كيلو طولي لقناة السويس نظرة تنموية مختلفة، هل من الممكن ان نجعل العالم اللي معدي بداخل هذا المرر المائي تكلفته تقل ليس فقط في النقل ولكن في التخزين والتغليف والصناعات اللوجستية وصناعة السفن والتموين والتغذية، بطول المرر الذي يمثل عبقرية المكان سوف يجعل مصر لها قدرة تنافسية مع العالم كشركاء لها، كما حصل في روتردام في هولندا، وكما حصل على مستوى أصغر في جبل على في دبي”

ومع الإعلامية درية شرف الدين قال عام 2007 في حلقة خاصة عن مشروعه: “مشروع محور تنمية قناة السويس سيكون العالم كله شركاء فيه، لكن تظل الملكية لمصر، وسيوفر فرص عمل بالملايين، وسيربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، وسيكون بداية لتعمير سيناء، حيث سيكون أكبر ميناء في التاريخ”

ذلك المشروع الذي كتبت عنه سناء سعيد في 2011 تحت عنوان” حسام بدراوي وعبقرية المكان..هكذا يري أهمية ممر قناة السويس كممر للتنمية بموقعها الإستراتجي” قالت: “الدكتور حسام بدراوي عملة نادرة وطني حتي النخاع ينطق بالحقيقة لا يجامل ولا ينافق هو أحد الرموز المشرفة وعلامة بارزة في الحزب الوطني الديمقراطي شغله الشاغل الانتماء لمصر شكلا ومضمونا يفكر في المحروسة كثيرا ويفكر في مداخل لتطويرها فكر بصوت عالي في فرصة فريدة بالنسبة لمستقبل مصر عندما طرح سؤالا مفاده ما هو اهم ممر للأعمال التجارية واللوجستية في العالم ؟ وجاء الجواب يقطع بأنه ممر قناة السويس الذي تملك مصر بواسطته ميزة تنافسية بلا منافس حقيقي حتي الأن”

( وهو نفسه المشروع الذي حاول الإخوان نسبه لأنفسهم، وهو نفسه المشروع الذي تباه الرئيس السيسي في أول حكمه وأضاف إليه شق تفريعة جديدة لتسهيل حركة مرور السفن)

 

لم تكن الحكومة أو الحزب الوطني يهتمون بملفات التنمية بالقدر الكافي، ربما تتفق، وربما تختلف، إنما قناعة د بدرواى بحتمية إصلاح الحزب الوطني من الداخل كانت الطريق الوحيد لتفادي الفوضى، أثبتت صحتها بشكل كبير بعد إغراق مصر في فوضى الاضطرابات السياسية التي تستغرق سنوات حتى تعود إلى وضع الاستقرار مرة أخرى، حسام بدراوي وقليلون من أعضاء الحزب الوطني كانوا يدركون خطورة المرحلة التي تدخلها مصر، والسيناريوهات المرعبة التي تنتظرها حال مضى السلطة قدما في سياساتها الخاطئة، البعيدة عن الإصلاح، القريبة من التخبط السياسي، وكما خلقت له رؤيته الاصلاحية ومواقفه الشجاعة مؤيدين كثر، خلقت له عداءات أكثر داخل الحزب، فكما ذكرنا كانت سببا في حرمانه من مقعد في البرلمان عام 2005 وهو نجم بارز في الحزب ، والذي كان قد حصل عليه عام 2000 وهو خارج هذا الإطار الحزبي بمجهوده الفردي، وحرمته مواقفه أيضا من أي منصب وزاري كان يستحقه، هذه المواقف التي كانت سببا في غضب الكثيرين من الرافضين للتغيير والإصلاح داخل النظام حيث أن ذلك يعنى نهاية لمكاسبهم السياسية، ويحول بينهم و بين مصالحهم المباشرة و الضيقة. كما أن مواقف بدراوى، وصعود نجمه السياسي مع زيادة مساحة التلاقي بينه وبين قوى المعارضة، خاصة فيما يتعلق بموقفه من قضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وحتى انتقاده لأداء حكومة الحزب والحزب نفسه أحيانا، كان يضع الفريق المعادي للإصلاح في مأزق، ويشعرهم بالحرج، و كان الحل الوحيد لتلاشي ذلك من وجهة نظرهم إقصاء واستبعاد د بدراوي، وتحجيم دوره السياسي

وصل الأمر أحيانا إلي منعه من الظهور على شاشة التليفزيون والهجوم عليه على صفحات الجرائد القومية، وفي مقالات ممن يفترض أنهم زملاؤه في الحزب، إذ كان اعضاء قياده الحزب يرونه ثائرًا عليهم وفاضحًا لهم ويستحق العقاب بين الحين والآخر في صورة غير مباشرة ومباشرة احيانا.

فبعد اقصاءه من مجلس الشعب بدأ تحجيم دورة أيضا في النادي الاهلي، وفي 2008 تم غلق المستشفى التي تمتلكها عائلته بسبب خطأ لشركة موردة لأنابيب الاكسجين، وتم تضخيم الامر من قبل الحكومة التي أغلقت المستشفى عدة أشهر

وصل التصعيد ضد بدراوى ذروته في نهاية عام 2010 ، لكنه لم يصل بعد إلى إقصائه وفصله نهائيا من الحزب ربما لسببين؛ الأول أن وجوده ـ من وجهة نظر الحزب ـ يُجمل صورة الحزب ليبدو مستوعبا للآراء المختلفة، والثاني خوفا من انضمام بدراوي للمعارضة بشكل رسمي، ما جعل النافذون في الحزب يتقبلون وجوده، على أن يظل بعيدا عن المناصب التنفيذية وتحجيم دوره بالمنع والاستبعاد مرة والهجوم الإعلامي من إعلام النظام مرة أخرى.

وكان غياب حسام بدراوي عن الوزارات المتعاقبة، وتحجيم وجوده السياسي مثار نقد وتساؤلات العديد من الكتاب، و المحللين،  بل مثار دهشة رموز المعارضة أنفسهم، وهو التساؤل الذي طرحه الكاتب محمد عبد القدوس ( المحسوب على التيار الإسلامي ) في رسالته، التي أعاد طرحها الكاتب محمود مسلم بمقاله في يناير 2010، بعنوان “لمصر لا لبدراوى”  قائلا: “لماذا بدراوي ؟ بمعنى لماذا يتجاهل كل تعديل وزاري يجريه دكتور أحمد نظيف اسم دكتور حسام بدراوى، خاصة وأن الأخير يحظى بشعبية ومصداقية لدى جموع النخبة المصرية سواء كانوا ممن ينتمون للحكومة أو للمعارضة، كما أنه يملك خبره في أكثر من مجال مثل الصحة، التعليم العالي، الشباب والرياضة وقطاع الأعمال، والتعليم. لكن يبدو أن كل هذه المؤهلات كانت سببا في إقصاء بدراوى الذي يتمتع بروح الديمقراطية التي تميزه عن كثيرين داخل الحزب الوطني، بل إنه يدفع ثمن آرائه وتصريحاته، مع ذلك لا يتوانى ولا يتراجع فاستطاع أن يحافظ على صورته الديمقراطية داخل المجتمع، لكن يبدو أن دكتور نظيف يريد وزراء يتبعون مبدأ السمع والطاعة “.

وأشار “مسلم” في مقاله، إلى عدة أسباب تجعل السؤال عن عدم اختيار بدراوي، في منصب وزاري، تساؤلا مشروعا. يكتب مسلم : “إنه يملك رؤية واضحة ومحددة في مجال التعليم، واستطاع أن يجمع خبرات من العالم بعد أن سافر كثيرا على نفقته الخاصة لمشاهدة تجارب حية ..واستطاع أن يجمع كل هذه الخبرات في أوراق سياسات بالحزب الوطني ، فشلت الحكومة في تحقيق الكثير منها ، ومع ذلك لم تكتشف الحكومة بعدُ قدرةَ بدراوي على تنفيذ سياسات في التعليم تنهض بمصر في المستقبل بدلًا من حقل التجارب الذي نعيش فيه، حيث يأتي وزير تعليم ويخرج من الحكومة دون أن تنفذ خطة واحدة “.

ويكمل مسلم : “كان هناك أسئلة كثيرة ودقيقه طرحها كثيرون بخصوص حالة الاستبعاد والمنع التي لاحقت بدراوي بسبب مواقفه وتصريحاته التي لم تعرف التراجع حتى لو خسر مقعدا برلمانيا أو وزاريا، ذلك أن الترفع عن المصالح الشخصية التي دائما ما تأتى على حساب مصالح الوطن، هي فلسفة حسام بدراوي في الحياة ، وسر قوته وجرأته في طرح مواقف وآراء سياسية تحمل كثيرا من النقد للنظام السياسي الحاكم، رغم كونه عضوًا بالأمانة العامة للحزب وأمين قطاع الأعمال بها، إلي جانب عضويته في أمانة السياسات، ورئاسته لجنة التعليم والبحث العلمي وإشرافه على لجنة الصحة، ولم ير في المواقع السياسية التي كان يتولاها داخل الوطني عائقا يحول دون طرح أفكاره التي تأتى متعارضة مع رأى الهيئات القيادية بالحزب الحاكم، و حينما كان بدراوي يتبنى موقفا ما، كان يبادر إلى طرحه بشجاعة، والدفاع عنه، مهما كان حجم المعارضة من جانب زملائه بالحزب، ومهما كان الثمن الذي سيدفعه لقاء موقفه هذا، سواء استمراره، في الحزب الوطني، أو فوزه بمنصب وزاري. وهذا ما لم يكن يفعله أغلب زملائه في الحزب ، ولم  ير غضاضة يوما في توجيه النقد للأداء السياسي للحكومة، لإيمانه أن النقد هو البداية الحقيقية لإحداث أي تغيير في المجتمع” .

ويختم مقاله: “في رأيي أن المؤامرات ضد د بدراوي التي واجه بها صقور الحزب الوطني أفكاره الإصلاحية لم تكن الطريقة الوحيدة التي واجهوه بها فقد لجئوا إلى طرق متعددة حتى وصل الأمر إلى منعه من الظهور في التليفزيون الرسمي عام 2009 ”

 

تلك الواقعة تناولها الكاتب سليمان جوده في مقال تحت عنوان” منع حسام بدراوى” موضحا أن واقعة منع عضو الوطني من الظهور مع الإعلامية فريدة الشوباشى على قناة النيل للأخبار في حلقة عن ملف التعليم، كان من المفترض تسجيلها الثلاثاء 3 ديسمبر 2009 إلا أن التسجيل لم يتم والسبب تعليمات بأن الدكتور بدراوي ممنوع من الظهور على شاشة التليفزيون المصري، وأنه من الأفضل أن تبحث لها عن ضيف آخر، كما أكد جودة في مقاله.

 

منع بدراوي وتدشين حملة للهجوم عليه، وفتح صفحات الصحف الحكومية للنيل منه، استرعى انتباه الإعلامي يسري فودة، راصدا مثالا على ذلك هو “جريدة الأهرام” ، أبرز الصحف القومية التي كانت منصة للهجوم على رموز المعارضة، والتبجيل والتهليل لرموز الوطني، كاشفا فودة عن مدى سخط رموز وقيادات الحزب الحاكم على بدراوى وآرائه، وكتب مقالا بعنوان “خسارة الأهرام بين البرادعى وحسام بدراوى” تحدث فيه عن هجوم الصحيفة القومية على بدراوي بسبب رفضه للطريقة التي تدار بها الحرب الإعلامية الحكومية ضد الدكتور محمد البرادعي.

وقال “فودة”: “الدكتور حسام بداروي هو من أكثر العقول تنورا وثقافة وتقدمية لا في الحزب الوطني فقط، بل في مصر كلها عندما أملى عليه ضميره الوطني مهنيا وشخصيا أن يدعو هؤلاء إلى قليل من العقل كان نصيبه الهجوم، إن ما تعرض له بدراوي من هجوم لا يقل عن محاولة متعمدة للإرهاب ..غمزة في الظهر بسن العصا كي يستوي في الصف مع القطيع وأن يكون ما لن يستطيع حتى إذا أراد أن يكونه منافقا مستمعا بليدا لذلك لم يكن مستغربا أن يتعرض لمثل هذا الهجوم وأن يمنع من الظهور على شاشة التليفزيون المصري رغم كل ما يحمله هذا من تناقضات مبعثها كونه عضوا بارزا في الحزب الحاكم

فيديو: لماذا استبعد بدراوي من حكومة مبارك والاخوان

 

ولم يكد يمر سوى أسابيع قليلة على عاصفة الهجوم التي طالت بدراوي بسبب  تصريحاته المؤيدة لحق البرادعي في المنافسة السياسية على منصب الرئيس، حتى ثارت عاصفة أخرى، زادت من حدة الهجوم عليه، عندما نشرت جريدة “الوفد” في  أكتوبر 2009، تقريرا بعنوان “هجوم حاد على تصريحات بدراوي” أشارت فيه إلى حديثه عن توفر مرشحين للرئاسة غير مبارك، وتصريحاته عن انهيار التعليم والسياسات التعليمية، واصفًا دوره في الحزب الوطني “أنا عامل زي اللي بيزق سيارة في مطلع، واستمرار الحال كما هو يعني تداعيات غير محمودة”

 

بعد كل هذا الصراع اتخذ د بدراوى قراره مبكرا بعدم خوض انتخابات 2010 ، وقال قبل الانتخابات عندما طلب منه الترشح في برنامج مسجل على قناة المحور “سأصبح رجلا لا أفكر بالعقل إذا أنا كررت نفس التجربة بنفس قواعد اللعبة ومنتظر النتائج تتغير

هذه الانتخابات التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ورفعت غطاء الغضب في ربوع البلاد، فأسهمت نتائج الانتخابات التي جرى تزويرها لصالح الحزب الوطني في تفجير ثورة يناير.

كان هناك إصرار غير مبرر وغير مفهوم، من المسئولين عن إدارة العملية الانتخابية، أن يفوز مرشحو الحزب باكتساح، دون إدراك لخطورة ذلك باعتتباره ضربا من الجنون والهوس السياسي له عواقب وخيمة. وبالفعل فاز الحزب بأغلبية مطلقة تجاوزت 95% من مقاعد البرلمان، وأشعلت النتيجة غضب المعارضة بعد أن وصل الانفراد بالحكم لدرجة غير مسبوقة، وكانت الصاعقة عندما تندر رأس السلطة رئيس الجمهورية، رئيس الحزب وسخر من تشكيل المعارضة “برلمانا موازيا” بالقول “خليهم يتسلوا”.

 

قال د بدرواى على حصول الحزب الوطني على أغلبية المقاعد البرلمانية في حوار صحفي قبل انطلاق العاصفة بأسابيع: “ليست مكسبا، أمام الحزب الوطني تحد كبير وهو ألا يزهو بهذه الأغلبية الساحقة, ويعلم أن أكثر من 75% من المقيدين في جداول الانتخاب لم تذهب إلى صناديق الاقتراع, وعلى الحزب أن يؤكد للجميع استعداده للمشاركة, والاستماع إلى الرأي الأخر وعدم الانفراد بالسلطة… وأمام أحزاب المعارضة تحد كبير أيضا للخروج من مأزق التبرير والاتهام إلى فرصة المشاركة والتأثير على مجريات المرحلة القادمة بإيجابية في إطار من الشرعية. ولا أقصد فقط الأحزاب التي دخلت معركة الانتخابات الرئاسية, بل أيضا الأحزاب اليسارية التي قاطعت الانتخابات؛ لأن وجودها على الساحة هام للتوازن الاجتماعي وتمثيل كل فئات المجتمع بغض النظر عن حجم تأثيره السياسي“.

 

وعلى الرغم من نشوة الانتصار التي كان يشعر بها أعضاء وقيادات الحزب الوطني، إلا أن خروج د حسام بدراوي بتصريحات إعلامية- وهو أحد قيادات الحزب- يهاجم فيها الانتخابات ونزاهتها، ونذكر هنا القيمة السياسية لتصريحات بدراوي باعتباره في ذلك التوقيت عضوا بارز في الحزب، فإنها منحت المعارضة شرعية في الداخل والخارج، وأعطتهم حجة على طبق من ذهب لمواجهة النظام ومحاصرته، ولعل ذلك قصده د بدراوي من بقائه حتى الان داخل الحزب إذ يقول أن صوته داخل إطار الحزب أعلى وأكثر تأثيرا من وجوده في المعارضة تاركا قرار الانفصال الرسمي بينه وبين النظام لهم رافضا الانسحاب، وهو ما كان يجعل كلامه استشهادا دائما على لسان المفكرين المستقليين والسياسيين المعارضين، وهو ماقاله أسامة الغزالي حرب عن كلام حسام بدراوى في مانشت صحفي: “هذا كلام صادر من قيادي بارز في الحزب الوطني”

 

هل كان مخطأ د بدراوي باستمرار في الحزب الوطني ؟

يجيب على هذا السؤال د عمرو الشبكي في مقالة بعنوان “الإصلاح من الداخل” بعد ثورة يناير:”يقينا بدراوى لم يخطئ بخياره الاصلاح من الداخل مثل آخرين اختاروا أن يصلحوا من داخل النظام دون أن يكونوا جزءا من فساد وإفساد وجرائم سرقة ونهب، لكن أخطر ما واجهته مصر فى أعقاب ثورة يناير أنه لا الثوار بنوا تنظيما سياسيا إصلاحيا أو ثوريا قادرا على الحكم، ولا الإصلاحيين الذين تواجدوا داخل الدولة والنظام الأسبق نجحوا فى توجيه البلاد نحو الإصلاح وتفادى الثورة، ورغم أنى كنت من معارضى الحزب الوطنى إلا أن أى تجربة تغيير ناجحة كانت معبرة عن توازن بين النظام القديم والجديد، وأن نظريات إسقاط النظام بالضربة القاضية وباستدعاء نظريات ثورية من متاحف التاريخ تسقط نظما قديمة وتؤسس لأخرى جديدة أمر اختفى من كل تجارب التغيير الناجحة فى النصف قرن الماضى، وأصبح التغيير نتاج توازن القوى بين من طالبوا بالإصلاح من خارج النظام ومن داخله، فى مصر فقد فشل الاثنان معا: إصلاحيو النظام أن يصلحوا ويحولوا دون أن تتجه البلاد نحو الثورة، ومن شاركوا فى ثورة يناير أن يحولوها إلى نظام سياسى قادر على الحكم وصناعة التقدم.، فالإصلاح من داخل النظام مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة وكانت تتطلب ضغوطا شعبية وقوى إصلاحية منظمة من داخل النظام وخارجه وهى معركة نقاط لم تنته بعد.

يؤكد نفس المعنى الدكتور سعد الدين ابراهيم مؤسس ومدير مركز ابن خلدون للدراسات السياسية إذ يقول في مقالة بعنوان (الطبيب المهموم بأبناء وطنه) في المصري اليوم عام 2014: “الدكتور حُسام بدراوى كان ولايزال مهموماً بأمراض مجتمعه الأكبر، وهو ما أدى به إلى أدغال السياسة، فلجأ إليه الحزب الوطنى الحاكم، فى عهد الرئيس محمد حسنى مبارك، ليقبل عضوية لجنة السياسات، التى كانت أهم لجان الحزب، والتى كان يرأسها نجل الرئيس وهو السيد جمال مُبارك، وحاول حُسام بدراوى وقلة من أعضاء الحزب، مثل د. على الدين هلال ود. مفيد شهاب ود. صبرى الشبراوى، إصلاح الحزب، أملاً فى إصلاح النظام من الداخل. ولكن الفساد كان قد استشرى فيه، كما استشرى فى مصر كلها. ولم يكن فى مقدور د. حُسام بدراوى أن ينقذ نظام مُبارك، الذى سيهوى ويصبح أثراً بعد عين، بفضل ثورة الشباب التى بدأت فى 25 يناير 2011، ولكن يُحمد لحُسام بدراوى، كما للقلة الإصلاحية من أقطاب الحزب الوطنى، أن التحقيقات والمحاكمات التى جرت فى أعقاب الثورة، وجدت أن الرجل برىء من أى تهمة فساد أو استغلال للنفوذ.

ويكمل سعد الدين: “لأننى كنت قد عرفت حُسام بدراوى قبل رُبع قرن، وأعجبت بشخصه وعلمه وخُلقه، وسعدت فى ذلك الوقت حينما رشّحه الباحثون فى مركز ابن خلدون لعضوية مجلس أمنائه، خلفاً للدكتور محمود محفوظ، الذى رحل عن عالمنا فى ذلك الوقت. وقبل الرجل مشكوراً هذا الترشيح وظل عضواً فى مجلس الأمناء، رغم الهجوم الشرس الذى كان يتعرض له المركز فى ذلك الوقت.

ويستشهد بواقعة: “لم تمنعه عضويته فى الحزب الوطنى الحاكم، وقتها، من شهادة حق أدلى بها حينما تعرض المركز وعشرون من العاملين فيه للتنكيل والمحاكمات (2000-2003)، ورغم أن تلك الشهادة كانت لابد أن تؤثر سلباً على وضعه فى الحزب الوطنى الحاكم وقتها. ولكن هكذا كان د.حُسام بدراوى صاحب المبادئ، وكان مهموماً بقضية التعليم قبيل ثورة 25 يناير، ولم يتمكن من تنفيذ أجندته الإصلاحية فى هذا الصدد. ولدهشتى ودهشة من يعرفون الرجل جيداً، فإنه ظل على نفس العقيدة والإيمان، بعد الثورة، ورغم أنه لم يعد فى السُلطة أو حتى قريباً منها، فهو لا يكل ولا يمل الدعوة إلى نفس الإصلاح، وإن كانت عِفّته وأدبه يمنعانه من التوجه مُباشرة إلى من هم فى السُلطة ليعرض آراءه ويُقدم خبرته، ميزة أصحاب العلم والخبرة. فمهما تقلبت أمور السياسة من حولهم، إلا أن علمهم وخبرتهم، شأنها شأن المعادن الثمينة، لا يعلوها الصدأ، ولا تفقد شيئاً من قيمتها”.

 

عيب الأمل أحيانا أنه يدفع المتعلقين به للاستمرار رغم الاحتمالات الضعيفة والصعوبات التي قد تبدو مستحيلة، رغم كل تلك التحديات التي واجهها د حسام بدراوي لم ينسحب، كمقاتل في الجبهة وكرجل جيناته متفائلة، كان الأمل في إحداث اصلاح حقيقي مصدر قوته للمواصلة، يقول الدكتور رفعت السعيد: “لم يكن حسام بدراوي “سيزيف” ذلك الإله الإغريقي الذي حكم عليه الإله أن  يصعد حاملاً صخرة حتى يقترب من القمة فتتحدر منه لأسفل ليحاول دون جدوى وفق الأسطورة الإغريقية . لكن حسام بدراوي كان يراهن على ملايين المصريين الذين احتشدوا فى الحزب الحاكم أو جرى حشدهم فيه بأمل أن يحدث شرخاً فى جدار الحزب الحاكم يسهم فى صعود سيزيف بصخرته من أجل إفساح المجال لحراك يفرض إدارة جديدة وآمال جديدة” .

 

هذه التحديات والمصاعب كلها وكيفية تحملها ومواصلت العمل السياسي وبإصرار رغم كل التحديات والخسائر؟ قال عنها في برنامج منتهي السياسة مع محمود مسلم: “لأني مؤمن بأن السياسي المحترم يدخل معارك ويكسب ويخسر، فالإصلاح السياسي يحتاج إلى مثابرة وضغط، وقد تكبدت خسائر بسبب دفعي نحو التغيير من داخل الحزب، وبسبب مواقفي الإصلاحية، الأمر الذي جعل المؤيدين لي من الخارج أكبر من داخله وأصبحت صفتي المعارض داخل الحزب الحاكم” هكذا قال عام 2007

وعندما سؤل: هل تدفع ثمن آرائك؟ فأجاب: دفعت ثمن آرائي احتراما من المجتمع لي علي كافة جوانبه واحترام الرأي العام لآرائي“.

 

كل هذه الرحلة بين د حسام بدراوى و الحزب الوطني فرضت نفسها أمام الجميع في تلك اللحظة التاريخية التي لجأ فيها مبارك لبدراوى لحل الازمة، وقبول أمانة الحزب لعل طبيب الولادة يمكنه ايجاد ميلادا جديدا للحزب، لكن بعد هذا الصراع الذي تمحورت فيه الأحداث حول شخص حسام بدراوى هل سيقبل ؟، فبعد أن كان مستهدفا من الحرس القديم في الحزب أصبح مطلوبا منه أن يكون على رأس الحزب في تلك اللحظة التاريخية، فقرار مبارك الاستعانة به اعتراف من مبارك أنه كان على خطأ وكما سنرى في الفصل المقبل أنه قال له أنه كان على خطأ عندما تجاهل أفكاره، وإنها لحظة تاريخية تحتاج أفكاره جديدة لحل الأزمة السياسية، لكن هل فات أوان هذا الاعتراف بالخطأ ! وهل يغامر د بدرواى بهذا التاريخ ويقبل أمانة الحزب الوطني في ذروة ثورة شعبية عليه ؟!

فيديو من إعداد أعضاء صفحة د بدراوي على الفيس بوك: لماذا احترم د حسام بدراوي

 

زر الذهاب إلى الأعلى