
في عالم السياسة، كثيرًا ما يُختزل الموقف الإنساني في خانتين ضيقتين: إما أن تكون “معنا” أو “ضدنا”. هذه الثنائية القاسية تلتهم المساحة الرمادية الرحبة التي يعيش فيها الفكر الحر، وتحاصر صاحب الرأي المستقل بين مطرقة السلطة وسندان المعارضة المؤدلجة.
أنا لا أخفي معارضتي للحكم الديني السياسي، وأقف بوضوح ضد استغلال المدخل الديني لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما تفعله جماعة الإخوان المسلمين. فالتاريخ علّمنا أن خلط الدين بالسلطة لا ينتج دولة عادلة، بل يخلق سلطة مطلقة تتخفى وراء القداسة، وتعطل النقد والمساءلة باسم الدين.
لكن هنا يطرح السؤال الفلسفي نفسه: ماذا لو جاء موقف من هذه الجماعة، في قضية ما، يتفق – عرضًا – مع قناعتي الشخصية؟ هل أمتنع عن إعلان تأييدي له خوفًا من أن أُحسب على منهجهم؟ أم ألتزم بمبدئي وأعلن موقفي، حتى لو صفق له من أعارض فكرهم جذريًا؟
إنها نفس المعضلة المقلوبة التي يواجهها من يقف في معارضة السلطة الحاكمة في مصر، حين تختطف جماعات دينية أو أيديولوجية صدى تصريحاته لتدعيم خطابها. بل إن الخطأ يتضاعف حين تتعامل الدولة معي كما لو كنت مسؤولًا عن رد فعل الإخوان على ما أقول، لا عن رأيي ذاته. وهكذا يصبح الحكم على الموقف مرهونًا بهوية من يوافقه، لا بصلابة منطقه أو صحة مضمونه.
هذه الممارسات تحوّل النقاش العام إلى سجن ولاءات، حيث يصبح المبدأ أسيرًا للانتماء، لا محكومًا بقيمته الذاتية. وهي أشبه بحصار ذهني، يُراد به أن نُقَيِّم الأفكار لا بناءً على اتساقها مع الحقيقة أو العدالة، بل وفقًا لقائمة الأصدقاء والأعداء.
الموقف الفلسفي الذي أتبناه واضح: المعيار هو الفكرة، لا صاحبها. أوافق الرأي الذي أراه صائبًا حتى لو جاء ممن أعارضهم في الجوهر، وأرفض ما أراه باطلًا حتى لو صدر عن أقرب الناس إليّ. بهذا وحده نحمي الاستقلال الفكري من الابتلاع داخل معارك الاصطفاف الأعمى.
يعجبني قول الإمام علي بن أبي طالب : “انظر إلى ما قيل، ولا تنظر إلى من قال”، وهي دعوة صريحة لتحرير الفكرة من سجن الهوية.
إن التمسك بالمبدأ، حتى حين يلتقي عرضًا مع موقف خصمك، هو قمة الاستقلال الفكري، وأعلى درجات النزاهة. أما الدفع وراء منطق الاصطفاف، فهو طريق مختصر نحو تآكل القيم وتحويل السياسة إلى لعبة شعارات خاوية.
فالحرية الحقيقية ليست أن تقول ما تريده الجماعة التي تنتمي إليها، بل أن تقول ما تراه أنت حقًا، حتى لو صدم الجميع. وعندها فقط، يمكن للمعارضة أن تكون ضميرًا للأمة، لا مجرد انعكاس لخصوماتها.
حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: المعارضة بين استقلال المبدأ وأسر الاصطفاف

