بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: ليس في السياسة صُدَف

يخطئ من يظن أن ما يجري في السياسة يمكن تفسيره بمنطق المصادفةالسياسة، بطبيعتها، فعلٌ واعٍ، قائم على التخطيط، وترتيب الأولويات، واختيار المساراتقد تُخطئ السياسات، وقد تفشل الخطط، لكن استمرار الفشل في ظل توافر الإمكانات لا يمكن وصفه بالصدفة.

لقد كُتب كثيرًا عن «نظرية المؤامرة»، وعن كيف تحولت في عالمنا العربي إلى أداة مريحة للهروب من مواجهة الذاتفهي تُلقي باللوم على قوى خفية، وتُبرّئ الداخل من مسؤوليته، وتُعفي صانع القرار من المساءلةلكن إدراك أن السياسة تُدار وفق مصالح وخطط لا يعني السقوط في فخ المؤامرة، بل هو الفهم الأولي لأي قراءة سياسية جادة.

حين ننظر إلى مصر، لا نتحدث عن دولة فقيرة الموارد أو هامشية الموقعنحن أمام دولة تمتلك:

ثروة بشرية ضخمة، موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، بحرين، وقناة ملاحة عالمية، وبحيرة جبارة في الجنوب.

تاريخًا وحضارةً وعمقًا ثقافيًا، ومناخًا يسمح بالزراعة والسياحة والطاقة المتجددة.

ومع ذلك، نجد واقعًا صادمًافقرًا يتسع، ديونًا تتراكم، تعليمًا يتراجع، وتبعية في الطاقة لدولة تُعد عدوًا استراتيجيًا في الوعي الجمعي والتاريخي.

هنا لا يكون السؤالمن يتآمر علينا؟

بل السؤال الحقيقيكيف تُدار الدولة؟ ولمصلحة من تُتخذ القرارات؟

الفرص التي تأتي ولا تُستثمر ليست قدرًا، بل نتيجةوالبدائل التي لا تُناقش ليست غيابًا للخيارات، بل إقصاءً متعمدًا للعقلفي السياسة، لا يوجد فراغ؛ كل مساحة لا تُملأ بقرار وطني واعٍ، يملؤها قرار مفروض أو مصلحة خارجية.

الاعتماد على الخصم ليس خطأً تقنيًا يمكن تبريره بلغة الضرورة، بل خيار استراتيجي له كلفة سيادية طويلة الأمدوإهمال التعليم ليس أزمة ميزانية فقط، بل إعلان ضمني عن شكل المستقبل المرادمجتمع أقل وعيًا، أسهل إدارة، وأضعف مساءلة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة هو أن تعتاد الفشل، وأن تُطبع الخسائر، وأن تُسوَّق الأزمات بوصفها إنجازاتعندها تتحول السياسة من إدارة للممكن إلى إدارة للتبرير، ومن صناعة للمستقبل إلى استهلاك للوقت.

وهنا تأتي رسالة الإفاقة: ليس كل فشل مؤامرة، لكن استمرار الفشل في ظل وفرة الإمكانات ليس صدفة.

الإفاقة تبدأ حين نُعيد الاعتبار للعقل، وحين نُميّز بين الأمن والاستقرار، وبين الدولة والحكم، وبين الوطنية وتقديس القرار.

السياسة لا تحتاج إلى شعارات أكثر، بل إلى شجاعة المراجعة.

ولا تحتاج إلى أعداء جدد، بل إلى صدق مع الذات.

فالأمم تنهض حين تعترف بأخطائها وتُصلح مسارها.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى