
كتبت رثاءاً للدكتور مراد وهبة وجائني أكثر من عشرين الف تعليق جميل ، وراقٍ ، ولكن فجأة بدأ بعدها ، وكأن الذين كتبوا متفقين ، سيل من الهجوم والاتهام بالكفر ، وعدم جواز الرحمة علي غير المسلم ، وتصنيف الفيلسوف المحترم بالصهيوني والملحد ، ودعوات لي وله بجهنم وبئس المصير ، بألفاظ يعف قلمي أن انقلها لكم.
صحيح ان عدد هؤلاء لم يتعدي ٢٪ من الرسائل لكن اللغة والكراهية والحدة والعنف وتمني الحرق والعذاب كان سياقاً وكأنه صادر من مرجعية واحدة.
فكرت وتريثت وحللت فوجدت أنه مهما اختلفت الأديان، وتشعّبت العقائد، وتعددت اللغات التي يخاطب بها الإنسان ربه، والآخرين ، فإنّ المتطرفين يتشابهون إلى حد التطابق.
لهم الوجوه نفسها وإن غيّروا الأسماء، والنبرة نفسها وإن تنوعت الكتب، والعقلية ذاتها وإن اختلفت الرموز والرايات ، ولغة متدنية وألفاظ مسيئة للآخرين .
أحادية في الفكر، تعصّب في التطبيق، نبذ للمختلف، ورفض للتعددية، وعنف في الكراهية.
المتعصب يختزل الكون في ثنائيةٍ بسيطة: معنا أو ضدنا، حقٌ وباطل، نجاةٌ أو جحيم ، مؤمن وكافر ، ولا مكان في ذهنه للمنطقة الطبيعية التي يعيش فيها الإنسان ليفكر ويخطئ ويتعلم.
لقد صار التطرف دينًا جديدًا، عابرًا للثقافات والأديان، دينًا له طقوسه وأئمته ومتعصّبوه،
ولذلك، يمكن أن نقول بثقة:
“التطرف هو الدين الوحيد الذي يعتنقه متشددون من كل الأديان، رغم اختلاف كتبهم وآلهتهم، لأن معبودهم الحقيقي هو الكراهية لكل من ليس منهم.” لا يطلبون له الرحمة حتي لو كان يمثل ثلاثة أرباع تعداد البشرية.
التطرف لا يأتي من الدين، بل من اختطافه. فالدين في جوهره دعوةٌ إلى المحبة والتسامح، لكن حين يقع في يد الجهل والخوف، يتحوّل إلى لافتة للكراهية.
يتحدث المتعصب باسم الله دائماً وهو لا يسمع سوي صوت نفسه ،وهكذا يصبح الدين الذي نزل لتهذيب الإنسان، سلاحًا لتدميره،وتتحوّل الرسالة التي جاءت لتوحّد البشر في الحب والرحمة والتسامح والعدل إلى ذريعةٍ لتقسيمهم.
التعددية ليست تهديدًا للإيمان، بل دليلٌ على عظمة الخالق الذي أبدعنا مختلفين.
والمتدين المستنير لا يخاف من تنوع الطرق إلى الله،لأنه يدرك أن الحقّ أكبر من اللغة التي نصفه بها، وأوسع من الطقوس التي نحصره فيها.
القرآن جعل من العقل أداةَ الإيمان، لا عدوَّه ، قال تعالى:
“أفلا تعقلون” (البقرة: 44)
“أفلا يتدبرون القرآن” (النساء: 82)
“قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” (الزمر: 9)
“وفي أنفسكم أفلا تبصرون” (الذاريات: 21)
هذه الآيات وغيرها عشراتٌ تُخاطب الإنسان كعقلٍ حر،لا ككائنٍ مبرمج، وتربطه بالله عبر الوعي لا التلقين.
فالعقل في القرآن ليس خصم الإيمان، بل جناحه الذي يُحلّق به.
والمتدين الحقيقي هو من يستخدم عقله في فهم النص، لا من يُغلق النص دون عقله ويعتمد علي فهم غيره ممن احتكروا التفسير لأنهم يعتقدون أنهم أعلم.
يقول السيد المسيح في إنجيل يوحنا:
«لماذا لا تفهمون كلامي؟ لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي»
ويقول:
«لهم عيون ولا يبصرون، ولهم آذان ولا يسمعون»
إن التنوع هو إرادة الخالق ومن يقرأ لدين بروحٍ منفتحة، يرى أن الاختلاف أصل في الخلق، لا طارئ عليه.
قال تعالى: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة، ولا يزالون مختلفين” (هود: 118).
وقال أيضًا: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا” (الحجرات: 13).
لأن التعددية ليست ابتلاءً، بل إشارة إلى رحابة الخالق الذي وسع تنوع المخلوقات واختلاف العقول والمشارب.
يقرر القرآن بوضوح:
«ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين»
وفي الإنجيل يقول المسيح:
«في بيت أبي منازل كثيرة»
(إنجيل يوحنا)
كلا النصين يعترفان بأن التعدد أصلٌ في الخلق، لا انحرافًا عنه.
وأن الحقيقة الإلهية أوسع من أن تُحتكَر في فهم واحد أو طريق واحد.
من هنا، يصبح رفض الاختلاف نوعًا من التمرّد على إرادة الله نفسه،
لأنك تنكر ما شاءه هو من تنوعٍ وتعددٍ في الفكر والطبيعة واللون واللغة والإيمان.
الدين الذي يزرع الكراهية ليس من السماء، والإيمان الذي لا يورث الرحمة ليس إيمانًا بل خوفٌ متلبّس بالقداسة.
حين نفهم أن التطرف ليس دينًا، بل مرض لا يكون في كونه متدينًا أو غير متدين، بل في كونه واعيًا، محبًّا، متصالحًا مع الاختلاف.
فالمؤمن الحقّ لا يحتاج أن يُقصي أحدًا ليؤكد إيمانه، بل يرى في تعدد الوجوه والقلوب دليلاً على رحمة الله واتساعه.
يتوافق المتطرفين في التمسك بالشعائر والأساليب ولكن الدين ليس ما نمارسه من طقوس، بل النية التي تسكنها.
فالشعائر طريقٌ، وليست غاية، وسيلة للتواصل مع الخالق لا موضوعًا للعبادة بذاتها.
حين تتحول الوسيلة إلى هدف، يضيع المعنى ويجفّ النبع الروحي الذي أُقيمت لأجله تلك الشعائر.
الصلاة التي تخلو من خشوع القلب ليست لقاءً مع الله، بل حركات جسدٍ جوفاء ، والصوم الذي لا يتهذّب فيه الضمير جوعٌ لا روح له ، والعبادة التي تزرع كراهية المختلف انقطاعٌ عن الخالق، مهما كثرت السجدات.
جوهر الدين هو الرحمة والوعي والمحبة والعدل، أما الشعائر فهي جسور توصلنا إلى تلك المعاني، لا أسوار تفصلنا عن الآخرين.
الخالق لا يريد من الإنسان المظاهر، بل النية الصافية والفهم العميق والمعاملة الحسنة.
وما أكثر الذين تمسكوا بالقشور ففقدوا النور، وما أندر الذين أدركوا أن الدين الحقيقي ليس فيما نقول بألسنتنا، بل فيما نزرع في قلوبنا من خيرٍ للناس جميعا حتي لو كانوا مختلفين عنا.


