
منذ أن أُنشئ المتحف المصري في ميدان التحرير عام 1902 على يد المهندس الفرنسي مارسيل دورغنون، كان ذلك الصرح إعلانًا عن وعي مصر الحديثة بتاريخها، وعن انتقال الاهتمام بالآثار من أيدي المستعمرين إلى حضن الدولة المصرية الناهضة.
فمن أروقة ذلك المتحف خرجت الأجيال الأولى من علماء المصريات المصريين، وتكوّنت بدايات مدرسة وطنية في حفظ التراث وصون الذاكرة. ولأكثر من قرنٍ من الزمان ظل المتحف قلب القاهرة الثقافي النابض، ومزارًا للأجيال والزوّار من كل أنحاء العالم، حتى ضاق المكان بما يحويه من كنوزٍ فاقت قدرته على العرض والاحتواء.
ومن رحم هذا التكدّس الجميل وُلد الحلم: أن تبني مصر متحفًا جديدًا يليق باتساع تاريخها، ويعيد عرض آثارها بروحٍ علميةٍ وفلسفيةٍ حديثة، تحفظ الماضي وتخاطب المستقبل، ولأن مصر لا تنظر إلى تاريخها بعين الماضي فقط، بل بعين التطور والوعي، جاء أيضًا المتحف القومي للحضارة المصرية في الفسطاط، الذي افتُتح عام 2021، ليجسد بعدًا آخر من رؤية الدولة الثقافية الحديثة.
فبينما يحتضن المتحف المصري الكبير تراث الفراعنة وعبق الأبدية، يقدّم متحف الحضارة رحلة متكاملة عبر العصور المصرية جميعها — من ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث — ليُظهر أن الحضارة المصرية نهرٌ متصل لا ينقطع، وأن الإبداع الإنساني فيها كان دائمًا ابنًا للزمن ووليدًا للتجدد.
وقد كان مشهد موكب المومياوات الملكية الذي نُقل فيه ملوك مصر من ميدان التحرير إلى متحف الحضارة حدثًا رمزيًا بليغًا: كأنّ الملوك القدامى أنفسهم ينتقلون في موكبٍ مهيب من الماضي إلى المستقبل، في رحلة وعيٍ وصونٍ لكرامة التاريخ الإنساني، وعند أقدام الأهرام، حيث يلتقي الغروب بوهج الرمال، يقف صرحٌ جديد كأنه سفينةٌ من نورٍ تُبحر في بحر التاريخ.
إنه المتحف المصري الكبير، ذلك المشروع الذي تجاوز كونه مبنى يضم آثارًا، ليصبح رسالة وعيٍ، ونداءً حضاريًا يُعيد إلى مصر مكانتها التي لا يليق بها إلا الريادة في الوجدان الإنساني.
هذا الافتتاح ليس حدثًا سياحيًا، بل لحظة تاريخية تُعلن فيها مصر أنها ما زالت قادرة على صوغ المستقبل من ذاكرةٍ لا تنضب، وأنها تستطيع أن تحوّل الحجر إلى فكرٍ، والرمز إلى وعيٍ، والماضي إلى طاقةٍ للحياة.
من الحلم إلى الحقيقة
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ووسط انشغال العالم بسباق العولمة، انطلقت فكرةٌ مصرية جريئة: أن تُشيّد الدولة متحفًا يليق بعظمة حضارتها، يضم ما تراكم عبر آلاف السنين من كنوزٍ إنسانيةٍ لا تُقدّر بثمن.
عام 1992 أعلن الرئيس الأسبق حسني مبارك عن مشروعٍ وطني لبناء «متحف مصري كبير» يكون لائقًا بتاريخ مصر وموقعها في الوعي العالمي، وتولّى فاروق حسني، وزير الثقافة آنذاك، ترجمة الحلم إلى خطةٍ تنفيذية، مؤمنًا بأن المتحف ليس خزانة للآثار، بل فضاء لروح الأمة.
كان يدرك أن كل تمثالٍ أو برديةٍ هو شاهدٌ على عبقرية الإنسان المصري، وأن جمعها في صرحٍ واحد هو نوع من استعادة الذاكرة الجماعية لشعبٍ علّم الدنيا معنى الخلود.
عبقرية المكان والتصميم
اختيار الموقع لم يكن صدفة، فالمتحف الكبير شُيّد على الهضبة المطلة على أهرامات الجيزة، ليكون حوارًا مفتوحًا بين الأزل والحداثة، بين الحجارة القديمة والخرسانة الحديثة، بين رمزية الخلود ومغامرة التجديد.
في عام 2003 فاز مكتب المعماريين الأيرلنديين Heneghan Peng بمسابقة التصميم العالمية، فقدموا رؤية معمارية تتناغم فيها الهندسة مع الفلسفة، وتبدو الواجهة الزجاجية الممتدة كصفحةٍ من ضوء، تعكس وهج الصحراء وتحمل روح طيبة القديمة، بينما تمتد الممرات كأنها شرايين زمنٍ يتدفق من الماضي إلى المستقبل.
وتزيد مساحة المتحف على خمسمائة ألف متر مربع، ليصبح أكبر متحف في العالم مخصص لحضارةٍ واحدة، يضم أكثر من مئة ألف قطعة، من حجر نارمر إلى مركب خوفو، ومن تمثال رمسيس الثاني إلى كنوز توت عنخ آمون التي تُعرض لأول مرة كاملة في مكانٍ واحد.
من حملوا الشعلة
ينبغي ألا ننسى من بدأ الحلم وسار به.. لقد كان للرئيس حسني مبارك فضلُ إطلاق المشروع، ولوزير الثقافة فاروق حسني فضلُ صونه ودفعه للأمام برؤيةٍ ثقافيةٍ شاملة.. ثم جاء الدكتور زاهي حواس، ليجعل من المشروع قضية رأيٍ عام، ويدافع عنه بوصفه مشروع الهوية المصرية في القرن الحادي والعشرين.
ولم يتوقف العمل حتى في أحلك الظروف، فقد واصل المهندسون والآثاريون المصريون البناء بعد عام 2011، متحدّين التحديات الاقتصادية والسياسية.
كما ساهمت اليابان بتمويلٍ ودعمٍ تقني، وشاركت اليونسكو بخبراتها، ليصبح المتحف ثمرة تعاونٍ بين إرادة مصريةٍ لا تعرف الانكسار، وعالمٍ يعترف بعظمة ما تحمله هذه الأرض من تراثٍ إنساني خالد.
المتحف كرسالة إلى المستقبل
ليست الغاية أن نعرض آثارنا، بل أن نستعيد وعينا بها، في المتحف المصري الكبير، تُعرض القطع الأثرية ضمن سياقٍ يربط الإنسان بتاريخ فكره، لا بمجرّد شكل أدواته.
تُستخدم أحدث تقنيات العرض والضوء والواقع الافتراضي، لتتحول الزيارة إلى رحلةٍ داخل الذاكرة البشرية، وهناك، في قلب الصرح، معاهدُ للترميم والبحث والتعليم، تُعيد لمصر دورها الطبيعي كمدرسةٍ للمعرفة التاريخية، ومركزٍ عالميٍّ لدراسة الإنسان القديم وتطور حضارته، إنه متحف لا يُخاطب السائح وحده، بل يُخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، لأن الرسالة التي تحملها مصر منذ فجر التاريخ لم تتغير: أن الحضارة هي قدرة الإنسان على تحويل الوجود إلى معنى.
ذاكرة وطن لا تنام
حين تفتح مصر أبواب المتحف الكبير، فهي لا تفتح قاعاتٍ للعرض، بل تفتح أبواب الوعي ذاته، فكل قطعةٍ تُعرض هناك هي رسالة من أسلافٍ يحدّثوننا عن الإتقان، والإيمان، والبحث عن الخلود، وكل زائرٍ يقف أمام تمثالٍ أو مومياءٍ أو حجر منقوش، يرى نفسه في مرآةٍ عمرها سبعة آلاف عام.
إن المتحف المصري الكبير ليس تحيةً للماضي، بل وعدٌ للمستقبل — وعدٌ بأن تبقى مصر، كما كانت دائمًا، نهرًا من نورٍ لا ينقطع، بلدٌ يجمع بين البناء والفكر، بين الذاكرة والوعي، وبين الحلم والعمل، ولذلك… حين نقف أمام بواباته، لا نرى الآثار فقط، بل نرى أنفسنا.

