
متصلون ومنفصلون
هل دمّرت السوشيال ميديا
تواصلنا أم أعادت تشكيله؟
بقلم
حسام بدراوي
كنت جالسًا في مقهى أراقب مجموعة من الشباب، يجلسون معًا لكن كلٌّ منهم غارق في شاشته الصغيرة. لا أحاديث، لا ضحكات، لا تلاقٍ بالعين. للوهلة الأولى، بدا لي المشهد تجسيدًا لانهيار التواصل الإنساني. مشهد يبدو عليه الانفصال رغم كل هذا “الاتصال”.
لكنني تريثت. وتأملت:
هل نحن فعلاً منفصلون؟
أم أننا فقط نعيد اختراع شكل التواصل، بل ونوسّع معناه إلى ما هو أبعد من المكان والزمان؟
ثورة في المفاهيم
السوشيال ميديا ليست مجرد وسيلة. إنها بيئة جديدة بالكامل. لقد غيّرت:
من نحادثه،
متى نحاوره،
بل حتى كيف نعبّر عن أنفسنا.
لقد أصبحت المشاعر تُرسل عبر “إيموجي”، والآراء في تغريدة، والحكايات اليومية في “ستوري” عابرة. صار الإنسان متصلًا دائمًا، لكنه في أحيان كثيرة، منعزل تمامًا عمّن حوله.
الانفصال الخفي
ما فقدناه أحيانًا هو العمق. أصبح الحضور الجسدي لا يعني شيئًا دون حضور الوعي والمشاركة.
نحن معًا، لكن كلٌّ في عالمه.
نضحك على نفس الفيديو، لكننا لا ننظر لبعضنا.
نعبّر، لكننا ننسى الإصغاء.
ولكن، أليس هذا أيضًا شكلًا جديدًا من الوصل؟
من خلال الهاتف:
نطمئن على أحبائنا في بلدان بعيدة.
نكوّن صداقات جديدة لم نكن لنلتقيها لولا هذه الوسائل.
نعبّر عمّا بداخلنا حتى دون أن نملك شجاعة المواجهة.
الطفل الخجول أصبح صانع محتوى.
العجوز المنسي وجد مجتمعه الرقمي.
المنعزل اجتماعيًا وجد مساحة يقول فيها: “أنا هنا”.
تحويل التحدي إلى فرصة
التحدي الحقيقي ليس في وجود التكنولوجيا، بل في كيفية استخدامها.
هل نستخدمها لتغطية فراغ داخلنا؟
أم نستخدمها كجسر للعبور إلى الآخر، لا كجدار عازل؟
لنجعل من السوشيال ميديا أداة تواصل حقيقية لا سطحية:
لنجعل من كل تفاعل فرصة حقيقية للتقارب.
لنخصص وقتًا خالصًا لمن معنا دون شاشات.
لنتذكّر أن خلف كل تعليق إنسان، لا مجرد حساب.
في الختام
السوشيال ميديا لم تقتل التواصل، لكنها عرّت هشاشته فينا.
الاختيار بأيدينا: أن نظل متصلين شكليًا ومنفصلين وجدانيًا، أو أن نستخدم هذه الوسائل لنخلق تواصلًا أعمق، إنسانيًا، حقيقيًا.
في النهاية، الإنسان لا يحتاج فقط إلى اتصالٍ بالإنترنت… بل إلى اتصالٍ بالإنسان.


