
في لحظة تأمل ، أدركت كم أن توثيق التاريخ مهمة شاقة، بل شديدة التعقيد، حين تتعدد الروايات وتختلط المشاهد، وتغيب الوثائق.
نحن نعيش في زمن يبدو فيه الحدث أكبر من الذاكرة، والمعلومة أسرع من التوثيق، والشهادة متروكة لأصحابها لا لمؤسسات تحفظها.
ولعل أخطر ما تواجهه الأمم هو أن تتحول ذاكرتها إلى ومضات شخصية، تروى من أفراد لا من أرشيف، وتتناقلها الروايات لا الوثائق.
الأكثر فزعاً هو استخدام الذكاء الاصطناعي لخلق وثائق تاريخية ببراعة تجعلها مصدقة ، وتتماشي مع ذهنية التاريخ بتحويرات مقصودة لابعاد الحقيقه .
بعد مرور أربعة عشر عاما من ثورة ٢٥ يناير ، أجدني أراجع نفسي وانا أروي أحيانا لحظات فارقة في حياتي وحياة مصر ، ذاكرتي وما سجلته بخط يدي هي مرجعيتي ، ولكني اتسائل ، وهل ذاكرتي للأحداث قد تأثرت بما تكشف لي من حقائق بعدها.
أسأل نفسي:
أين هو خطاب الرئيس مبارك الذي أعلن فيه تنحيه وتكليفه للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة البلاد؟
لماذا لا يُعامل هذا الخطاب، بكل ما له من ثقل دستوري وتاريخي، بوصفه وثيقة رسمية تحتفظ بها الدولة؟
لماذا نجد وثيقة تنازل الملك فاروق محفوظة في دار الوثائق القومية، بينما لا نجد ما يوثق لحظة مفصلية في تاريخنا الجمهوري المعاصر؟
اين محاضر اجتماعات الرئيس محمد نجيب الذي تم محو وجوده من الكتب كرئيس لمصر بعد إقصائه ونفيه عام ١٩٥٤ وكان ملء السمع والبصر .
بل أسوأ من ذلك، لا أثر لأي وثائق رسمية صدرت عن مؤسسة الرئاسة أثناء حكم محمد مرسي. لا محاضر، لا مراسلات، لا قرارات منشورة يمكن الاعتماد عليها بعد عقد أو اثنين لدراسة تلك المرحلة.
هل يُعقل أن تُدار دولة بحجم مصر دون سجل مكتوب؟
أم أنّ هناك سجلات مكتوبة موثقة لا نعلم بها؟
أم أن هناك من قرر أن الكتابة خطر، وأن الشفافية تهديد، وأن التاريخ يمكن السيطرة عليه بالصمت؟
في الدول التي تحترم ذاكرتها
في الدول الديمقراطية العريقة، يُفهم أن التاريخ ليس رواية شخصية، بل ملك عام، وأن الأرشيفات ليست أقبية أمنية، بل كنز معرفي للأجيال القادمة.
في الولايات المتحدة، أُقر قانون السجلات الرئاسية (Presidential Records Act) عام 1978، وينص على أن جميع وثائق الرئيس — رسائل، بريد إلكتروني، ملاحظات، محاضر — ملكٌ للشعب الأمريكي، وتُنقل تلقائيًا إلى “المكتبة الرئاسية” الخاصة بكل رئيس، لتُتاح للباحثين بعد مدة تصنيف أمني تتراوح غالبًا بين 5 إلى 12 سنة.�
مثال: مكتبة الرئيس أيزنهاور تحتوي على تسجيلات اجتماعاته اليومية ومحاضر نقاشاته حول أزمة السويس عام 1956، ومتاحة الآن علنًا.
في بريطانيا، يُعمل بقانون “قاعدة الثلاثين عامًا” (Thirty-Year Rule)، والذي يوجب نقل الوثائق الرسمية الحكومية إلى “الأرشيف الوطني” لتُفتح للعامة بعد 30 عامًا من تاريخها. وقد بدأت بعض الإدارات الآن تقليص المدة إلى 20 عامًا.
في فرنسا وألمانيا، توجد قواعد مماثلة، إذ تُحفظ السجلات الرئاسية والوزارية والمحاضر الرسمية في أرشيف الدولة، ويُتاح قسم كبير منها بعد تصنيف أمني وقانوني.
هكذا تُبنى ذاكرة الدولة على أساس مؤسسي، يُراكم المعرفة، لا يطمرها.
شهادة شخصية: كنز بين يدي
وقع تحت يدي منذ سنوات سجل موثق لمقابلات أجراها الرئيس جمال عبد الناصر وخلفه أنور السادات، مع نخبة من السياسيين والمفكرين وقادة المجتمع المدني، أثناء الإعداد لكتابة ميثاق العمل الوطني في أوائل الستينيات.
كان ما بين السطور كنزًا معرفيًا حقيقيًا: حوارات صريحة، اختلافات فكرية، تساؤلات عميقة عن العدالة الاجتماعية، الاقتصاد، وفكرة الدولة الحديثة. ما جرى لم يكن قرارًا فوقيًا، بل تفاعلًا بين السلطة ومكونات المجتمع المدني. هذا السجل، المحفوظ بإتقان، أتاح لي أن أفهم تلك الحقبة لا من خلال الشعارات، بل من نبضها الحي المكتوب.
هذا ما نحتاجه.
نحتاج أرشيفًا حيًا، لا شعارات محفوظة.
الذاكرة ليست رفاهية
إننا نحتاج إلى ذاكرة مؤسسية تحفظ للأمة تاريخها، لا لتقديس الحاكم، بل لمحاسبته. لا لنفخ البطولات، بل لفهم القرارات. لا لكتابة الأساطير، بل لصون الحقيقة.
فحين تُمحى الوثائق، لا يُمحى فقط الحدث، بل يُمحى معه الدرس.
ولذلك أقول:
ليس من حق الحاكم أن يقرر ما يُنسى وما يُتذكر.
التاريخ ليس ملكًا للسلطة، بل للأمة.
وإذا أردنا أن نُورّث أبناءنا وطنًا ناضجًا، فلابد أن نورّثهم معه وثائقه أيضًا، كما نورّثهم الأناشيد والدساتير.
والآن اشارككم إجابة الذكاء الاصطناعي حول سؤالي عن الوضع القانوني والتشريعي لحفظ الوثائق في مصر :
نعم، توجد في مصر تشريعات واضحة تُنظّم حفظ الوثائق الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة، ومُلزمة للبنوك الحكومية والجهات العامة—لكن ليست شاملًة لجميع المؤسسات مثل رئاسة الجمهورية والبرلمان، إليك التفاصيل:
القانون رقم 356 لسنة 1954
أنشأ “دار الوثائق القومية” وجعلها الجهة المختصة بجمع وحفظ الوثائق التاريخية بعد انتهاء الجهات الرسمية من استخدامها .•
قرار رئيس الجمهورية رقم 121 لسنة 1975
أباح للرئيس وضع نظام لحماية الوثائق الرسمية، حتى لو حال الأمن القومي دون نشرها لفترات قد تصل إلى 50 سنة .•
قرار رئيس الجمهورية رقم 472 لسنة 1979
نظّم طريقة حفظ الوثائق الرسمية داخل الجهات الحكومية، وحدد انتقالها إلى “دار الوثائق القومية” بعد فترات محدّدة .•
اللائحة التنفيذية رقم 270 لسنة 2009
حددت فترات حفظ الوثائق داخل الجهات الحكومية، وبعدها تُنقل تلقائيًا إلى مكان الحفظ المركزي .•
الدستور (المادة 68، 2019)
ينص على أن “المعلومات والوثائق الرسمية ملك للشعب”، وتُلزم الدولة بضمان حفظها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين بعد انتهاء فترة السريّة، وإرسائها وفق القانون .
الاستثناءات: رئاسة الجمهورية والبرلمان
رغم هذه القوانين:
استثنت رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع والخارجية والداخلية وبعض الأجهزة الأمنية من أحكام القانون 472 لسنة 1979، فلا تخضع لإلزامية الإيداع الآلي في دار الوثائق القومية .
لا يوجد بند صريح بخصوص البرلمان، لكن الآليات البرلمانية (مثلاً: لجان التحقيق والتشريع) تخوّلها طلب أي وثائق من الجهات التنفيذية عند الحاجة، وفقًا للوائح الداخلية لمجلس النواب .
التزامات البرلمان
لدى البرلمان صلاحية طلب الوثائق من أجهزة الدولة ضمن اختصاصاته التشريعية والرقابية، ويجب على الجهات الرسمية توفير الوثائق بناء على طلب لجان البرلمان أو مجلس النواب .
لكنّه لا يخضع لتلك القوانين نفسها المتعلقة بالإيداع التلقائي للوثائق في دار الوثائق القومية.
إذًا:
نعم، توجد تشريعات تُلزم الجهات الحكومية بحفظ وأرشفة الوثائق الرسمية وإيداعها في دار الوثائق القومية.
لكن، لا توجد لأي قانون يُجبر رئاسة الجمهورية أو البرلمان على تسجيل أو إيداع وثائقهما تلقائيًا مثل باقي الجهات.
مع ذلك، البرلمان يتمكّن عمليًا من الحصول على وثائق من الحكومة عبر لجانه وبموجب صلاحيات دستورية وتشريعية.
تم نسخ الرابط
2025-07-24
145 4 دقائق


