بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

وحدة النور بقلم حسام بدراوي

طالما آمنت بأن الحكمة لا تُحتكر، وأن النور الإلهى لا يُحاصَر فى ثقافة واحدة، أو دينٍ واحدٍ، أو نبى واحد، بل هو يُشرق على كل من أخلص نيته وسعى إلى الحق، مهما كانت لغته أو طريقه.
فى رحلة الإنسان الكبرى، حيث يمضى عبر التيه والبحث والرجاء، تسطع على قلبه أنوار متعددة، لكن مصدرها جميعًا واحد: نور الحقيقة الأزلية التى يصل إليها بعقله وتجاربه وإيمانه.
العجيب أن ترى تراكم ذلك فى حكمة الإنسان ورسالة الخالق التى تصله عبر طرق مختلفة ووسائل متعددة.
أفتح كتاب الله، وأقرأ فيه: «وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه».
فأدرك أن الحياة ليست سوى مرآة لما نحمله فى داخلنا. كل خطوة، كل اختيار، كل نية، تنسج خيوط مصيرنا.
هذا الصوت لا يغنى وحده، بل يلتقى بأصوات من عمق التاريخ:
بوذا الجالس تحت شجرة التنوير يقول: «نحن اليوم حصاد أفكار الأمس وأفعالها».
وكونفوشيوس فى هدوئه الأبوى يذكر تلاميذه: «من زرع خيرًا جنى خيرًا، ومن زرع شرًا حصد مرارته».
وفى الإنجيل يرن الصوت الأبدى: «كل واحد منا سيعطى عن نفسه حسابًا لله».
وكأن الكون كله يردد صدى تلك الحقيقة الواحدة: حرية الإنسان مسؤوليته.
ثم تهمس الآيات فى وجدانى: «وبالوالدين إحسانًا…».
فأشعر بدفء الرحمة التى أرادها الخالق فى أعماقنا.
بوذا يقول: «ما أعظم من يمنح الحياة: الأم والأب، فكن لهم نهر حنان لا ينضب».
وكونفوشيوس يعلم أبناءه: «بِرُّ الوالدين أساس الفضيلة، برهما حيين وميتين رفعة للنفس».
وفى الإنجيل: «أكرم أباك وأمك لكى تطول أيامك».
هى الإنسانية كلها تقف عند عتبة الأم والأب، تقبل أقدامهما شاكرة.
ويمضى النور بى إلى درب التوازن: «ولا تبذر تبذيرًا… ولا تجعل يدك مغلولة…».
إنه نداء السماحة فى الكسب والإنفاق، فى الأخذ والعطاء.
بوذا يرسم طريق «الوسط النبيل» الذى ينأى عن الإفراط والتفريط.
وكونفوشيوس يحذر: «الثروة دون عدل خراب للروح».
وفى الإنجيل صدى صارخ: «محبة المال أصل لكل الشرور».
حتى إخناتون فى صلواته للقرص الواحد يقول: «العطاء فى طهر القلب قربانك يا أتون».
ثم ينادينى القرآن فى رفق: «ولا تمش فى الأرض مرحًا…».
التواضع تاج العارفين، وعباءة الحكماء.
بوذا يردد: «كما تنحنى السنابل المثقلة بالثمر، ينحنى الحكيم بثمر المعرفة».
وكونفوشيوس يعيد التذكير: «العظيم حقًا من يعترف بنقصه ولا يتباهى بفضله».
وفى الإنجيل يتردد وعد الرب: «من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع».
ويعود النور بى إلى جوهر الحكمة: «ولا تقف ما ليس لك به علم…». فلا مكان للظن والجهل حيث يسطع نور العقل.
بوذا يعلم: «لا تتبع شيئًا لأنك سمعته، اختبر، تأمل، واجعل عقلك دليلك».
وكونفوشيوس ينبه: «الحكمة تبدأ حين تدرك جهلَك».
وفى الإنجيل صوت الحرية عبر المعرفة:
«وتعرفون الحق، والحق يحرركم».
ثم يأخذنى القرآن إلى لحظة القرب الأعظم: «وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب…».
هنا تتلاشى المسافات بين العبد وربه.
بوذا لا يناجى إلهًا شخصيًا، بل يبحث عن سكينة النفس فى تأمل الوجود، لكنه يعترف: «السلام العميق لقاء داخلى مع النور الأبدى».
وكونفوشيوس يبجل «السماء» كأصل النظام والعدل.
وإخناتون يبث عشقه لنور الله الذى يملأ السماء والأرض: «يا من تشع على كل حى، يا واهب الأنفاس…».
وفى الإنجيل وعد أزلى: «اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم».
ويسرى فى دمى أعذب النداءات القرآنية: «فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر».
تذوب كل الأديان فى نهر الرحمة.
بوذا يهمس: «مد يدك لمن يعانى، ففى إنقاذه خلاصك».
وكونفوشيوس يرسى أعمدة العطف: «الإنسان الشريف لا يحتمل رؤية ألم الآخرين».
وفى الإنجيل: «طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون».
وأمام عظمة التوحيد المطلق يعلو نداء القرآن: «الله لا إله إلا هو الحى القيوم…».
وفى قلب إخناتون: «ليس إلاك يا ربى، نورُ الحياة، وحدك الواحد الأحد».
وفى الإنجيل: «الرب إلهنا رب واحد».
ها أنا أقف فى مهبط هذا النور الجامع، فأرى أن الحكمة- وإن اختلفت مظاهرها- واحدة فى جوهرها.
دين الفطرة يتجلى فى كل روح صادقة..
فى كل بحث عن العدل..
فى كل دعوة إلى الرحمة..
فى كل نداء إلى التواضع..
فى كل حب للحقيقة..
فى كل يقين فى الإله الواحد.
وهكذا، حين يخاطبنى القرآن قائلًا:
«يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً».
أدرك أن هذه النفس الطاهرة ليست مسلمة فحسب..
ولا بوذية وحدها..
ولا مسيحية فقط..
ولا كونفوشيوسية أو إخناتونية.
بل هى النفس الإنسانية حين تبلغ مقامها الأعلى: مقام التوحيد النقى، مقام النور الواحد. وما الحياة إلا رحلة إلى هذا النور، تتعدد الطرق، ويبقى النبع واحدًا.
ختامًا:
أدرك أن الأديان قد تختلف أشكالها، لكنها كلها تنفتح على النور نفسه. وأن الإنسان، فى كل زمان ومكان، يحمل فى داخله سؤالًا واحدًا: من أنا؟ وما الذى يجعل لوجودى معنى؟
ولأن الله لا يحرم عبدًا مخلصًا من الهداية، جاءت الرسالات، تتعدد فى الشكل، وتتوحد فى الجوهر، لتقول لكل من أرهقه التيه: «اطمئن… الطريق إلىَّ مفتوح».
إننى لا أكتب هذا المقال لأدعو إلى تمييع الخصوصيات الروحية، بل لأشهد بأن جوهر هذه الخصوصيات واحد، وأن من صدق النية وفتح قلبه بلّغه الله سواء السبيل، ولو جاءه من طريق لم يتوقعه.
هذا الفصل جسر، لا بين الديانات فقط، بل بين الأرواح الصافية التى التمعت فى لحظة صدق، فاكتشفت أن ما ظنّته اختلافًا.. لم يكن سوى تنويع فى سيمفونية التوحيد.
وإننى، وأنا أضع نقطة الختام، أُسلم أمرى، لا إلى فكرة، ولا إلى مذهب، بل إلى ذلك النور الذى وسِع كل شىء، نور الخالق الواحد، الأحد، السميع العليم… الكافى.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى