بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

إلي أقباط مصر ..‏ كل عام وانتم بخير – ‏حسام بدراوي

الدولة المدنية لا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل تُبنى أولًا بالمعرفة،‎ ‎وبالقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها ‏الصحيحة، لا بأسمائها الشائعة.‏
ومن أكثر القضايا التي تكشف ارتباك الوعي في مجتمعاتنا، مسألة الاسم، والهوية، والأصل:‏
من هو المصري؟
ومن هو القبطي؟
وهل نحن أمام توصيف ديني، أم انتماء حضاري أسبق من الأديان؟
كلمة قبطي ليست توصيفًا مسيحيًا في أصلها، بل توصيفًا مصريًا خالصًا، ضاربًا في عمق التاريخ قبل المسيحية ‏وقبل الإسلام.‏
القبط هم المصريون، والمسيحية احتضنت الاسم، لكنها لم تخلقه.‏
وعندما دخل المسلمون مصر، لم يدخلوا أرضًا بلا شعب، ولا تاريخًا بلا هوية.‏
دخلها‎—‎وفق الوقائع التاريخية‎—‎نحو خمسةٍ وعشرين ألف مسلم، في مجتمع تعداده يقارب المليوني نسمة.‏
هذا يعني، علميًا وتاريخيًا، أن المسلمين المصريين اليوم هم في غالبيتهم الساحقة أقباط اعتنقوا الإسلام، لا ‏وافدون عرقيًا، ولا قطيعة حضارية.‏
والتنازل عن هذا الأصل، ليس تواضعًا، بل تفريط في الذاكرة.‏
الدولة المدنية لا تخاف من الجذور:‏
الدولة المدنية لا تُبنى على محو الأصول، بل على تحريرها من التوظيف الديني أو السياسي. وحين نقول إن ‏المسلمين المصريين أقباط، فنحن لا “نُسيّح‎” ‎الهوية المسيحية، ولا نُربك العقيدة الإسلامية، بل نضع كل عقيدة ‏في موضعها الصحيح:‏
اختيارًا إيمانيًا داخل انتماء وطني واحد.‏
الدولة المدنية لا تقول: “أنسوا من أنتم‎”‎، بل تقول:“لا تجعلوا ما تؤمنون به سببًا لتقسيم ما تنتمون إليه‎”‎‏.‏
الشائع ليس دائمًا صحيحًا و الانسياق وراء الشائع‎—‎حتى لو كان حسن النية‎—‎‏ ليس فضيلة فكرية.‏
الواجب الأخلاقي للمثقف هو الإيضاح، لا المجاملة.‏
نعم، ارتبط لفظ قبطي في الاستعمال المعاصر بالمسيحية، لكن هذا؛ الارتباط طارئ، ولا يجوز أن ينسخ الأصل.‏
لو قبلنا الشائع دون تصحيح،نكون قد ساهمنا‎—‎دون قصد‎—‎في إعادة إنتاج منطق الطوائف، وهو منطق نقيض ‏للدولة المدنية.‏
النسب، العلم، وكشف الوهم
يربط البشر النسب بالأب، ويتجاهلون الأم، كأن الهوية تُورَّث في خط واحد.‏
لكن العلم كسر هذا الوهم. فحين تُظهر دراسات الحمض النووي أن مسلمًا مصريًا ينتمي بنسبة ساحقة إلى الجذر ‏المصري القديم، فهذا ليس رأيًا، بل حقيقة علمية.‏
قد ينتسب الإنسان روحيًا أو اسميًا إلى سلالة شريفة، كما في الانتساب إلى علي بن أبي طالب، كحالي واسرتي ‏توثيقاً ، وهو شرف عظيم ، لكن هذا لا يلغي انتمائي الحضاري والجيني للأرض التي وُلدت عليها و أجدادي ‏عبر آلاف السنين.‏
بهذا المعنى، فالمصري المسلم الذي تُظهر الجينات أنه مصري أصيل، هو قبطي بالعلم، مسلم بالعقيدة، مصري ‏بالهوية ، ولا تناقض في ذلك.‏
الدولة المدنية ليست حيادًا ثقافيًا، بل عدالة معرفية.‏
وإعادة الاعتبار لكلمة قبطي بوصفها اسمًا للمصري، لا يجب تجنبها أو الهروب منها بل خطوة في اتجاه:‏
‏•‏ نزع الطائفية
‏•‏ تحرير الدين من العرق
‏•‏ وتحرير الوطن من الانقسام
نحن لا نعود إلى الأصل لننغلق، بل لننفتح دون خوف. فالقبط ليسوا طائفة، بل ذاكرة وطن. ومن لا يعرف ‏ذاكرته، لن يبني دولة مدنية حقيقية.‏
كل عام وقبط مصر مسلمين ومسيحيين وغير منتمين بخير ومحبة وسلام.‏
عيد ميلاد مجيد للسيد المسيح، سواء كان في ديسمبر أم كان في يناير وسنة حلوة كلها محبة ومودة

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى