بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

الازدواجية في النفس البشرية بقلم حسام بدراوي

الازدواجية في النفس البشرية
بقلم حسام بدراوي
فى عالمٍ يتسع للنور والظلام، نجد أنفسنا أمام ثنائيات حادة تبدو أحيانًا كتناقضات، لكنها فى حقيقتها وجها العملة الواحدة. الذكاء والغباء، الإيمان والكفر، الرحمة والقسوة، كلها مفاهيم لا تستقيم فى معناها إلا بوجود نقيضها. فالذكاء لا يُعرف إلا على خلفية الغباء، كما أن الإيمان لا يُدرك إلا حين اختُبر بالكفر.
لقد رأيت أذكياءً بلا بصيرة، وعلماء غابت عنهم الحكمة، وأميين يحملون من الفطرة السليمة ما يجعلهم أكثر رشدًا من أصحاب الشهادات. وهنا يبرز سؤال جوهرى: ما هو معيار القيمة فى الإنسان؟ أهو ذكاؤه؟ أم وعيه؟ أم اتجاه قلبه؟.
علم النفس العصبى يُفرّق بين الذكاء الإدراكى والذكاء العاطفى.
فقد يمتلك الفرد معدلًا عاليًا من الذكاء العقلى (IQ)، لكنه يفتقر إلى القدرة على التعاطف، وعلى قراءة مشاعر الآخرين أو فهم ذاته. الذكاء هنا يصبح أداة باردة، قادرة على الإنجاز لكنها قد تفتقر إلى الاتجاه الإنسانى.
ومن منظور علم الوراثة والسلوك، فإن الإنسان يولد بطاقة معينة، ولكن هذه الطاقة لا تُحدد مصيره. الجينات قد تمنح القابلية، لكنها لا تفرض النتيجة. الفارق دائمًا فى الإرادة، فى بيئة العقل وفى التربية التى تُنبت الوعى. وهذا ما يُفسر كيف يخرج من بيئة واحدة طفل ينهل من نور العقل، وآخر يختار الظلام.
والقرآن أشار إلى هذه الحقيقة العميقة فى تركيبة الإنسان:
«وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا»
كأن الفجور والتقوى كلاهما مزروعان فينا، كاحتمال، والخيار فى أيدينا.
الذكى لا يُقاس فقط بسرعة الاستيعاب أو كثافة المعلومات، بل بقدرته على الربط بين المعطيات، والروية فى الأحكام، ورؤيةً ما وراء الظاهر. الذكاء الحقيقى مرن، ناقد، متواضع أمام المجهول.
أما الغباء، فهو أحيانًا شكل من الجمود العقلى، لا يعنى بالضرورة قلة فى القدرات، بل قد يكون كسلًا فى طرح الأسئلة، أو يقينًا زائفًا يغلق أبواب الإدراك. الغبى قد يكون مثقفًا، لكنه لا يجيد الإنصات للواقع حين يتغير، ولا يُراجع أفكاره حين تصطدم بالتناقض.
والذكاء ليس واحدًا. هناك من يملك ذكاءً لغويًا، وآخر رياضيًا، وثالثًا اجتماعيًا أو عاطفيًا… لكن الأهم من ذلك كله هو ذكاء الوعى بذاتك وبحدودك. فكم من أذكياءً أخطأوا، فقط لأنهم لم يعرفوا حدود عقلهم ولا استمعوا لصوت تجربتهم.
فى لحظة من التأمل، قد ترى الكافر الباحث أصدق نية من المؤمن المقلد، وقد ترى الغبى يفتح قلبه لما يغلقه الذكى المتغطرس. وليس فى هذا تبسيط ولا تبرير، بل دعوة لفهم أعمق للطبيعة البشرية، حيث تتداخل الأضداد وتتكامل.
الله لم يخلق الإنسان ملاكًا ولا شيطانًا، بل خلقه حرًا، قابلًا للنقيضين، محمولًا على جناحى العقل والقلب، بين نور المعرفة وظلمة الجهل، بين الهداية والضلال، فى رحلة لا تتوقف إلا عند لحظة الإدراك كاملًا.
ولعل أعظم ما فى الإنسان، ليس أن يكون ذكيًا أو مؤمنًا، بل أن يسعى… أن يعى أنه فى امتحان مستمر، وأنه ما دام يسأل ويبحث ويتأمل، فهو على الطريق، حتى وإن تعثر.
منذ أن بدأ الإنسان يفتح عينيه على العالم، شكل النور والظلام أعمق ثنائيات الإدراك فى وجدانه. فمن خلالهما فرق بين النهار والليل، بين الأمان والخوف، بين المعرفة والجهل، بل بين الحياة والموت.
لكن… هل النور والظلام ثنائية حقيقية فى الوجود؟ أم أنهما مجرد إسقاطات لعقولنا، ترتبط بما جبلنا عليه من حواس وإدراك؟
النور، من الناحية الفيزيائية، هو طيف من الموجات الكهرومغناطيسية، جزء ضئيل منها فقط تلتقطه أعيننا، نُسميه «الضوء المرئي».
أما الظلام، فليس «شيئًا» فى ذاته، بل غياب هذا الطيف عن مجال رؤيتنا. هو لا يُصدر موجات، لا يُقاس كمادة، إنه فراغ بصرى، صمت الضوء.
لكن لو تأملنا أعمق… لوجدنا أن هذه الثنائية قد تكون خدعة إدراكية. فالعين لا ترى النور، بل ترى أثره حين يسقط على الأشياء. والظلام ليس كينونة قائمة، بل نتيجة حدودٍ فى جهازنا البصرى. من دون عين ترى، لا فرق بين نور وظلام. كلاهما يصبح لا شيء فى غياب الوعى.
ومثلما لا وجود للظل دون النور، لا يمكن للإنسان أن يعى الظلام إلا لأنه يعرف النور، ولا يشعر بالنور إلا على خلفية من ظلام. فهما وجهان لحقيقة واحدة: إدراكنا نحن. إدراك يتشكل من تفاعل الضوء مع العين، والمعلومة مع العقل، والإحساس مع التجربة.
بعيدًا عن الفيزياء، النور والظلام تحولا إلى رمزين ثقافيين وروحيين. النور يُقرن بالمعرفة، بالهداية، بالحق. والظلام يُرمز به إلى الجهل، والتيه، والخطيئة. لكن أليس فى هذا إسقاط بشرى على ما قد لا يكون سوى حالة طيفية للواقع؟
ربما فى مستويات أعمق من الوعى، وفى بعد لم نصل إليه بعد، لا يوجد «نور» و«ظلام»، بل حضور مختلف لكثافة الطاقة أو الوعى. كما فى ميكانيكا الكم، حيث الجسيم والموجة ليسا إلا حالتين لذات الكينونة، ربما النور والظلام أيضًا هما تجليان لشيء واحد، يدركه الإنسان على حسب أجهزته الإدراكية.
إننا لا نرى العالم كما هو، بل كما نحن. والحد بين النور والظلام قد لا يكون فى الطبيعة، بل فينا.
البصيرة، كما توحى الكلمة، ليست رؤية العين، بل رؤية أعمق وأصدق، تأتى من وعى يقظ، وفطرة حية، واتصال داخلى بالحقيقة.
هى القدرة على رؤية المعنى فى الحدث، والمغزى فى الابتلاء، والرسالة خلف الألم.
أما الغفلة، فهى لا تعنى الجهل، بل غياب الحس الداخلى بالحضور والمعنى. الغافل ليس من لا يعرف، بل من لا ينتبه، من لا يستجيب، من يعيش كما لو كان نائمًا وهو مستيقظ.
إن أعظم النور ليس ذاك الذى ينير لك الطريق، بل ذاك الذى يجعلك تبصر نفسك.
وإن أخطر الظلمات، ليست ظلمة الليل، بل ظلمة الضمير حين ينام، والعقل حين يسلم دون وعى، والقلب حين يغترب عن معنى الحب وقيم الإنسانية.
May be an image of 1 person and text

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى