
الذاكرة التاريخية كسلاحٍ سياسي
لا تُصاغ الهيمنة بالقوة الخشنة وحدها؛ كثيرًا ما تُصنع أولًا في العقول عبر سردٍ انتقائي للماضي، يُعاد تدويره في الإعلام والتعليم والسياسة والدبلوماسية ليصبح “حقيقةً متخيَّلة” ذات أثر واقعي. هذا ما يسميه باحثو الذاكرة بـسياسات الذاكرة: تحويل أحداثٍ تاريخية بعينها إلى مرجعية أخلاقية تُبرِّر خياراتٍ حاضرة، وتمنح لاعبين بعينهم حصانةً رمزية وسياسية (هالبواكس؛ أوسمان؛ أولِك).
المقاربة التي نعتمدها هنا تميّز بدقّة بين نقد الأيديولوجيا والسياسة والمؤسسات من جهة، وبين التعميم على جماعات دينية أو عِرقية من جهة أخرى. هدفنا تحليل كيف صارت الذاكرة الحديثة — خصوصًا حول أوروبا والحرب العالمية الثانية — أداةً لتقنين السردية الإسرائيلية الرسمية، وكيف انعكس ذلك على تموضع المسلمين والعرب في الوعي الغربي، وعلى شرعنة العنف بوصفه “دفاعًا مشروعًا”.
() من اللاهوت إلى السياسة: تحوّلٌ نوعي في الغرب
ظلّت صورة اليهود في الوعي المسيحي التقليدي قرونًا مشحونةً بتهمة “قتل الإله”، وهي صورة متجذّرة في لاهوتٍ وتقاليد شعبية طويلة. لكن بعد الحرب العالمية الثانية، حدث تحوّلٌ لاهوتي–سياسي لافت: وثيقة “نوسترا أيتاته” (المجمع الفاتيكاني الثاني، 1965) رفضت التعميم الأخلاقي وفتحت مسار مصالحة تاريخية. تبِع ذلك تصاعدُ مركزية المحرقة في أخلاق الذاكرة الأوروبية، ومعها حساسيةٌ مُبالَغ فيها — أحيانًا — تُربك أي نقدٍ لسياسات إسرائيل المعاصرة (Carroll 2001).
هذا التحوّل لم يكن دينيًا محضًا؛ لقد تقاطع مع أولويات الحرب الباردة، وبناء هوية أوروبية–أطلسية جديدة. ومن ثمّ، انزاح مركز ثقل العداء في الخيال السياسي الغربي من “اليهود” إلى “العدو الشرقي/المسلم”، فيما رُوّج لإسرائيل كـوكيلٍ متقدّم للحضارة في “شرقٍ مضطرب” (Huntington 1996؛ Said 1979).
() المحرقة: من مأساة إنسانية إلى مرجعية سياسية
لا خلاف على أن المحرقة جريمةٌ . غير أن تسييس الذاكرة — كما جادل نورمان فنكلستاين — أنتج ما أسماه “صناعة المحرقة”: استخدامًا مؤسسيًا للذكرى يُنتج حصانةً سياسية واقتصادية وقانونية تتجاوز التعاطف الأخلاقي المشروع إلى تبرير سياساتٍ عدوانية في فلسطين والمنطقة (Finkelstein 2000).
تُظهر حنة آرندت في “تفاهة الشر” (1963) أن تحويل الأخلاق إلى إجراءات بيروقراطية قد يطبع العنف ويجعله “عاديًا”. هذا الدرس يذكّرنا بأن الذاكرة إن لم تُؤنسن عالميًا، أمكن تسخيرها لتجريد الضحية الجديدة من إنسانيتها.
آليات تشكيل الذاكرة الحديثة
تُنتَج “حقيقةٌ” سياسية عبر التركيز الانتقائي والتكرار عالي الكثافة في منصّاتٍ متعددة. يمكن اختزال أهم الأدوات في الآتي:
1. الإعلام الإخباري والترفيهي: تكرار أطرٍ (Frames) تُقدّم القوة الإسرائيلية باعتبارها “دفاعًا ذاتيًا”، وتُحيل الضحية الفلسطينية إلى “تهديد وجودي”.
2. التعليم والمتاحف والقوانين: مناهج ومؤسسات تكرّس مركزية ذاكرة بعينها، وتُقصي سردياتٍ موازية.
3. الدبلوماسية واللوبيات: شبكاتٌ تُحوّل سردية الذاكرة إلى معايير سلوك دولي، وتُكلف نقدها ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا باهظًا.
4. الأمننة (Securitization): نقل القضايا الأخلاقية إلى حقل الأمن حيث تتضاءل المساءلة وتتسع صلاحيات القوة.
بهذه الأدوات، تُعاد صياغة “من هو الضحية ومن هو الجلّاد”، ويُدفع الرأي العام — داخل الديمقراطيات الغربية — إلى قبول إجراءات قصوى بوصفها “ضرورةً وجودية”.
() من السرد اللاهوتي إلى “العدو البديل”: المسلمون تحت الضوء
منذ تسعينيات القرن الماضي، تصاعد خطاب “صدام الحضارات” (Huntington) ليضع الإسلام في قلب توتّرٍ هويّاتي. ومع أحداث 11 سبتمبر، استقرّت صورة المسلم — عربيًا كان أو غير عربي — بوصفه “خطرًا” يحتاج إلى تدجينٍ أو ردع. في هذا السياق، يسهل تسويق الرواية الإسرائيلية الرسمية: فكل مقاومةٍ تُؤطر إرهابًا، وكل اعتراضٍ على القوة يُشيطن “كعداءٍ للسامية”.
هنا تتقاطع صناعة الخوف مع تسييس الذاكرة، فيُعاد ترتيب الأخلاق: تتحوّل معاناة شعبٍ محتل إلى “تفصيل أمني”، فيما تُضفى قداسة على القوة بوصفها “درعًا ضدّ تكرار المأساة”.
() الهتلرية الجديدة: المنطق قبل التشبيه
حين نصف بعض السياسات الإسرائيلية الراهنة بـ**“الهتلرية الجديدة”** فنحن لا نقارن الضحايا ولا نُسقِط التاريخ إسقاطًا اعتباطيًا؛ بل نشير إلى منطقٍ بعينه وصفه المؤرخ إيان كيرشاو في قراءته لهتلر: هوس القوة، تجريد الخصم من الإنسانية، تحويل الاستثناء الأمني إلى قاعدة (Kershaw 2008).
هذا المنطق — حين يُفعَّل على أرضٍ محتلةٍ وبين مدنيين — ينقل الدولة من حقل “الدفاع المشروع” إلى مشروع قمعٍ منظّم يستمد شرعيته من ذاكرةٍ مُستثمَرة سياسيًا.
() كيف تُواجَه سياسات الذاكرة؟
لا تُواجَه الذاكرة المسيسة بخطابٍ مضادّ مُطلق، بل عبر بناء ذاكرةٍ أخلاقية مضادّة متينة الأدوات:
• توثيقٌ منهجي لانتهاكات القانون الدولي (ملفات قضائية؛ أرشفة رقمية للشهادات).
• تعليم نقدي يدمج تاريخ المنطقة وسرديات الضحايا ضمن مناهج عالمية.
• إنتاج ثقافي وإعلامي محترف (سينما، وثائقيات، صحافة استقصائية) يقدّم السردية الإنسانية بلا شعارات.
• تحالفات أكاديمية وقانونية دولية ترفع كلفة إنكار الانتهاكات وتعيد تسييل الضمير العالمي.
• اقتصاد وسياسة بديلان (كالسوق العربية المشتركة) يضعان السردية على سفينة مصالح لا على هامش عاطفة.
بهذا، تتحوّل الذاكرة من درعٍ يبرّر العنف إلى مرآةٍ كونية تُذكّر بأن العدالة لا تتجزأ، وأن الضحية — أيًّا كان — لا يجوز إعادة إنتاجها بيد ضحية الأمس.
خلاصة
سياسات الذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا؛ إنها بنية تحتية للهيمنة. وقدرة الحكومات الإسرائيلية اليمينية — في حقباتٍ بعينها — على الاستثمار في هذه السياسات، تُفسِّر كيف يُعاد تدوير العنف بوصفه “ضرورةً”، ويُحاصر النقد الأخلاقي بتهمة “إنكار المأساة”.
المخرج ليس بنقض ذاكرة المآسي، بل بتحريرها من الاستخدام السياسي، وإعادة تعميمها أخلاقيًا: لا محرقة تُبرّر قمع شعبٍ آخر، ولا أمنٌ يُشرعن محو إنسانية المحتلّين. هنا يبدأ شرط السياسة العادلة


