بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالاتموقع ايجبتك

د. حسام بدراوي يكتب لـ«إيجبتكِ» الصفر وما قبله.. حين وُلد العدم في وعي الإنسان

تعالوا نتأمل في ولادة المعنى من اللاشيء.كان الإنسان في فجر وعيه يعرف الامتلاء وحده. يعدّ ما يراه بعينيه، ويحسب ما يملكه بيديه. الأرقام كانت رموزًا للوجود: للثمرات، للنجوم، للخطوات، للحياة ذاتها. لم يكن يعرف للفراغ معنى، ولا للعدم مكانًا في حساباته.ثم جاء يومٌ، وقف فيه عقلٌ متأمل يسأل:وماذا عن اللاشيء؟ هل له نصيب من الوجود؟كانت تلك هي البدايات… وميلاد الفراغ.

تسلّل هذا السؤال أولاً إلى وعي الحكماء في بابل والهند، كريحٍ تمرّ في فضاء الصمت.البابليون وضعوا علامة فارغة للفصل بين الأعداد، لكنها ظلت أثرًا غامضًا للغياب، لم تكن رقمًا بعد.ثم جاء الهنود فأدركوا أن هذا الغياب يستحق أن يُولد. رسموه دائرة صغيرة، كعينٍ للعدم تحدّق في الوجود، وسمّوه «شونيا – śūnya» أي الفراغ.في القرن السابع الميلادي، كتب براهماغوبتا معادلاته الأولى للصفر، مؤسسًا قانونًا جديدًا للعقل:أن «اللاشيء» يمكن أن يُحسب، وأن الفراغ يمكن أن يُعطي نتيجة.هنا، للمرة الأولى، صار الصفر كائنًا فكريًا له وزنه في معادلات الكون.عبرت الفكرة إلى بغداد في زمن بيت الحكمة. قرأ الخوارزمي كتب الهنود، فهم أسرار الصفر، وأطلق عليه الاسم الذي سيبقى خالدًا: «الصفر»، من الجذر «صَفَرَ» أي الخلوّ والفراغ..في يديه تحوّل الصفر إلى جوهرة النظام العشري وبوابة الحساب الحديث.

ومن الأندلس حمله المسلمون إلى أوروبا ، وفي القرن الثالث عشر، أمسك ليوناردو فيبوناتشي بكتاب عربي، فعلّم الأوروبيين لغة الأرقام الجديدة في كتابه Liber Abaci سنة 1202م، فاهتزّت القارة، ودخل رمز العدم إلى عقولها.وللمفارقة، قاومته الكنيسة في البداية، خشية أن يكون الصفر رمزًا للفراغ الذي لا يعرفه الإيمان، أو بابًا لفكرة الخلق من اللاوجود.لكن الزمن انتصر للصفر، فصار العدم رياضيًا ضرورة للوجود العلمي.

الصفر: الكائن الذي من لا شيء ، الصفر ليس رقمًا كسائر الأرقام، بل بوابة بين عالمين: بين العدم والوجود، بين الصمت والنغمة، بين البداية والنهاية.في حضرته تتساوى القمم والهاويات، وتنكشف حدود الأنا والكلّ.هو عدمٌ له هيئة، فراغٌ له معنى، نقطةٌ تحمل اللانهاية في جوفها.حين قبل الإنسان أن يمنح العدم رمزًا، خطا خطوته الأولى نحو التفكير المجرّد، نحو الفلسفة والرياضيات والخلق العقلي.

باكتشاف الصفر قامت الحسابات الحديثة، وُلد الجبر، وانطلقت الثورة الرقمية التي نعيشها اليوم.كل ما نراه حولنا — صورة وصوتًا وفكرة — يتكوّن من صفر وواحد، من عدم و وجود.نحيا داخل حوار أبدي بين هذين الرقمين، كأن الكون نفسه لغة مكتوبة برمزين: سكوتٌ وكلمة.في الصفر مفارقة فلسفية مدهشة،  فإذا اعترفنا بوجود العدم، فقد أنكرنا العدم ذاته؛ لأن مجرد إدراكنا له يجعله كائنًا في وعينا، فيتحوّل من نفي إلى إثبات، ومن فراغ إلى حضور.

هكذا يصبح الصفر كائنًا ميتافيزيقيًا يثبت أن العقل قادر على إيجاد اللاوجود بالفكر، وتجاوز المادة بالمعنى.نحن من منحنا الأشياء معناها، وللعدم صورته، وللصفر مكانه في منظومة الفكر.

ولعل أجمل ما في الصفر أنه يعلّمنا التواضع أمام سرّ الوجود:رمز اللاشيء الذي لا غنى عنه، النقص الذي به يكتمل الكلّ، السكون الذي تنبع منه الحركة.إنه الحكمة التي تهمس لنا أن الكون لا يُقاس بالكثرة، بل بالمعنى؛ وأن العدم، في جوهره، ليس نقيض الوجود، بل وجهه الآخر في مرآة الوعي.

وهكذا، حين نبلغ الصفر في فهمنا، لا نكون قد وصلنا إلى نهاية الطريق،بل إلى بدايته الحقيقية — حيث يبدأ الفكر في خلق عالمه من جديد.قبل الصفرعندما يصبح النقصان وجودًا

كان الصفر ثورةً كبرى: أن يقبل العقل أن للعدم مكانًا بين الأعداد، أن يمنح اللاشيء كرسيًا في مجلس الوجود.لكن هناك ثورة أعمق، أكثر إيلامًا وأشدّ صدقًا مع النفس البشرية:أن نقبل أن يكون هناك «أقل من العدم».أن نُقرَّ بوجود السالب.قبل السالب، كان الصفر هو الحدّ الأقصى للجرأة الفكرية.

كل شيء إما موجود (موجب) أو غير موجود (صفر).لا مكان للنقصان المحسوب، للدين المعترف به، للجرح المقاس بدقة.ثم جاءت لحظة غامضة في تاريخ العقل (لا نعرف اسم العالم الذي كتب أول معادلة سالبة)،لكننا نعرف أنها كانت لحظة رعب ونشوة في آن واحد.ليس مجرد علامة «−» صغيرة تُوضع قبل الرقم، بل اعتراف وجودي بأن النقصان يمكن أن يكون كيانًا، أن الغياب يمكن أن يُحسب، أن الثقب يمكن أن يكون له حجم.السالب ليس عكس الموجب… السالب هو الموجب الآخرنظن أحيانًا أن السالب هو مجرد انعكاس للموجب في مرآة الصفر.لكن الحقيقة أعمق:السالب هو الوجه المُرّ للوجود، هو الحقيقة التي لا نريد أن نراها إلا مضطرين.الفرح +٥، والحزن −٥، لكن الحزن أصدق أحيانًا، لأنه يأتي من مكان لا نستطيع إنكاره.الدِين، الندم، الفقدان، الذنب، الموت… كلها أرقام سالبة في دفتر حياتنا.لكنها موجودة، بل إنها أحيانًا أكثر حضورًا من الأرقام الموجبة.

في الكون نفسه، لم يكتفِ الخالق بالصفر. اخترع درجات الحرارة تحت الصفر، والضغط السالب، والطاقة السالبة في نظرية الكم.حتى الثقوب السوداء تُفسَّر أحيانًا بطاقة سالبة.الكون لا يخجل من السالب، بل يستخدمه ليبقى متوازنًا.الإنسان هو الكائن الوحيد القادر لى العيش في السالب بإرادته  الجميل في الإنسان أنه يستطيع أن يحوّل السالب إلى قوة دافعة:الندم (−) يصبح توبة (+).الدين (−) يصبح همّة وكدحًا وإنجازًا (+).الفقدان (−) يصبح حكمة وعمقًا لا يصل إليه من عاش في الموجب فقط.إذا كان +∞ هو الحلم الذي لا ينتهي، والفردوس، والكمال الذي نطمح إليه، فإن −∞ هو الجحيم، أو الذنب الأزلي، أو الاكتئاب الذي لا قرار له، أو الفقدان الذي لا يُعوَّض.

لكن المدهش في خط الأعداد أن الجنة والجحيم على نفس المستقيم،تفصلهما نقطة واحدة فقط: الصفر.كل ما عليك أن تفعله هو أن تعبر نقطة الصفر مرة أخرى… وتبدأ من جديد.

الخاتمة:قبل الصفر، كان العالم كله موجبًا أو معدومًا.بعد الصفر، تعلمنا أن نرى الفراغ.وبعد السالب، تعلمنا أن نحترم النقصان، أن نعترف به، أن نعيشه، وأن نخرج منه أقوى.الصفر علّمنا أن «لا شيء» يستحق مكانًا.السالب علّمنا أن «أقل من لا شيء» يستحق أيضًا مكانًا، بل إنه أحيانًا الأصدق والأعمق والأكثر إنسانية.لأن الإنسان ليس كائنًا موجبًا دائمًا.هو كائن يسقط في السالب، يعيش فيه، يتألم، ثم يقرر أن يبدأ من −١… ويصعد.قبل الصفر ليس نهاية.بل هو البداية الأكثر صدقًا لمن يريد أن يعرف نفسه حقًا.في كل مرة تسقط فيها إلى السالب، تذكّر:أنت لست في خطأ، أنت في مدرسة الحياة، والمعلم هو النقصان نفسه،والدرس هو: كيف تحول الدِين إلى عطاء، والجرح إلى حكمة، والهاوية إلى قوة دافعة.سالبك ليس عيبًا.هو توقيعك الخاص على دفتر الوجود.

 

لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى