
في التقليد المسيحي، تُعد مريم العذراء أعظم النساء، فهي التي اصطفاها الله لتحمل المسيح بالروح القدس دون زرع بشر. الإنجيل يصفها بأنها “مباركة بين النساء”، وأنها أنشودة الطهر والطاعة والتسليم لمشيئة الله. الكنيسة تحتفل بها في أعياد كبرى مثل البشارة والميلاد والانتقال، معتبرةً أن حياتها تجسد قمة الإيمان والتواضع.
القرآن الكريم كذلك رفع من شأنها بطريقة غير مسبوقة فسُميت سورة كاملة باسمها (سورة مريم) ووصفها الله بقوله: ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].
جعل الإسلام ولادتها للمسيح معجزة سماوية: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 45].
القرآن لم يكتفِ بإبراز طهارتها، بل قدّمها نموذجًا للإنسان المؤمن الذي يواجه الألم والاتهام بالصبر واليقين.
على الرغم من اختلاف القراءات اللاهوتية، فإن الإنجيل والقرآن يلتقيان على الإشادة بمكانة السيدة مريم كنموذج للقداسة والتسليم والأمومة المباركة و حاضنة لرسالة الخلاص والرحمة ،و وقوفها أمام المجتمع بتسليم وهدوء بصبر وبشجاعة.
العذراء في وجدان المصريين شئ جميل ، ولها مكانة خاصة ، ولعل رحلة مريم العذراء إلى مصر حين اشتدت يد البطش على الطفل يسوع في فلسطين، تعبر عن معانٍ كثيرة.
قاد الله مريم ويوسف النجار إلى مصر، البلد الذي كان وما زال أرض لجوءٍ وملاذٍ للضعفاء عبر التاريخ “وأراها كذلك في الحاضر”. هكذا تحوّلت مصر إلى أرض مقدّسة خطا عليها السيد المسيح طفلًا، واحتضنته السيدة العذراء في حضنها الطاهر، فباركت القرى والمدن التي مرّت بها العائلة المقدسة.
من سيناء إلى دلتا النيل، ومن وادي النطرون إلى جبل الطير وأسيوط، ظلّت مصر تحمل آثار هذه الرحلة محفورة في ذاكرة التاريخ، ومعها بقيت صورة العذراء أمًّا لكل المصريين.
عند المسيحيين هي أم النور، رمز الطهر والشفاعة وعند المسلمين: هي المرأة التي اصطفاها الله على نساء العالمين، لكن الأجمل أن المصريين جميعًا، مسلمين ومسيحيين، يلتقون على محبة العذراء، يزورون كنائسها في أعيادها، ويقيمون الموالد لها بروح احتفالية شعبية.
في أسيوط، في درنكة، يتوافد الملايين من كل الأطياف، يرفعون الشموع والصلوات، ويشعرون أنهم أمام أم مصرية خالدة، حنونة وحاضنة، تحمل وجدانهم المشترك.
إن السيدة العذراء ، رمز إنساني جامع وأراها رمزًا لوحدة المصريين، يتشاركون في حبها، ويتخذونها أيقونةً للنقاء والأمومة، ورمزًا لقدرة مصر على احتضان المختلفين. فهي ليست فقط أم المسيح، بل هي أم الإنسانية، ومثال خالد على أن القداسة الحقيقية تكمن في التواضع والمحبة.
في رحلتها مع المسيح إلى مصر، تركت العذراء بصمة روحية خالدة، لتبقى شاهدة أن هذا الوطن في قلب التاريخ، وأنه أرض مقدسة تتسع للجميع.
العذراء مريم هي رمز كوني، يجمع بين الإيمانين الكبيرين، ويدعو الإنسانية كلها إلى أن ترى في النقاء والتواضع والشجاعة قيمًا مشتركة تسمو بالنفس والروح.


