بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

بين مطرقة التشدد وسندان التطرف.. أزمة الاعتدال في المجال السياسي – حسام بدراوي

بين مطرقة التشدد وسندان التطرف.. أزمة الاعتدال في المجال السياسي
حسام بدراوي
فى زمن تتشابك فيه الأصوات والمواقف، يواجه الاعتدال السياسى تحديًا وجوديًا حقيقيًا. فعلى الرغم من أن حرية التعبير– كما يكفلها الدستور– ينبغى أن تتيح للمواطنين وللنخب السياسية مساحة للتعبير عن الرأى، إلا أن هذه الحرية تصبح مهددة عندما تُحاصر من طرفين متناقضين شكلاً، متقاربين أثرًا: جناح التشدد فى عدم قبول النقد، والمتطرفون المعارضون لنظام الحكم.
أولا: التشدد من داخل السلطة
بعض النظم السلطوية غالبًا ما تخشى الصوت المعتدل أكثر من معارضيها الصريحين. فالمعتدل لا يرفض النظام كليًا، بل يسعى إلى تقويمه من الداخل، فيعبّر عن مواقف نقدية، ويطالب بإصلاحات، لكنه لا يهدد الكيان ذاته. وهذه هى النقطة التى تُفزع المتشددين داخل النظام، لأنهم يرون فى الاعتدال مرآة تكشف عيوبهم دون أن تمنحهم مبررا. فتبدأ حملات التخوين، والتشكيك، والتضييق على هذا الصوت الوسطى، بزعم أنه «يلعب على الحبلين»، أو «يبرر للمعارضة»، أو «يضعف الجبهة الداخلية». وهكذا تضيق المساحة المسموح بها للتعبير الحر، حتى يصبح الصمت هو الملاذ الأخير للمعتدلين.
ثانياً: التطرف من خارج السلطة
فى المقابل، لا يتورع بعض المعارضين المتطرفين عن استغلال تصريحات المعتدلين واقتطاعها من سياقها، ليوظفوها كدليل على «انهيار النظام» أو كـ«اعتراف من الداخل». فيُحمَّل صاحب الرأى المعتدل ما لا يحتمله، ويُصوَّر كأنه بات فى صف المعارضين الراديكاليين، رغم أنه لم يغادر موقعه النقدى المتزن أصلًا.
وهكذا، يجد الصوت العاقل نفسه مرفوضًا من الطرفين: النظام يراه مشكوكًا فى ولائه، والمعارضة تعتبره أقل من المطلوب. فيضيع صوت الإصلاح الحقيقى، ويُخنق من الجانبين منطق الأبيض والأسود. فى مثل هذا المناخ، يسود منطق خطير: إما أن تكون «مع النظام كليًا» أو «ضده كليًا»، دون مساحة للتفكير النقدى، أو المراجعة، أو الاختلاف المشروع. وتصبح الساحة السياسية ملعبًا لأقصيين لا يرون إلا الأبيض أو الأسود، فى حين يُطرد كل تدرج رمادى من المعادلة.
ويبدو– وكأنها مفارقة سريالية– أن أشد الخصوم تطرفًا من الجانبين يتعاونون دون قصد على وأد المساحة الرمادية التى هى فى الحقيقة، شرط التجدد السياسى، وقلب أى ديمقراطية حقيقية.
استعادة صوت الاعتدال
المجتمعات لا تنمو على وقع الصراخ، بل على إيقاع الحوار، والاعتراف بالاختلاف، والقبول بأن الرأى الحر لا يهدد النظام، بل يحميه من الانغلاق.
إن إعادة الاعتبار للصوت المعتدل– سواء داخل السلطة أو خارجها– هى ضرورة سياسية وثقافية، وليست رفاهية. فالمعتدل ليس خائنًا ولا متواطئًا، بل غالبًا ما يكون الحريص على الدولة أكثر من المتشددين أنفسهم، لأن نظرته لا تختزل الوطن فى سلطة، ولا تختزل السلطة فى زعيم، بل تراه بنية قابلة للإصلاح والنقد والتجدد. فلنتذكر أن أخطر ما يهدد الأوطان ليس المعارضة، ولا حتى الفشل، بل خنق صوت العقل فى زحام الشعارات.
فى فضاء السياسة، ليس الاعتدال موقفًا رماديًا ولا تردّدًا، بل هو اختيار شجاع فى وجه قوتين متقابلتين: سلطة لا تحتمل النقد، ومعارضة لا تحتمل التفهم. وفى عالم يضجّ بالشعارات الحادة والانفعالات المتطرفة، يصبح صوت العقل هو الصوت الأكثر عُرضة للإسكات، من كل الأطراف.
تجربتى الشخصية قبل عام ٢٠١١ كانت مثالًا حيًّا على هذا المأزق المركّب الذى يواجهه الإصلاحيون من الداخل.
كنت– ولا أزال– مؤمنًا بأن الإصلاح الحقيقى لا يأتى فقط من الشوارع، بل من تغيير البنية من داخلها. إن التغيير الأعمق يحدث حين يتحرك الفكر النقدى داخل جدران النظام نفسه.
وقد رأى فيّ كثيرون من المعارضة ورجال الإعلام آنذاك نموذجًا جيداً، عضوًا فى الحزب الحاكم، لكنه يتحدث عن الحرية وتداول السلطة داخل الحزب وداخل الدولة، وعن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويصوغ مشروعًا للتطوير السياسى والتربوى لا يخشى فيه من كشف العوارات.
لكن تلك المساحة لم تكن إلا هامشًا متقلصًا كلما اتسع تأثيرى. إذ سرعان ما بدأ الجناح المتشدد داخل الحزب الحاكم يرى فىّ تهديدًا أكثر مما يرانى فرصة. وبدلاً من دعم الاتجاه الإصلاحى، جرى التآمر لتضييق خطواته، حتى وصل الأمر إلى التدخل الصريح لإسقاطى فى الانتخابات، رغم فوزى فعليًا بتأييد الشارع.
كان ذلك مشهدًا صريحًا لتناقض النظام مع ذاته: يعلن سعيه للإصلاح، ثم يخشى من رموزه حين تصبح حقيقية.
وفى المقابل، لم يجد ذلك قبولًا كاملًا من المعارضة أيضًا. فبعضهم– رغم احترامهم لشخصى– لم يتحمل فكرة أن هناك من يحاول الإصلاح من الداخل. فإما أن تكون «معنا» ضد النظام، أو فأنت جزء من تركيبة الاستبداد، حتى ولو كنت تُحارب الاستبداد من الداخل. وهكذا، أصبح موقفى– المعتدل فى ظاهره، الثورى فى جوهره– هدفًا لتشكيك مزدوج: النظام يخافنى، والمعارضة تتشكك فى دوافعى. لكن ما لم يفهمه الطرفان، هو أن الاعتدال ليس مساومة، بل رؤية إصلاحية شجاعة، تقف على خيط رفيع بين نقد الاستبداد، ورفض الفوضى.
وكم من مرة كنت أشعر بمرارة هذا التناقض. ففى لحظات الاستقرار، يُعامل الإصلاحى كحالة يجب احتواؤها أو إقصاؤها. ولكن، فى لحظات الخطر والانهيار الوشيك، تُستدعى الأصوات المعتدلة لتكون صمام أمان، وواجهة إنقاذ. وهكذا طُلب منى فى لحظة انهيار الحزب الحاكم أثناء ثورة يناير أن أتحمل مسؤولية القيادة، وأن أكون وجه الإصلاح الذى يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لم أهرب، لكننى كنت أعلم أننى أُطلب فقط حين تتعطل الآلة القديمة، لا حين يُخطط لمستقبل جديد.
الاغتيال الرمزى للاعتدال
ما يحدث مع الاعتدال السياسى ليس دائمًا اغتيالًا جسديًا أو قانونيًا، بل اغتيال معنوى ورمزى: تشويه، تشكيك، تجاهل، ثم استدعاء عند الطوارئ فقط.
إنها آلية خفية تعمل فيها الأضداد معًا– السلطة المتشددة والمعارضة المتطرفة– لإقصاء صوت العقل، كلٌ لأسبابه الخاصة. لكنها جميعًا تسهم فى خنق المساحة الرمادية، وتحويل المجال السياسى إلى ساحة بيضاء وسوداء، لا تسمح بأى تدرّج.
نحو استعادة المعنى السياسى للاعتدال
إن الدفاع عن الاعتدال السياسى اليوم هو دفاع عن جوهر الديمقراطية نفسها. ليس المطلوب أن نتفق دائمًا، بل أن نعترف بشرعية الاختلاف. وليس المطلوب أن نكون ثوريين دائمًا أو محافظين دائمًا، بل أن نكون مرنين فى العقل، ثابتين فى القيم. فالاعتدال ليس ضعفًا، بل أعلى درجات القوة الأخلاقية والسياسية، لأنه يتطلب مقاومة مزدوجة: مقاومة الاستبداد ومقاومة الفوضى معًا.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى