
حدود القوة الجوية في تغيير نظم الحكم
حسام بدراوي
يتناول هذا المقال اعتماد إسرائيل غير المسبوق والآن أمريكا على القوة الجوية لتحقيق هدفين استراتيجيين متزامنين في صراعهما مع إيران: تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ودفع النظام الحاكم في طهران إلى الانهيار. ورغم ال نجاح في تحقيق مكاسب تكتيكية بارزة عبر تنفيذ ضربات جوية دقيقة وعمليات استهداف نوعية لقيادات بارزة في الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، بالإضافة إلى إضعاف أجزاء من منظومة الدفاع الجوي الإيراني وإلحاق أضرار ببعض المنشآت النووية والاقتصادية؛ إلا أن الفعالية الاستراتيجية لهذه الحملة تظل موضع تساؤل وجدل حتي بعد تدخل امريكا .
وانطلاقاً من استعراض الأنماط التاريخية للقصف الاستراتيجي وصمود الأنظمة الحاكمة، تؤكد الدراسة على محدودية القوة الجوية في إحداث تغييرات سياسية جذرية، لا سيما عندما تواجه بنية تحتية نووية محصنة وأنظمة متجذرة. كما تستعرض المقالة تطور الخطاب الإسرائيلي من كونه دفاعاً عن الأمن الوطني إلى كونه دفاعاً عن الحضارة الغربية ككل، في محاولة لإعادة تشكيل موقع إسرائيل الاستراتيجي في ظل التعقيدات الإقليمية والدولية المتنامية.
إن البيئة الجيوسياسية الناشئة قد تتيح فرصاً استراتيجية لقوى إقليمية رئيسة مثل تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر لإعادة صياغة أدوارها الإقليمية والمساهمة في تشكيل توازن قوى جديد في منطقة الشرق الأوسط.
علي العموم تشهد المواجهة بين إسرائيل وإيران تحولاً نوعياً غير مسبوق في طبيعة استخدام القوة العسكرية. فللمرة الأولى في التاريخ العسكري الحديث، تعتمد دولة على القوة الجوية وحدها — دون اللجوء إلى عمليات برية مصاحبة — وتعكس هذه الحملة الإسرائيلية حتي بعد مشاركة أمريكا اعتقاداً طموحاً لم تثبت التجربة التاريخية جدواه؛ ومفاده أن التفوق التكنولوجي والقدرة على توجيه ضربات دقيقة مدعومة باستخبارات متطورة يمكنها تجاوز التعقيدات السياسية والعسكرية والمجتمعية المتأصلة في النزاعات الكبرى.
ورغم النجاح في تحقيق بعض النجاحات التكتيكية المحدودة — على غرار اغتيال قادة بارزين في الحرس الثوري وحزب الله، وتعطيل أجزاء من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وإلحاق أضرار بالغة ببعض المنشآت النووية والاقتصادية — فإن تلك الإنجازات قد لا تحقق الحسم الاستراتيجي المنشود ، إذ تبقى المنشآت النووية الإيرانية المحصنة — خصوصاً في فوردو ونطنز — صامدة إلى حد كبير أمام محاولات الاختراق الجوي، حتى بعدد تدخل الدعم العسكري الأمريكي المباشر .
ويُظهر السجل التاريخي محدودية فعالية القوة الجوية في إحداث تغييرات سياسية جذرية. فعلى مدار أكثر من قرن من الزمن — من الحرب العالمية الأولى وحتى النزاعات المعاصرة — لم تؤدِ حملات القصف الاستراتيجي إلى إثارة انتفاضات شعبية أو إسقاط أنظمة قائمة. بل إن العدوان الخارجي كثيراً ما يُفضي إلى تقوية النزعة القومية وتعزيز صمود الأنظمة الاستبدادية، كما تجلى ذلك في العراق وأفغانستان وغزة.
وعليه، قد تمثل الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الراهنة تجسيداً لما يُعرف بـ”وهم القنبلة الذكية”، حيث يغذي الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الحديثة شعوراً زائفاً بالثقة الاستراتيجية، مع تقليل تقدير صلابة البنى السياسية والاجتماعية للخصم.
إلى جانب التداعيات المادية للحملة العسكرية الجارية، تعرضت مكانة إسرائيل كقوة ردع إقليمية مطلقة لضرر معنوي واضح؛ إذ نجحت الضربات الإيرانية الانتقامية، رغم محدودية دقتها، في تقويض صورة إسرائيل كقوة لا تقهر واحتياجها لتدخل أمريكي مباشر . وفي مواجهة هذا التحول، لجأت إسرائيل إلى إعادة تأطير خطابها الدولي من إطار الدفاع الوطني المباشر إلى خطاب دفاعي أوسع يروّج لدورها كحامٍ للحضارة الغربية والمصالح الأمريكية.
وفي خضم هذا التصعيد المتطور، تتبلور ديناميكيات إقليمية جديدة من شأنها أن تتيح فرصاً استراتيجية لقوى إقليمية وازنة — أبرزها تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر — لإعادة تعريف أدوارها وتأثيراتها ضمن معادلة توازن القوى المستقبلية في المنطقة
إن الأدلة التجريبية المتراكمة قد شككت في فرضية أن القوة الجوية القسرية قلما تحقق الأهداف السياسية المنشودة، لا سيما عند استهداف أنظمة ذات هياكل قيادية صلبة، وأجهزة قمع داخلي فعالة.
وتطرح نظرية الإكراه الجوي جملة من الشروط التي قد تعزز من فعالية القوة الجوية — كدمج استراتيجيات الحرمان الاقتصادي، ومحاولات قطع رأس القيادة السياسية، والضغوط النفسية — لكنها تحذر في المقابل من المبالغة في توقع قدرتها على تحقيق تغيير النظام في غياب تدخل بري أو حراك داخلي معارض.
وفي الحالة الإسرائيلية الإيرانية، تبرز أهمية هذه الإشكالية النظرية بشكل خاص. فرغم أن اعتماد إسرائيل على الذخائر الموجهة بدقة، وشبكات المراقبة المتقدمة، والاستخبارات عالية المستوى، يجسد أحد أكثر التطبيقات تطوراً للعقيدة الجوية الحديثة؛ فإن إيران تظل هدفاً معقداً بسبب تحصين بنيتها التحتية النووية، وتركيبة نظامها المركزي المتماسكة، وثقافتها السياسية المترسخة جراء عقود من التهديدات الخارجية.
إن استمرار إسرائيل في الاعتماد الأحادي على القوة الجوية دون تطوير استراتيجيات سياسية متكاملة أو إقامة تحالفات دولية صلبة قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تفاقم المخاطر الأمنية التي تواجهها. أما إيران، فقد تدفعها الضربات العسكرية إلى تسريع تطوير قدراتها النووية عبر مسارات سرية بعيداً عن أعين المراقبة الدولية، خاصة مع تآكل آليات الرقابة في أعقاب التصعيد العسكري أو استمرار الضرب العشوائي للمدنيين مما يكسب إسرائيل زخم إعلامي غربي رغم كذبه.
أما بالنسبة للقوى الإقليمية الفاعلة — وعلى رأسها تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر — فإن الأوضاع الراهنة تتيح فرصاً لإعادة ضبط أدوارها الاستراتيجية، شريطة انتهاج سياسات متعددة الأبعاد توازن بين المصالح الأمنية والانفتاح الدبلوماسي، ما قد يسهم في احتواء التصعيد وتعزيز استقرار توازن القوى في المنطقة.
وبذلك تشكل هذه الحالة تذكيراً بالغ الأهمية لصناع القرار والباحثين على حد سواء بأن التكنولوجيا العسكرية المتقدمة لا يمكن أن تكون بديلاً عن التفاعل المعقد بين القوة العسكرية والشرعية السياسية والدبلوماسية الإقليمية في إدارة النزاعات الممتدة والمعقدة.
في كل الأحوال فهناك تغير جوهري في الخريطة السياسية في المنطقة لا نستطيع بدقة حساب غموضه.



