
في الأسابيع الأخيرة، اشتعلت النيران في أماكن متعددة بمصر: من سنترال رمسيس إلي ، منشآت خدمية، من مول بزايد الي إلى بؤر عشوائية. تعددت المواقع، وتكرر المشهد… فهل نحن أمام مصادفة مؤسفة؟ أم أن هناك نمطًا يستحق التأمل، وتحركًا يفرضه المنطق؟
قد تميل النظرة السطحية إلى اعتبار الحوادث منفصلة، كلٌّ منها له سببه، وظرفه، وتقديره. ولكن حين تتكرر في فترة قصيرة، وتتوزع على مناطق حيوية، يصعب أن تظل “عشوائية” في وجدان الناس.
لسنا هنا بصدد إثبات أن هناك مؤامرة خفية أو يدًا مدبرة، لكننا لا نستطيع أيضًا إنكار أن هناك خللًا ممنهجًا يتجلى في: ضعف أنظمة الحماية من الحرائق وتهالك البنية التحتية الكهربائية مع التراخي في تطبيق معايير الأمان داخل المنشآت، سواء العامة أو الخاصة.
ان ثقافة مجتمعية لا تزال تستهين بمخاطر “السلك العريان” و”الفيشة المشروخة”.
هل هناك مدلول جغرافي
التوزيع الجغرافي للحرائق لم يكن محصورًا في منطقة بعينها، لكنه يتركز في المراكز الحضرية المكتظة (القاهرة، الإسكندرية، مدن الدلتا) ومرافق قديمة: سنترالات، مدارس، أسواق، مؤسسات خدمية وأماكن ذات طابع رمزي أو مجتمعي: ما قد يثير شكوكًا لا نملك حتى الآن دليلاً يبررها.
وبينما تسود نظرية “الإهمال”، فإن تكرار الحوادث يعطي إحساسًا شعبيًا بالخطر، حتى ولو لم يكن مدبرًا. وهو ما يستوجب ردًا مؤسسيًا ذكيًا ومقنعًا، لا تسطيحًا أو إنكارًا أو اتهامًا لمن يسأل.
ليست القضية في النوايا، بل في الاستعداد. وأخطر ما نواجهه هو أن نُخدَّر بالقول إن “كل شيء تحت السيطرة”، بينما الواقع يقول إن النار قريبة من كل بيت.
علينا أن نتحرك بثلاثية متكاملة:
1. وقائيًا: إطلاق خطة قومية لمراجعة أنظمة الأمان في المنشآت الحيوية، بدءًا من المدارس والمستشفيات وحتى الأسواق والسنترالات.
2. ثقافيًا: نشر الوعي بمخاطر الإهمال والاشتعال الذاتي والتوصيلات العشوائية، وجعل “السلامة” جزءًا من المناهج الدراسية، والإعلام الجماهيري.
3. مؤسسيًا: إعادة هيكلة أجهزة الدفاع المدني والأمن الصناعي، وربطها بالتكنولوجيا الحديثة، من كاميرات ورقابة وإنذار مبكر.
نحتاج إلى أن نتوقف، ونتأمل، ونواجه أنفسنا قبل أن نواجه النيران. فما نحترق به اليوم هو نتيجة صمت طويل على الإهمال، واستهانة بما قد يبدو بسيطًا… حتى يشتعل.
لا نبحث عن شماعة نعلّق عليها القلق، بل عن عقلانية تُنير الظلام، قبل أن يأتي دور اللهب.
حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: الحرائق في مصر عشوائية أم إنذار يستحق التأمل
https://alhorianews.com/opr6


