
طول عمري الناضج، كنت أضع القيم الإنسانية وفلسفة الديمقراطية وحكم المؤسسات وأهمية تباين أدوارها، وحقوق المواطنين وحرية التعبير أمام عقلي وعيناي للدولة المثالية، آخذًا أمريكا مثلًا، لذلك فإنني أحسست أنه تم خيانتي خيانة شخصية بعد ما تنازلت الولايات المتحدة عن كل ما كانت تدعو إليه وصدقتهم سنوات طوال وظهرت لي المعايير الثنائية والتطرف المقيت ضد المختلفين والمهاجرين، ووضع القوانين التي تحمي أولاد سام فوق البشر.
كنت أقول لأصدقائي إنه رغم خيانة الحكومات المتتالية ديمقراطيين وجمهوريين ما زال عندي أمل أن يستعدل الشعب الأمريكي خيانة حكامهم للمبادئ التي صدقناها وصدقناهم فيها.
عاد لي بصيص من الأمل عندما شَهَدت الولايات المتحدة في الشهور الآخيرة مظاهرات ضخمة تحت شعار «No Kings» – أي «لا ملوك» – شارك فيها الملايين من الشباب في مختلف الولايات. (تقول الإحصاءات أنهم أكثر من سبعة ملايين في أكثر من عشرة ولايات). ورغم أن الحدث بدا سياسيًا في مظهره، موجَّهًا ضد الرئيس دونالد ترامب، إلا أن جوهره أعمق من مجرد رفضٍ لشخصٍ أو حزب.
لقد خرج هذا الجيل الأمريكي الجديد ليقول بوضوح: إن الديمقراطية ليست طقسًا انتخابيًا، ولا مسرحًا يتناوب فيه الساسة الأدوار، بل هي روح مستمرة، تتجدد وتُراجع ذاتها، وتتمرد حين تشعر بالخطر.
وربما كانت اللافتة التي رفعها أحد الطلاب في نيويورك أكثر تعبيرًا عن جوهر الحركة حين كتب: «نحن لا نكره الرئيس، نحن نكره فكرة الملك».
تتجاوز حركة «No Kings» الموقف السياسي المباشر لتصبح فلسفة اجتماعية جديدة في الفكر الأمريكي. فهي تمثل تمردًا على فكرة «القائد المنقذ» القائد المسيطر والحكم الفردي، التي سكنت الوعي الجمعي منذ عقود، حيث يتم تعليق الأمل على شخصٍ واحد، بدلاً من بناء منظومة وعي ومؤسسات قادرة على تصحيح أخطائها.
الشباب الأمريكي يرفض تأليه السلطة، وتحويل السياسة إلى عبادة رمزية. إنهم يدافعون عن معنى الدولة باعتبارها عقدًا اجتماعيًا حيًا، لا قفصًا ذهبيًا يُحبس فيه المواطن باسم الوطنية.
ولعل في شعارهم «No Kings» تذكيرٌ بأصل الثورة الأمريكية نفسها، التي قامت ضد الملكية المطلقة، لتُعلن ميلاد فكرة الحرية الفردية. لكن المفارقة أن الأجيال الجديدة ترى أن بلادها، وهي التي حاربت الملك، قد بدأت تصنع «ملوكًا» من نوع آخر: ملوك الإعلام، والمال، والتكنولوجيا، والسياسة الشعبوية.
في قلب هذه الحركة يقف جيلٌ يشعر بأن مستقبله يُسرق منه ببطء.
جيلٌ نشأ في ظل أزمات المناخ، وأعباء الديون، وانقسام المجتمع الأمريكي على ذاته، وشاهد كيف تتحول الديمقراطية أحيانًا إلى مسرح لثنائية المعايير و للغضب والانتقام لا للحكمة والتوازن .
شباب يرى قادة سياسيين يُضعفون المؤسسات لصالح زيادة السلطة ولم تسلم حتى المؤسسات التعليمية التي بنت حضارتهم وتفوقهم.
لكن الغضب هنا ليس تدميريًا؛ بل هو غضبٌ خلاق — كما يسميه الفلاسفة — يسعى إلى تصحيح المسار لا إلى هدم البناء.
إنه تمرين جماعي على الوعي، وإعلانٌ بأن الحرية لا تُورث، بل تُمارَس وتُحافَظ عليها يومًا بعد يوم.
ما يجري في الولايات المتحدة ليس شأنًا أمريكيًا فحسب، بل هو مرآة تعكس أزمة القيادة في العالم الحديث.
لقد صار السؤال الإنساني اليوم: من يحكم من؟
هل الحاكم هو من يُفترض أن يقود وعي الشعوب، أم أن الشعوب أصبحت مطالَبة بحراسة وعيها من انحراف السلطة؟
الجواب الذي يقدمه الشباب الأمريكي — وإن جاء بلغتهم الخاصة — هو أن السيادة للوعي لا للأفراد.
فكما تمرض الأنظمة حين تفتقد النقد، تمرض الشعوب حين تسلّم عقلها لمن يتحدث باسمها، سواء كان ملكًا أو زعيمًا أو منقذًا.
أثر الحركة على العالم
سيذكر المؤرخون يومًا أن «No Kings» لم تكن مجرد مظاهرات، بل لحظة وعي جديدة.
لقد حركت المياه الراكدة في الديمقراطية الأمريكية، وأعادت تعريف علاقة المواطن بالسلطة، كما أنها أطلقت موجة فكرية في أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى في الشرق الأوسط، تُعيد طرح السؤال نفسه:
هل نحن شعوبٌ تبحث عن الحرية فعلاً، أم عن أبٍ جديد نُسلمه مفاتيحها؟
إن حركة «No Kings» تقول لنا — نحن في العالم العربي — إن الديمقراطية ليست استيرادًا مؤسساتيًا من الغرب، بل هي حالة وعي ومسؤولية أخلاقية يعيشها المجتمع تجاه نفسه.
حين يخرج الشباب الأمريكي رافضين فكرة «الملك»، فهم لا يثورون على شخص، أو لقب بل على مفهومٍ متجذر في النفس البشرية: الميل إلى التبعية، والخوف من الحرية الذي يستغله الحاكم هنا وهناك.
نحو وعي عالمي جديد
في النهاية، ما يحدث في شوارع واشنطن ونيويورك وبوسطن وشيكاغو وكاليفورنيا ليس سوى فصل جديد من قصة الإنسان في سعيه الأزلي نحو الكرامة.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الذين يرفعون شعار «لا ملوك» لا يقصدون فقط الرؤساء، بل كل من يتصور أنه فوق المساءلة: في السياسة، أو المال، أو الدين، أو الإعلام.
إنها ثورة ضد التقديس وضد الخضوع، وضد كل ما يطفئ شعلة السؤال في داخل الإنسان.
وإذا كان هذا الجيل الأمريكي قد اختار أن يقول «No Kings»، فربما آن الأوان لكل المجتمعات — شرقية كانت أو غربية — أن تعيد التفكير في نوع الملوك الذين تصنعهم في وجدانها وتسلطهم علي نفسها.
«الحرية لا تُمنح من حاكمٍ من باب كرمه، بل تُصان بوعي أمةٍ يقظة»
من يحكم من؟.. هو السؤال.

