
علي مقهي” الحالمون بالغد”
القيم الإنسانية
بقلم حسام بدراوي
تُعرّف القيم الإنسانيّة على أنّها الفضائل التي تُوجّه الإنسان في تفاعلاته مع نفسه ومع الآخرين وتظهر من خلال مواقفه،بدون أن يدري بها لأنها تندمج في وجدانه وتترتب حسب أهميتها له، وتوجّهه نحو اختياراته ، وتحدد سلوكه.
أنّ هذه القيم التي يمتلكها الفرد لا تكون فطريّة فقط ، بل تكون نتيجة التنشئة الاجتماعيّة التي ينشأ عليها منذ وقت ولادته وتستمر معه طوال حياته.
وتشتمل القيم الإنسانيّة على: الاحترام، والاستماع، والتعاطف، والمودة، والتقدير، ومحبة الآخرين، و من خلال هذه القيم يُصبح المرء قادراً على التّحلّي بالقيم الأخلاقيّة، مثل: العدالة والنزاهة، والتسامح ونبذ العنف ، كما تُحفّز الفرد على التفكير، والتحدّث، والتصرّف بطرق معينة، فهي بمثابة معايير داخلية له، تضع قيوداً على سلوكه..
و تُقسم القيم الإنسانية إلى عدّة فئات، أولها القيم الفردية التي تُعدّ من أكثر القيم الجوهرية للإنسان ، و تعني بحماية الذات والحرية في الاختيار ،. وثانيها هي القيم العائليّة التي تُعتبر العائلة هي الوحدة الأساسية للمجتمع، ويمكن الحفاظ على هذه القيم عن طريق التقاليد، والثقة، والمحبة والاحترام.
ثالث نوع هو القيم المهنيّة التي يَكتسبها الإنسان من خلال ممارسة مهنته ، إذ إنّ لكلّ مهنة قيماً خاصة بها، وهناك القيم الوطنيّة التي تهدف إلى منح المساواة والعدالة لجميع المواطنين، وتمثّل هذه القيم تقاليد، وتاريخ الأمة، وتجارب شعبها منذ نشأتها.
أما القيم الأخلاقيّة فهي التي تُشكّل المسار الصحيح للفرد ليَحظى بالحب والاحترام في المجتمع ، وأخيراً القيم الروحيّة وتشمل الحب، والرحمة، والعدالة، والحقيقة، وتُغرس فطرياً في الإنسان، بغض النظر عن دينه، أو ثقافته، أو جنسيته، فتوحّد جميع البشر في العالم، حيث تتجاوز مشاعر الحب والرحمة جميع حواجز الدين، والعرق، والقوميّات.
إن التعليم والإعلام والثقافة والفن هى أهم أعمدة بناء الوجدان، و الأسرة والمدرسة والمجتمع مسؤولون عما نراه من عنف وتحرش وفساد، إذن علينا ألا ننتقد الشباب بل يجب أن نلوم أنفسنا كجيل مسؤول عن كل ذلك؟
يقضى الطفل والشاب من عمره حوالى ثمانية عشر عاما فى مؤسسات التعليم المسؤولة عنها الدولة، ومن هنا تكمن أهمية وصول رؤية ورسالة قادة المجتمع الخاصة بحقوق المواطنة والانتماء إلى مصر والفخر والاعتزاز بها، واحترام المرأة وحقوقها بشكل تراكمى مباشر وغير مباشر لأطفالنا وشبابنا. ولا يوجد مكان يتجمع فيه كل المواطنين لمدة 14 سنة فى المدرسة و4 سنوات فى الجامعة فى إطار له جدران، محدد الزمان والمكان مثل المؤسسات التعليمية.
وعلينا أن نعترف أنه إذا تخرج الشاب أحادى الفكر، متعصب، وغير قابل للتعددية، عنيف أو متطرف ومتحرش من هذه المؤسسات التعليمية، فلابد أننا نفعل شيئا خطأ.
قالت لي شابة من الحالمات : مع كل احترام، أنا أشك أن لدى الأجيال المسؤولة رؤية متفقا عليها واستراتيچية تراكمية وأعتقد وزملاء لى، أن سبب التحدى الذى يواجهه الشباب هو التباس أفكار جيل الآباء. نحن بكل اخطائنا نتاج عدم وضوح رؤيتكم وتخبط أفكاركم.
أضاف زميلها: أنتم جيل مع من سبقوكم التبست عندكم المفاهيم سياسيا واجتماعيا وثقافيا. هل نحن دولة مدنية حديثة كما يقول بعضكم وكما نؤمن نحن، أم دولة دينية سلفية.. الأمور أمامنا مختلطة. هل يحترم المجتمع حرية الرأى ويحترم المرأة ومؤمن بالتعددية وعنده التسامح الذى يقبل المختلف عنه؟. أشك أن جيلكم مستقر على توجهاته، أنتم فى صراع حول مفاهيم منذ بدء القرن العشرين وتلوموننا على ما حدث فى وجداننا.
قلت: حتى لا ندخل فى جدل بدلا من الحوار، فأنا أوافقكم ولكنى أبحث عن الحلول.
قالت الشابة : نعود للتعليم..
قلت :إن تحدى التعليم مسألة عابرة للحدود، فلا يوجد شىء اسمه تعليم مصرى أو أجنبى أو ديني، فالتعليم وسيلة للبحث عن المعرفة والمهارة وليس هدفا في حد ذاته وستتجدد الوسائل بتطور البشرية .
عمق الأزمة وجمال الفرصة فى هذا العصر أن التكنولوچيا والذكاء الاصطناعي أصبحا فرضا رئيسيا فى الحياة، ووسائل تتغير تغيرات شاملة ، فقد أصبحت المعرفة متاحة للجميع وبدون تكلفة، فتغير دور التعليم من مجرد نقل المعرفة لأذهان الطلاب إلى معايشة الطلاب فى المدرسة والجامعة بما يعنى أن القضية أصبحت رقمية التعليم وأنسنته وليست منهجا يتغير وإنما نموذج للمعايشة داخل إطار مؤسسة التعليم فى إطار رقمى وإنسانى فى نفس الوقت.
إننى أعى أنه من الممكن أن ننجح فى تطوير التعليم ونستخدم وسائل التطور بشكل فائق، لكننا قد نخرج أيضا بقصد أو بدون قصد، المبتكر والعالم والمبدع والعبقرى ولكنه فى نفس الوقت، المتطرف فى الفكر والعنيف والمتحرش. فالمسألة ليست فى إدخال منهج جديده او إصدار التعليمات بمنع التحرش واحترام المختلف، ولكنها طريقة حياة داخل المؤسسة التعليمية التى يخرج منها هذا الشاب/ الشابة قادرا على التمييز بين الحق والباطل وأن يعيش فى إطار يحترم حقوق الاخرين من غير منهجية العنف الزائد الموجود فى المجتمعات الحديثة. إن صنع الوجدان يتم فى مؤسسات التعليم، فى الاسرة، من الإعلام، فى مناخ الثقافة العامة والفنون. وتتداخل فى التعليم أمور جديدة مثل اللعب والالكترونيات واستخدام الانترنت والوصول للمعارف غير المحدودة واليوتيوب وغيرها.
كل هذه التكنولوجيا متاحة للأطفال والشباب بدون أى تحكم من جانبنا ومن يحاول الوقوف أمام استخدامها فمصير جهوده الفشل.
هل هذه محنة أم فرصة..!
إذا تعلمنا كيفية استخدام أدوات العصر لخلق الوجدان الذى يسمح بالتسامح وقبول التعددية وقبول الاخر واحترامه والسلام مع النفس ومع الآخرين أصبحت لدينا فرصة للقفز فوق تحديات بنيت عبر السنين. وإذا انتظرنا أن يأتى الحل بالدعاء والتمنى والتعليم في الكتاتيب فإن المجتمع سينزلق أكثر ويغرق فى تناقضات فرضت على جيلنا ومن سبقونا نتيجة الجهل، بين الحداثة والسلفية وبين التنوير والجاهلية وبين العلم والمعرفة وخرافات الماضى ومعتقدات خلقت فى وجدان الناس فى وقت كانت فيه المعرفه قليلة ومنهجية العلم غائبه.


