بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الموقع

د. حسام بدراوي يكتب لـ«الموقع» .. مسرح اللا معني

في كل مرة أدخل فيها فندقًا أو مطارًا أو حتى أُوقَف على بوابة طريق سريع، في مصرنا الحبيبة ، أتساءل: كم من وقتنا يُهدر في إجراءات نعلم جميعًا – نحن ومن يطبقونها – أنها شكلية؟

تفتيش سطحي، أسئلة محفوظة، أجهزة بآلاف الجنيهات ، وحواجز لا تمنع خطرًا حقيقيًا، بل تعطل المرور وتكدّر الروح.

ندخل الفنادق، والمولات، فتُمرر الحقائب على أجهزة فحص ، يُفتَّش بعضها من باب رفع العتب، ويقف الحارس بنظرة جامدة، يكرر تعليمات يعرف أنها لا تُنفَّذ بحزم، ولا تُثمر أمنًا.

ندخل المطارات، فتُخلع الأحذية، مرّة ومرّه أخري لا، بلا معيار واحد ، وتُفتَّش الحقائب مرارًا عند دخول المطار ومرة اخري عند دخول الطائرة وهو اجراء لا يتم إلا في مصر

نُوقف عند كمائن الطرق، أو في نقاط تفتيش، لينظر أمين الشرطة في الركاب وأحياناً اخري بفتح شنطة السيارة ، ثم يلوّح لنا بالعبور.

يختم الضابط لك جواز السفر عند مغادرة البلاد ، وبعد خطوات يعيد فتحه عسكري للتأكد من الختم!!!

تنتظر حقائبك في المطار عند الوصول وتقف في صف طويل امام موظف الجمارك سواء انت في الأخضر او الأحمر لينظر الي الجواز ويسألك ” انت جاي منين”؟ معاك حاجة تتجمرك؟.

ويتم عشوائياً تفتيش البعض والبعض لا !

تخرج من الاجراءات العقيمة لتصعد الي صالة السفر لتغادر لأن السيارات غير مسموح لها بالدخول في انتظار الوصول.

ان لم تكن حريف مطار القاهرة فلا خروج من المطار لأن اللافتات غير واضحة وأماكنها غير مناسبه.

هذه ليست إجراءات أمنية حقيقية، بل طقوس إدارية روتينية، تؤديها الأنظمة كما يؤدي الممثل دورًا في مسرحية يعرف الجمهور نهايتها.

نعلم أن الخطر الحقيقي لا يمر من البوابات، وأن من ينوي شرًا لا يحتاج أن يحمل سلاحًا ظاهرًا في حقيبة مفتوحة. ونعلم أيضًا أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالكاميرات وحدها، بل بالكفاءة ،و بالوعي.

المشكلة ليست فقط في تعطيل الناس، بل في ما هو أعمق: حين تتحول القواعد إلى شكليات خاوية، تضعف هيبة القانون، ويتسرب الشعور بأن كل شيء يمكن التحايل عليه.

فنحن – كمجتمع – لا نحترم ما لا نؤمن بجدواه.

وإذا فقد الإجراء معناه، تحوّل إلى عبء… وإلى سخرية.

ولسنا ضد التنظيم أو التفتيش أو الإجراءات، بل نحن بحاجة لها، بشرط أن تكون:

• فعالة لا استعراضية
• ذكية لا متكررة بشكل عبثي
• عادلة لا انتقائية
وما القيمة في سؤال مكرر في كل مطار: “هل حزمتَ حقيبتك بنفسك؟” بينما يعلم السائل والمسؤول أن الإجابة جاهزة سلفًا؟

إن الزمن أثمن ما نملك وإهداره بإجراءات شكلية لا تردّ خطرًا ولا تمنح أمانًا، هو نوع من العشوائية المقنّعة بقشرة النظام.

ما قيمة الورقة التي نملأها في الطائرات عند الوصول اليً القاهرة في عالم اصبح التعريف الكترونيًا ببصمة اليد والوجه وكأن مصر خارج الحاضر والمستقبل. ( شكرا للرب فقد صدر الأمر بايقاف ذلك منذ ايام)

كلما وقفت أمام جهاز تفتيش لا يعمل، أو خضعت لإجراء لا يضيف شيئًا، شعرت أنني مشارك في مسرحية عبثية، كتلك التي كتبها صامويل بيكيت أو يوجين يونسكو.

شخصيات تؤدي دورًا لا تعرف لماذا، حوارات مكررة، مشاهد لا تتغير، وكمائن معروفة المكان.

إنه مسرح اللا معنى، حيث الشكل هو كل ما تبقى حين يغيب المعنى.

لكن الفرق المؤلم هو أن المسرح الحقيقي يُشاهد للمتعة أو التأمل، أما نحن فنُجبر على عيش هذا “العرض” يوميًا، ونسميه “نظامًا”.

نحتاج إلى مراجعة جريئة لهذه المنظومة: أن يُعاد تعريف “الإجراء” من كونه طقسًا روتينيًا إلى كونه أداة فعّالة للسلامة والجودة والاحترام.

وأن نُدرك أن هيبة الدولة لا تُبنى بكثرة الحواجز، بل بكفاءة الأداء، وصدق الغرض، ووعي المواطن.

ان ما اقوله هنا عن الشكليات التي لا تخدم هدف حقيقي هو رمزيات عن واقع نظرة الحكومة للمواطن والمواطن لادارة الدولة والثقة وعدم الثقة في آن واحد.

كل مرة ادخل جاردن سيتي في منطقة سفارة أمريكا وإنجلترا اتعجب من الترسانة الأمنية التي تضايق السكان وتضيف الي حياتهم جحيما يزداد سنة بعد سنة .

لا الصوت العالي يقنع أمام المنطق الهادئ ولا الاجراءات الشكلية تخدم الهدف. علم النفس الاجتماعي يوضح أن رفع الصوت في الحوار لا يدل على قوة الحجة، بل أحيانًا على ضعفها..كذلك المظاهر الشكلية والعوائق الإدارية لا تخلق أمانا بل هي مثل الصراخ في الحوار الذي يصبح واقعاً بلا جدوي.

قد تبدو هذه الإجراءات الشكلية مجرد تفاصيل إدارية، لكنها في جوهرها تعبير عن صراع قديم بين الشكل والمضمون، بين القالب والمعنى.

فكما في الفن، لا يكفي أن ترسم لوحة جميلة إن لم تحمل فكرة.

وكما في الدين، لا يكفي أداء الطقوس إن غاب عنها الإخلاص.

كذلك في إدارة المجتمع، لا تكفي الإجراءات إن لم تكن نابعة من فهم حقيقي للغرض منها.

الفيلسوف الألماني “هيجل” ميّز بين “المظهر” و”الجوهر”، واعتبر أن المجتمعات تتقدم حين يتطابق الشكل مع المضمون، وحين تكون الإجراءات انعكاسًا لحقيقة داخلية، لا مجرد غلاف خاوي.

أما حين ينفصل الشكل عن المعنى، تصبح الحياة مسرحية، والناس ممثلين مرغمين على أداء أدوار لا يؤمنون بها

كان حماي ، حسن أبو باشا، وكان وزير داخلية سياسي مثقف وخبير أمني مشهود له بالعلم والكفاءة يقول لي: “كلما رأيت سيارات الشرطة والأمن أمامك بكثافة وفي كل شارع تعرف أن الأمن غير مستقر وكلما ازدادت إجراءاته أمام أعين المواطن فهو دليل ضعف وليس قوة.”

هل نريد أن نظل أسرى طقوس خاوية؟ هل نرضى أن يكون الأمن واجهة لا مضمونًا، وأن يكون النظام ديكورًا لا ثقافة؟

ربما آن الأوان أن نُعيد تعريف “النظام” لا بوصفه كثرة العوائق ،والإجراءات بل قدرتها على تحقيق غاية إنسانية نبيلة: احترام الإنسان، وحماية وقته، وصون كرامته، دون أن نجعل من الإجراءات تماثيل صمّاء نُصلّي لها، وننسى لماذا صُنعت.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى