المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”المصري اليوم” … من خريفٍ طويل‎… ‎إلى ربيعٍ منتظر

من خريفٍ طويل‎… ‎إلى ربيعٍ منتظر
بقلم حسام بدراوي
ليست الأمم مجرد خرائط تُرسم على الورق، ولا حدود تُحرس بالسلاح، ولا أرقام تُعلنها ‏الحكومات في بياناتها.‏‎
الأمم في جوهرها ،حالات وعي.‏‎
وحين تمرض الأمة، لا يظهر مرضها أولاً في اقتصادها أو سياستها، بل في علاقتها بنفسها، ‏وبالزمن، وبالمعنى الذي تعيش من أجله.‏
ومصر ‏‎— ‎تلك الأرض التي علّمت الإنسان القديم كيف يواجه الموت بالحضارة، وكيف ‏يحوّل الحجر إلى معنى، والزمن إلى خلود ‏‎— ‎تبدو اليوم وكأنها تعيش مفارقة قاسية:‏‎
تاريخٌ عظيم تعرفه، وحاضرٌ مُربك تحياه، ومستقبلٌ تخشاه أكثر مما تنتظره.‏
وبين هذه الأزمنة الثلاثة، يقف الإنسان المصري متعبًا‎… ‎كأن الزمن داخله لم يعد يسير في ‏اتجاه واحد.‏
إنه خريفٌ طويل.‏‎
لكن الخريف في قوانين الطبيعة ليس موتًا.‏‎
بل لحظة انسحاب الحياة إلى الجذور استعدادًا لربيعٍ جديد.‏
وربما كانت أزمة مصر الحقيقية ليست أنها فقدت قدرتها على النهوض، بل أنها نسيت لبعض ‏الوقت ، أين تكمن هذه القدرة.‏
أولاً‎: ‎الخريف الداخلي
ليست أزمة مصر في شُحّ مواردها.‏‎
فالنيل لا يزال يجري، والشمس لا تزال تُشرق، والأرض لا تزال قادرة على العطاء، ‏والشباب لا يزال يتجدد مع كل جيل.‏
لكن الأمم لا تسقط فقط حين تفقد مواردها‎… ‎بل حين يفقد إنسانها المعنى.‏
حين يفقد الإنسان معنى ما يفعله، لا يتوقف عن الحركة، بل تصبح حركته بلا اتجاه.‏‎
يعمل دون أن يعرف لماذا يعمل، ويسعى دون أن يعرف إلى أين يسعى، ويستهلك أيامه في ‏معركة بقاء طويلة، حتى ينسى السؤال الأهم:‏‎
إلى أين تمضي حياته كلها؟
وهكذا تبدأ الأوراق في التساقط‎…
لا لأن الريح أقوى من الشجرة، بل لأن الشجرة نفسها نسيت ولو مؤقتًا أنها شجرة.‏
الإنسان المصري اليوم يحمل داخله تناقضًا مؤلمًا:‏‎
يفخر بماضٍ لم يصنعه، ويُرهقه حاضرٌ لا يستطيع تغييره، ويخاف مستقبلًا لا يملك أدواته ‏بعد.‏
وحين تنفصل الأزمنة الثلاثة داخل وعي الإنسان، يبدأ الخريف الداخلي.‏
الخريف ليس فقراً فقط، ولا فسادًا فقط، ولا بيروقراطيةً فقط.‏‎
هذه أعراض قد تُصيب أي مجتمع.‏‎
أما الجرح الأعمق، فهو أن الإنسان يفقد علاقته الحقيقية بذاته.‏
حين ينسى الإنسان أن يسأل:‏‎
لماذا أعمل؟‎
لماذا أتعلم؟‎
لماذا أعيش؟‎
وماذا أترك بعدي؟
في تلك اللحظة يتحول المجتمع كله إلى حركة ضخمة بلا بوصلة.‏
يسير الناس لأن الجميع يسيرون.‏‎
يصمتون لأن الصمت أكثر أمانًا.‏‎
ويتكيفون لأن التكيف أقل كلفة من التغيير.‏
وهكذا تتراكم الأجيال فوق بعضها، لا وهي تبني المستقبل، بل وهي ترث الإرهاق نفسه، ‏والخوف نفسه، والأسئلة المؤجلة نفسها.‏
ثانياً‎: ‎الإنسان المصري والزمن
ربما كانت العلاقة المربكة بين المصري والزمن واحدة من أعمق أزمات الوعي في مصر ‏الحديثة.‏
فالمصري يعيش داخل ظلّ تاريخ هائل.‏‎
تاريخ لا يُنسى، لكنه أحيانًا يتحول ‏
‏ دون أن نشعر من مصدر إلهام إلى عبء نفسي.‏
لقد اعتاد المصري أن يسمع أنه ابن حضارة عظيمة.‏‎
ابن الأهرام، والنيل، وأقدم دولة عرفها التاريخ.‏‎
لكنه نادرًا ما يتوقف ليسأل نفسه السؤال الأصعب:‏‎
وكيف أكون عظيمًا أنا‎… ‎الآن؟
وهنا يبدأ التحدي.‏
حين يتحول الماضي إلى مكانٍ نسكن فيه بدل أن يكون طاقة ندفع بها المستقبل، يصبح التاريخ ‏مخدرًا لا قوة دفع.‏
المجتمعات الحية لا تعيش داخل أمجادها القديمة، بل تستخدمها كجذور تنمو منها فروع ‏جديدة.‏‎
أما المجتمعات التي تتوقف طويلًا أمام المرآة القديمة، فإنها تفقد تدريجيًا قدرتها على رؤية ‏الطريق.‏
والمصري في عمقه النفسي يعيش انقسامًا زمنيًا حادًا:‏‎
ينتمي وجدانيًا إلى ماضٍ يراه أعظم من حاضره، ويعيش يومه كمعركة استنزاف، وينظر إلى ‏المستقبل بقلقٍ أكثر من الحلم.‏
وهكذا يصبح الزمن نفسه عبئًا على الروح.‏
لكن الحقيقة الأهم هي أن الزمن لا يُصلح الأمم وحده.‏‎
فالوقت لا يبني شيئًا ما لم يتحول إلى وعي، والسنوات لا تصنع نهضة إذا ظل الإنسان يدور ‏داخل الدائرة نفسها.‏
ولهذا لم تكن المشكلة يومًا في مرور الزمن على مصر، بل في الطريقة التي عاش بها ‏الإنسان المصري هذا الزمن:‏‎
هل عاشه كصانع للتاريخ؟‎
أم كمتفرج عليه؟
ثالثاً‎: ‎الجرح العميق
يقول العلم الحديث إن الإنسان لا يرث الجينات فقط، بل يرث أيضًا طريقة تشغيلها.‏‎
البيئة، والخبرات، والخوف، والأمل، والمعنى الذي يعيشه الإنسان ‏
، كلها تؤثر في الطريقة التي يعمل بها ما وُلد به.‏
بمعنى آخر:‏‎
الإنسان ليس سجين تكوينه بالكامل.‏‎
إنه شريك ، في تشكيل ذاته.‏
وما يصح على الفرد، يصح على الأمم.‏
فمصر لا تعاني من نقصٍ في الإمكانات بقدر ما تعاني من نمطٍ متوارث في الوعي؛ نمط يرى ‏الماضي مجدًا مكتملًا، والحاضر عبئًا ثقيلًا، والمستقبل قدرًا غامضًا لا مشروعًا يمكن ‏صناعته.‏
لكن الوعي ،بخلاف الجينات ، قابل للتغيير.‏
وهنا تبدأ الحرية الحقيقية.‏
فالحرية ليست مجرد قدرة الإنسان على الكلام، بل قدرته على التفكير دون خوف، وعلى ‏السؤال دون ارتباك، وعلى الاختيار دون وصاية.‏
الإنسان الذي لم يتعلم أن يسأل، لا يستطيع أن يختار.‏‎
والإنسان الذي لا يختار، لا يبني.‏‎
لأنه يعيش دائمًا داخل حياة صممها له الآخرون.‏
ولهذا كان الجرح الأعمق في مصر ليس فقط غياب الحرية الخارجية، بل تآكل الحرية ‏الداخلية:‏‎
حرية أن يفكر الإنسان بنفسه،أن يحلم بصوته الخاص، أن يختلف دون خوف، وأن يرى نفسه ‏فردًا مسؤولًا لا مجرد تابع داخل جماعة كبيرة.‏
لكن الخريف ، مهما طال ،يحمل داخله بذور الربيع.‏
الأمل والحلم :‏
الأمل ليس وهمًا يلجأ إليه الضعيف، بل هو الفعل الأول الذي يبدأ به الأقوياء كل نهضة.‏
ومصر ‏‎— ‎في عمقها الذي لا تراه الأرقام ‏‎— ‎لا تزال تحمل داخلها كل مقومات الربيع: شبابٌ ‏يسأل ولا يقبل الإجابات الجاهزة، ونساءٌ يحملن الأعباء وأكثر، وعقولٌ تُفكر خارج الحدود ‏وتصنع في صمت ما لا يُرى بعد في الضوضاء.‏
النهضة لا تأتي دفعةً واحدة كزلزال مفاجئ، بل تأتي كالفجر: تدريجية، خافتة في بدايتها، حتى ‏إذا اكتملت لم يتذكر أحد بالضبط متى بدأت. وعلامة الربيع القادم ليست في خطاب سياسي، ‏ولا في رقم اقتصادي، بل في تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان المصري ‏‎— ‎في بيته، في ‏فصله الدراسي، في عمله، في شارعه الصغير ‏‎— ‎أن يتصرف كأن ما يفعله يهم.‏
لأنه فعلاً يهم.‏

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى