
لم نكن ملائكةً في زمن الصحافة الورقية، ولم تكن الجرائد تخلو من أخبار الجريمة أو الفضائح أو الإثارة.
لكن الفارق الجوهري أن هذه الأخبار كانت تعيش في الهامش، لا في القلب.
كانت صفحة الحوادث صفحةً عابرة، يمرّ عليها البعض ثم يعود إلى السياسة، أو الثقافة، أو الاقتصاد، أو مقالات الرأي التي يكتبها من نحترم عقولهم وتجاربهم.
كان القارئ يختار.
أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بالكامل.
لم تعد المنصات الرقمية تكتفي بعرض الأخبار، بل أصبحت تُدير انتباه الإنسان نفسه، وتعيد تشكيل ذوقه ووعيه ومزاجه اليومي.
الخوارزمية لا تكافئ القيمة، بل تكافئ الإثارة.
وكلما كان الخبر أكثر صدمة، أو أكثر تفاهة، أو أكثر إثارة للغرائز والانفعال، كان انتشاره أسرع.
هكذا تحوّلت الحوادث الفردية إلى مسرح جماهيري دائم، وأصبح التافهون “نجومًا”، وأصبحت النميمة مادة إعلامية، وأصبح القارئ محاصرًا بأخبار لا تضيف إلى عقله شيئًا، لكنها تستنزف أعصابه وطمأنينته.
نستيقظ على جريمة، وننام على فضيحة، وبينهما عشرات المقاطع عن صراخ المشاهير، وخلافات المؤثرين، وتفاصيل حياة لا قيمة لها.
ومع التكرار، يحدث ما هو أخطر من التسلية الرديئة:
يحدث تآكل الحسّ العام.
فالإنسان الذي يتغذى يوميًا على التفاهة، يفقد تدريجيًا قدرته على التركيز في القضايا الكبرى.
والعقل الذي يعتاد الإثارة السريعة، يصبح عاجزًا عن التأمل العميق.
بل إن كثافة الأخبار السلبية تولّد شعورًا دائمًا بالقلق والكآبة وفقدان المعنى، حتى لو لم يشعر الإنسان بذلك مباشرة.
لقد أصبحنا نعيش في اقتصاد الانتباه، حيث تُباع أعصاب البشر بالدقيقة والثانية.
والمشكلة أن بعض المؤسسات الإعلامية المحترمة بدأت — تحت ضغط المنافسة — تنحدر إلى نفس المستنقع، فتخلّت عن دورها التنويري لصالح “الترند”.
لكن هل الحل أن نهرب من العالم؟
بالطبع لا.
الحل أن تستعيد الصحافة دورها الحقيقي:
أن تُنقذ وعي القارئ، لا أن تستثمر في انهياره.
على منصات الأخبار أن تدرك أن مسؤوليتها ليست فقط نقل ما يحدث، بل أيضًا ترتيب أهمية ما يحدث.
فليس كل ما يجذب الانتباه يستحق أن يحتل الصدارة.
وليست وظيفة الإعلام أن يحوّل المجتمع إلى جمهور دائم التلصص على التفاهات.
وفي المقابل، على القارئ نفسه مسؤولية أخلاقية وثقافية.
فالعقل مثل الجسد؛ ما تستهلكه يوميًا يصنعك مع الوقت.
ومن يفتح يومه كل صباح على الضجيج والتفاهة والعدوانية، لا يمكن أن ينتظر سلامًا داخليًا أو عمقًا فكريًا.
علينا أن نتعلّم من جديد فنّ الانتقاء.
أن نختار ما نقرأ، ومن نتابع، وما الذي يستحق وقتنا وانفعالنا.
أن نعود إلى المقال الجاد، والفكرة العميقة، والكتاب، والحوار الحقيقي، بدل الاستهلاك العصبي المتواصل للمحتوى السطحي.
فالحرية الحقيقية اليوم لم تعد فقط حرية التعبير…
بل حرية الانتباه.
ومن لا يحمي انتباهه، يفقد وعيه بالتدريج.





