
الغباء البشري وخطورته وتاريخه
قراءة في كتابين عن القوانين الأساسية للغباء البشري
لكارلو تشيبولا
و
والتر بيتكين
بقلم حسام بدراوي
هناك كتب كبيرة في حجمها، وهناك كتب صغيرة تترك وراءها أسئلة كبيرة. ومن النوع الثاني كتاب «القوانين الأساسية للغباء البشري»
للمؤرخ الاقتصادي الإيطالي كارلو م. تشيبولا.
“وتاريخ الغباء البشري” للكاتب والتر بيتكين
الكتاب الأول يحمل عنوانًا قد يدعونا إلى الابتسام، لكنه يفتح بابًا للتأمل في أسباب خسائرنا، وفي المسافة بين امتلاك المعرفة وحسن استخدامها. وما يستوقفني فيه على نحو خاص هو خطورة سوء التقدير حين يمتلك صاحبه سلطة تمس مصائر الآخرين ، ثم يغلق أبواب المراجعة والتصحيح لغبائه.
ولد كارلو م. تشيبولا عام 1922، وتوفي عام 2000. كان مؤرخًا اقتصاديًا وأستاذًا بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وحصل على جائزة بالزان في التاريخ الاقتصادي عام 1995. وفي هذا الكتاب استخدم لغة ساخرة ونموذجًا للمكاسب والخسائر ليطرح سؤالًا عن أثر الإنسان في نفسه وفي الآخرين.
وهذا المدخل هو ما لفت انتباهي: أن نحاول فهم السلوك من خلال ما ينتج عنه. فقد يبدو القرار محترمًا في لغته، مقنعًا في عرضه، صادرًا عن شخص ذي مكانة، ثم تكون حصيلته إهدار الوقت والمال والثقة.
الحكمة تقول إن أناقة التفسير لا تضمن سلامة الفعل.
الكتاب ومن يكسب ومن يخسر
يقوم كتاب «القوانين الأساسية للغباء البشري» — The Basic Laws of Human Stupidity — على خمسة قوانين يصوغها تشيبولا بروح ساخرة:
١. نحن نقلل دائمًا من عدد الأغبياء بيننا.
٢. احتمال الغباء لا يرتبط بصفات الشخص الأخرى.
٣. الغبي يضر الآخرين دون منفعة لنفسه، وقد يخسر معهم.
٤. الناس يستهينون بقدرته على الإضرار.
٥. لذلك يراه الكاتب أخطر أنماط البشر.
ويشرح فكرته بأربعة أنماط: شخص يكسب ويحقق مكسبًا لغيره؛ وآخر يكسب على حساب الآخرين؛ وثالث يخسر بينما ينتفع غيره؛ ورابع يضر الآخرين دون أن يكسب. ويسمي هذه الأنماط: الذكي، واللص أو المستغل، والعاجز أو المغلوب على أمره، والغبي.
وتتسع المكاسب والخسائر في نموذجه لتشمل الآثار النفسية والعاطفية، إلى جانب المنافع المادية.
الفكرة بسيطة، لكن أثرها مزعج. فقد نستطيع تفسير سلوك المستغل: إنه يريد منفعة لنفسه ولو دفع غيره الثمن. أما من يفسد مصالح الآخرين ومصلحته معهم، فيتركنا أمام سلوك يصعب فهم منطقه.
احيانا الغبي يري مصلحة لحظية ولا يتفهم اضرارا مستقبلية.
من وجهة نظري لا يكفي أن تسوء النتيجة لنتهم الفاعل بالغباء.
بل أتحفظ أولًا على مساواة النتيجة السيئة بالغباء. قد يتخذ الإنسان قرارًا معقولًا وفق المعلومات المتاحة، ثم تأتي النتائج مخالفة لتوقعاته. وقد يخاطر من أجل هدف يستحق، فيخسر. وقد يضحي بمصلحة شخصية لتحقيق منفعة لأسرته أو مجتمعه. هذه أفعال لا يمكن الحكم عليها بحساب سريع للربح والخسارة.
علينا أن نسأل: ماذا كان يعرف صاحب القرار وقت اتخاذه؟ وما البدائل التي كانت متاحة له؟ وهل أدرك المخاطر؟ وهل راجع موقفه عندما ظهرت معلومات جديدة؟
فالخطأ احتمال ملازم للحياة. وما يثير قلقي أكثر هو أن يتحول الخطأ إلى إصرار، وأن تصبح حماية صورة صاحبه أهم من إصلاح نتائجه. قد نخطئ لأننا لم نعرف، ثم نستمر لأننا لا نريد الاعتراف. وهنا يصبح الخلل أعمق من نقص المعلومات.
أتفق مع تشيبولا في أن المكانة العلمية أو الاجتماعية لا ينبغي أن تمنعنا من تقييم السلوك. قد يكون الإنسان متفوقًا في تخصصه، ثم يظن أن هذا التفوق يؤهله للحكم في كل شأن.
لكنني أختلف مع نزعة الكاتب إلى اعتبار الغباء صفة فطرية ثابتة، وإلى تعميم استقلاله عن التعليم. هذه أطروحات يعرضها ضمن منطقه الساخر، ولا أتعامل معها بوصفها قوانين علمية مثبتة.
فالتعليم الذي يدرب الإنسان على السؤال ومراجعة الأدلة وتقدير العواقب يمكن أن يمنحه أدوات أفضل للحكم. أما التعليم الذي يكتفي بالحفظ واستعادة الإجابة المتوقعة، فقد ينتج معرفة واسعة دون قدرة مماثلة على استخدامها.
وأرى أن أحد اختبارات العقل هو موقف صاحبه من الدليل الذي يخالفه. هل يفحصه، أم يبدأ فورًا في البحث عن وسيلة لإبعاده؟ ليس من الضروري أن أعرف كل شيء. الضروري أن أعرف متى أحتاج إلى التعلم، ومتى ينبغي أن أستمع.
حين يصبح غباء صانع القرار خطرًا على الأمم
ما يستوقفني في تعريف تشيبولا للغباء هو أثره حين ينتقل من العلاقات الفردية إلى صناعة القرار في الأمم. فإذا كان الغباء، وفق تعريفه، سلوكًا يُلحق الضرر بالآخرين دون أن يحقق لصاحبه منفعة، وقد يضر صاحبه أيضًا، فإن خطورته تتسع بقدر اتساع السلطة التي يملكها الإنسان.
قد يبدد الفرد ماله، أو يفسد علاقة، أو يعطل عملًا محدودًا. أما صانع القرار فقد يبدد موارد أمة، ويضعف مؤسساتها، ويغلق أمام أجيال كاملة فرصًا كان يمكن أن تتاح لها. هنا يتحمل ملايين البشر نتائج حكم لم يشاركوا في تكوينه، وقد تستمر هذه النتائج بعد رحيل صاحبه.
وفي الدول العظمي قد يؤدي تصرف صاحب القرار الغبي الي سقوط هيبة الأمة ويمحي أثرها الإيجابي في جمع البشرية حول الحقوق الإنسانية وضياع قيادتها التي ترسخت عبر ستة عقود متتاليه كحالة الولايات المتحدة هذا الزمن .
ولهذا أرى أن تقييم عقلانية القرار العام يجب أن يبدأ بثلاثة أسئلة: ما المنفعة المتوقعة؟ ومن يتحمل التكلفة؟ وكيف سنعرف أن القرار يحتاج إلى تعديل؟
حين تخسر الأمة ويخسر صاحب القرار معها
لنتصور قرارًا يستنزف الموارد في مشروعات لا تتناسب مع احتياجات الناس أو قدرة الاقتصاد، رغم وجود بدائل أكثر نفعًا. فإذا أضعف القرار الخدمات، وزاد الأعباء، ثم أضعف في الوقت نفسه ثقة المواطنين في صانعه وقدرته على تحقيق أهدافه، اقتربنا من تعريف تشيبولا: ضرر للآخرين دون مكسب لصاحب الفعل، وربما مع خسارة له أيضًا.
وقد يتخذ صانع القرار إجراءً بقصد حماية الاستقرار، لكنه يغلق به قنوات التعبير، فيحرم نفسه من معرفة ما يجري في المجتمع. تتراكم المشكلات دون أن تصله إشاراتها، ويصبح علاجها أصعب وأكثر تكلفة. عندئذ يكون قد أضعف بقراره الاستقرار الذي أراد حمايته.
لكن علينا أن نتأنى في الحكم. فالمنفعة قد تكون خفية، أو قصيرة الأجل، أو محصورة في دائرة ضيقة. وما يبدو خسارة للجميع قد يحقق مكسبًا لشخص أو جماعة. وهنا يصبح التمييز بين الغباء والاستغلال ضروريًا.
الفساد والغباء ومساران قد يلتقيان
وفق تصنيف تشيبولا، من يكسب على حساب الآخرين أقرب إلى نمط المستغل. أما من يضر الآخرين دون أن يكسب، فهو أقرب إلى نمط الغبي.
وفي إدارة الأمم قد يتداخل النمطان. فقد يحقق صاحب القرار منفعة شخصية عاجلة، لكنه يضعف المؤسسة التي تحميه، أو الاقتصاد الذي يمول سلطته، أو الثقة التي يستند إليها حكمه. يكسب اليوم، ويهدم شروط بقائه غدًا.
لهذا ينبغي أن نحدد الزمن الذي نقيس فيه النتائج. فقرار يبدو نافعًا لصاحبه خلال أشهر قد يتحول خلال سنوات إلى مصدر خسارة له وللمجتمع.
ومع ذلك، لا أستنتج أن الغباء أخطر من الفساد في كل ظرف. فالفساد المنظم قد يكون بالغ التدمير. ما أراه هو أن حسن النية وحده لا يمنح المجتمع حماية كافية؛ إذ يستطيع مسؤول مخلص لأهدافه أن يسبب ضررًا واسعًا إذا أخطأ فهم الواقع، ثم رفض مراجعة نفسه.
الأمم تحتاج إلى نزاهة من يديرها، وإلى كفاءته، وإلى نظام يستطيع تصحيح أخطائه.
الخطأ الذي يتحول إلى سياسة
لا أعد كل قرار فاشل دليلًا على غباء صانعه. فالحكم يجري وسط معلومات ناقصة ومصالح متعارضة وظروف متغيرة. وقد يكون الاختيار معقولًا وقت اتخاذه، ثم تأتي النتائج على غير المتوقع.
لكن الفارق يظهر بعد ذلك: ماذا يفعل صاحب القرار حين تكشف الوقائع قصوره؟ إذا راجع الفرضيات وعدّل المسار، فقد مارس مسؤوليته. أما إذا أخفى النتائج، أو غيّر معايير النجاح، أو اتهم كل من ينبهه إلى الضرر، فإنه يحول خطأً قابلًا للإصلاح إلى سياسة مستمرة.
وهنا تصبح حماية صورته عبئًا على الأمة. قد تُنفق موارد إضافية لإثبات صحة قرار سابق، مع أن هذه الموارد كان يمكن أن تعالج آثاره. وقد يُستبعد أصحاب الخبرة لأنهم حذروا من الخسارة، فتفقد الدولة المعرفة التي تحتاج إليها للخروج منها.
وأرى أن إحدى أخطر لحظات الحكم هي اللحظة التي يصبح فيها الاعتراف بالخطأ أصعب على المسؤول من تحميل الناس تكلفة استمراره.
حين تُعزل السلطة عن المعرفة
صانع القرار لا يستطيع أن يعرف كل شيء. لكنه مسؤول عن الطريقة التي تصل بها المعرفة إليه.
إذا أحاط نفسه بمن يوافقونه، واعتبر السؤال اعتراضًا على مكانته، فقد ينتهي إلى اتخاذ قراراته داخل صورة ناقصة صنعها نظامه نفسه. يسمع عن النجاح أكثر مما يسمع عن التعثر، وعن رضا الناس أكثر مما يسمع عن معاناتهم.
وقد لا يحتاج أحد إلى الكذب الصريح؛ يكفي أن يعرف العاملون أن نقل الأخبار السيئة يضر بمستقبلهم، حتى يبدأوا في انتقاء ما ينقلونه. عندئذ تصبح السلطة أكثر ثقة كلما أصبحت أقل معرفة.
وتلك مفارقة خطرة: فالثقة التي ينبغي أن تأتي من اختبار القرار تأتي من غياب الأصوات التي تختبره.
ضرر يتجاوز الحاضر
في القرارات العامة لا تقتصر الخسائر على المال الذي أُهدر. هناك فرص لم تتحقق، وخبرات غادرت، ومؤسسات فقدت قدرتها، وثقة يصعب استعادتها.
قرار تعليمي ضعيف قد يؤثر في جيل كامل قبل أن تظهر حصيلته. وإضعاف مؤسسة بحثية قد يحرم المجتمع سنوات من القدرة على الابتكار. وتجاهل تدهور خدمة أساسية قد يجعل إصلاحها لاحقًا أشد تكلفة.
لذلك لا يصح أن نقيس القرار بما افتُتح أو أُعلن وحده. علينا أن نسأل أيضًا: ماذا أصبح الناس قادرين على فعله؟ وهل زادت قدرة المجتمع على التعلم والإنتاج والتكيف؟ قد يكون النجاح ظاهرًا في الصورة، بينما تكون الخسارة متراكمة في حياة الناس.
خطر تحويل المواطن إلى مادة في تجربة
وأرى أن المسؤولية الأخلاقية لصانع القرار تتضاعف حين لا يتحمل بنفسه معظم تكاليف قراراته.
فقد يقرر إجراءً اقتصاديًا لا يمس مستوى معيشته، بينما تعيد الأسر بسببه ترتيب الطعام والعلاج والتعليم. وقد يؤخر إصلاح خدمة يستطيع هو الحصول على بديل عنها، بينما لا يملك المواطن هذا البديل.
ولهذا ينبغي أن يسمع تقييم الضرر من الذين يعيشونه. لا يملك صاحب القرار أن يقرر وحده أن التكلفة محتملة، إذا كان غيره هو الذي يدفعها.
إن احترام الإنسان يقتضي إدخال تجربته في حساب القرار، وإتاحة فرصة حقيقية له للتعبير عن أثره.
كيف تحمي الأمم نفسها
في تقديري، لا تكون الحماية بالبحث عن قائد معصوم، وإنما ببناء نظام يجعل الخطأ قابلًا للاكتشاف والتصحيح.
تعدد مصادر المعلومات، واستقلال الخبرة، وحرية النقاش، ووضوح المسؤوليات، وقياس النتائج، كلها وسائل تحد من امتداد سوء التقدير. كذلك فإن تجربة السياسات على نطاق محدود، متى كان ذلك ممكنًا، تسمح بالتعلم قبل تعميم الضرر.
والمحاسبة العادلة تحتاج إلى التمييز بين قرار اتُّخذ بعناية ثم أخفق، وقرار تجاهل الأدلة أو استمر رغم ظهور أضراره. إذا عاقبنا كل إخفاق، شجعنا إخفاءه؛ وإذا أعفينا كل مسؤولية، شجعنا تكراره.
وأرى أن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تغير قرارًا دون أن تهتز مؤسساتها، وأن تستمع إلى النقد دون أن تعتبر وجوده أزمة.
التعليم والتواضع أمام المعرفة
وأعود من هنا إلى التعليم، لأنه المكان الذي يمكن أن يتعلم فيه الإنسان كيف يختلف، وكيف يراجع نفسه.
حين نعاقب الطفل على السؤال، ثم نطلب منه عند الكبر أن يكون مبتكرًا، فإننا نطالبه بقدرة ،ضيقنا عليها منذ البداية. وحين نجعل تغيير الإجابة علامة ضعف، فإننا ندربه على الدفاع عن الخطأ.
أريد تعليمًا يمنح الطفل حق السؤال، ويعلمه مسؤولية البحث عن الدليل. تعليمًا يربط الحرية باحترام الآخرين، والثقة بالنفس بالاستعداد للتعلم. فالتواضع أمام المعرفة لا ينتقص من الإنسان؛ إنه يوسع قدرته على الفهم.
الكتاب مرآة لنا والسؤال الذي يتركه
أخطر قراءة لهذا الكتاب أن نخرج منه بقائمة من الأشخاص الذين نراهم أغبياء، ونحن مطمئنون إلى أننا خارجها. أما القراءة التي أجدها أكثر فائدة، فتبدأ بالسؤال عن أنفسنا: كم مرة تمسكت برأي دفاعًا عن صورتي؟ وكم مرة تجاهلت تكلفة قراري على غيري؟ وكم مرة اعتبرت اختلاف الرأي نقصًا في الفهم، قبل أن أمنحه فرصة؟
إنني لا أريد أن أستخدم هذا الكتاب لإدانة البشر، بل لفحص ما نفعله، وكيف نبني مؤسساتنا، وكيف نربي أبناءنا.
وحين أقرأ تشيبولا من زاوية مصائر الأمم، أجد أن السؤال الأهم يتجاوز ذكاء رئيس حكومة أو مسؤول: هل يسمح نظام الحكم للمعرفة بأن تصل إليه، وللخطأ بأن يظهر، وللقرار بأن يتغير؟
فالقدرات الفردية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لحماية مجتمع. وقد يصبح المسؤول واسع المعرفة مصدر ضرر إذا اعتقد أن معرفته تغنيه عن الاستماع والمراجعة.
ولهذا أضيف إلى تعريف الغباء في المجال العام معنى أراه ضروريًا: أشد صور سوء التقدير خطرًا هي التي تملك سلطة واسعة، وتُحمّل الآخرين تكلفتها، ثم تغلق أبواب تصحيحها.
إن الأمم تدفع ثمن القرار الخاطئ، لكنها تدفع ثمنًا أكبر حين يصبح استمرار الخطأ شرطًا لحماية هيبة صاحبه.
الكتاب الثاني هو تاريخ الغباء البشري
وهو قراءة في كتاب والتر بيتكين
فحين نتأمل تاريخ الإنسان، نميل إلى روايته من خلال الاكتشافات الكبرى، والحضارات التي نشأت، والأفكار التي غيرت العالم. لكن هناك تاريخًا آخر يسير إلى جواره: تاريخ الأخطاء التي تتكرر، والفرص التي تضيع، والقرارات التي يدفع البشر ثمنها رغم أنهم كانوا يملكون وسائل أفضل للفهم والاختيار.
هذا الجانب هو ما يثيره كتاب «مقدمة قصيرة لتاريخ الغباء البشري» للكاتب الأمريكي والتر ب. بيتكين. عنوان ساخر في ظاهره، لكنه يطرح سؤالًا يستحق التوقف: لماذا لا يؤدي اتساع المعرفة دائمًا إلى تحسن الحكم على الأمور؟
الكاتب
ولد والتر ب. بيتكين عام 1878، وتوفي عام 1953. عمل بتدريس الفلسفة وعلم النفس في جامعة كولومبيا، ثم أستاذًا في كلية الصحافة بها. وكتب في موضوعات متعددة تتصل بالتعلم والسعادة والكتابة والحياة، ومن أشهر كتبه «الحياة تبدأ في الأربعين».
ويمنح هذا التنوع مدخلًا لفهم اهتمامه بالغباء: إنه يتناول الإنسان بوصفه كائنًا يفكر ويتعلم ويتواصل، ثم قد يعجز عن استخدام هذه القدرات استخدامًا نافعًا.
وأرى أن هذا السؤال يظل حاضرًا في حياتنا: ما الذي يحدث بين امتلاك القدرة وممارستها؟ ولماذا يستطيع الإنسان أن يكون بارعًا في مجال، ثم شديد القصور في مجال آخر؟
الكتاب
صدر كتاب A Short Introduction to the History of Human Stupidity عن دار سايمون وشوستر عام 1932، ويبلغ عدد صفحاته 574 صفحة، وهو ما يجعل وصفه بأنه «مقدمة قصيرة» مفارقة لافتة منذ البداية.
في المقتطفات المتاحة، ينبه بيتكين إلى الأثر المتراكم للأخطاء والتحيزات والتعصب، حين تصدر عن أعداد كبيرة من البشر لا يعانون بالضرورة اضطرابًا عقليًا. ويرى أن خطورة الغباء الاجتماعية تأتي من انتشاره، ومن وجود أصحاب سلطة يتصفون به، ومن إمكان اجتماع قدرات مرتفعة مع قصور شديد في الحكم.
ويستحضر عالم السياسة والمال والصناعة والصحافة، وينتقد قرارات مالية وإنتاجية سيئة، وإخفاء الحقائق المؤلمة، في سياق يشير فيه إلى أزمة عام 1929.
وهنا يختلف مدخله عن مدخل تشيبولا الذي ناقشناه من قبل. فتشيبولا يقدم نموذجًا محددًا للمكاسب والخسائر، بينما تفتح مقتطفات بيتكين سؤالًا أوسع عن القصور البشري وآثاره الاجتماعية. ولذلك لا أنقل تعريف أحدهما إلى الآخر، ولا أتعامل مع الكتابين باعتبارهما نظرية واحدة.
فمن وجهة نظري القدرة ليست ضمانًا للحكمة.
أهم ما يستوقفني في طرح بيتكين هو إمكان اجتماع القدرة العالية مع سوء التقدير.
قد يمتلك الإنسان ذاكرة قوية، ولسانًا فصيحًا، ومهارة في الحساب، لكنه لا يحسن تقدير أثر قراره على غيره. وقد ينجح في تخصص دقيق، ثم يتحدث في شئون المجتمع بثقة تتجاوز معرفته.
وأرى أن مصدر الخطر هنا هو انتقال الثقة من مجال إلى كل المجالات. فالنجاح يمنح صاحبه مكانة مستحقة، لكنه قد يغريه بالاعتقاد أنه لم يعد يحتاج إلى السؤال.
من حق العالم أن يُحترم في علمه، ومن واجبه أن يدرك حدود هذا العلم. ومن حق المسؤول أن يقرر في نطاق مسئوليته، ومن واجبه أن يستمع إلى المعرفة التي لا يملكها.
إن الحكمة تتطلب إدراك حدود القدرة، إلى جانب امتلاكها.
الغباء الذي يتراكم دون ضجيج
وأجد في فكرة تراكم الأخطاء معنى بالغ الأهمية.
فنحن نلاحظ الكارثة حين تقع، لكننا قد لا ننتبه إلى القرارات الصغيرة التي مهدت لها: تحذير لم يُقرأ، ومعلومة حُجبت، وإجراء استمر رغم فشله، وصاحب خبرة ابتعد لأنه لم يجد من يسمعه.
كل واقعة تبدو محدودة إذا نظرنا إليها وحدها. لكنها حين تتكرر، تتحول إلى طريقة في العمل.
ومن وجهة نظري، فإن تدهور المؤسسات يبدأ أحيانًا من اعتياد القصور. يصبح التأخير طبيعيًا، وتصبح الشكوى إزعاجًا، ويصبح البحث عن السبب تهديدًا لمن اعتاد الوضع القائم.
ثم تأتي أزمة كبيرة، فنظن أنها ظهرت فجأة، بينما كانت تتكون في تفاصيل تجاهلناها طويلًا.
لكنني أتحفظ على بيتكين، لأني
لا أرى أن نقد الغباء يبرر احتقار الإنسان.
وتظهر في بعض مقتطفات بيتكين لغة حادة تصنف بشرًا تصنيفًا ينتقص من إنسانيتهم، وتصور العلاقة بينهم وبين الآخرين في صورة صراع إقصائي. وهذه لغة أتحفظ عليها، مهما كانت حدة النقد الذي يريد الكاتب توجيهه.
فإذا تحول الحديث عن الغباء إلى تقسيم الناس إلى بشر يستحقون الاحترام وآخرين أدنى قيمة، فقد أنتجنا تحيزًا جديدًا ونحن ننتقد التحيز.
وأفضل أن نحدد الفعل الذي نراه قاصرًا، والأسباب التي أدت إليه، والأثر الذي ترتب عليه، وفرصة تصحيحه. هذا أدق من إطلاق حكم شامل على الإنسان.
كما أرفض أن تصبح الكلمة تفسيرًا جاهزًا لكل ما لا نفهمه. فقد يكون وراء السلوك خوف، أو تضارب مصالح، أو معلومات ناقصة، أو نظام يكافئ الطاعة ويعاقب المبادرة. ولكل سبب معالجة تختلف عن الآخر.
كيف تتعلم الأمم من أخطائها
أرى أن المجتمع يحتاج إلى مؤسسات تستطيع تحويل الخطأ إلى معرفة.
يتطلب ذلك أن تكون النتائج قابلة للفحص، وأن تصل المعلومات إلى أصحاب القرار، وأن يستطيع أهل الخبرة الاختلاف معهم، وأن توجد مسئولية واضحة عن تجاهل الأدلة.
ويتطلب أيضًا تعليمًا يدرب الطفل على التفكير في أسباب إجابته، وعلى تغييرها حين يظهر دليل أقوى. فإذا ربطنا التفوق منذ الصغر بتكرار ما يقوله صاحب السلطة، فلا ينبغي أن نفاجأ لاحقًا بضعف الاستقلال في الحكم.
والحرية، في هذا السياق، تمنح المجتمع وسيلة لاكتشاف قصوره. فالرأي المختلف قد يكشف تكلفة لم يرها صانع القرار، أو بديلًا لم يضعه في حسابه.
السؤال الذي أخرج به
لا أريد أن أخرج من كتاب بيتكين أكثر استعدادًا لوصف الآخرين بالغباء. أريد أن أخرج أكثر انتباهًا إلى إمكان قصوري أنا، وإلى الشروط التي تجعل هذا القصور قابلًا للتصحيح.
فالأداة الحديثة تستطيع تنفيذ القرار بسرعة، لكنها لا تضمن سلامة الغرض الذي اختيرت من أجله. وكلما اتسعت قدراتنا، احتجنا إلى عناية أكبر بما نستخدمها فيه.
ولهذا فإن السؤال الذي أراه أهم من سؤال عدد الأغبياء هو: هل نبني مجتمعًا يسمح للعقل بأن يراجع نفسه، أم مجتمعًا يكافئ اليقين حتى حين تكذبه النتائج؟
إن تقدم الأمم يحتاج إلى المعرفة، وإلى شجاعة الاعتراف بما لم نعرفه، وإلى مؤسسات تمنع أن يصبح خطأ إنسان واحد قدرًا لا يستطيع الآخرون تغييره.
*****************************
مصادر التعريف بالكاتبين
كارلو م. تشيبولا، The Basic Laws of Human Stupidity، طبعة Doubleday، 2021، تقديم نسيم نيكولاس طالب.
صفحة الناشر وملخص القوانين:
نبذة الكاتب ومقتطفات الكتاب:
والتر ب. بيتكين، A Short Introduction to the History of Human Stupidity، سايمون وشوستر، 1932.
بيانات الكتاب على Google Books
مقتطفات من الكتاب
نبذة الكاتب وأعماله




