بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: الوطن والهوية

قد لا يصح أن نفصل بين الهوية و المواطنة التي هي بمعناها الأساسي علاقة الفرد بالوطن الذي ينتسب إليه، والتي تفرض حقوقا دستورية وواجبات منصوص عليها وأكثر من ذلك،.

والمواطنة الإيجابية لا تقتصر على مجرد دراية المواطن بحقوقه وواجباته فقط، ولكن حرصه على ممارستها من خلال شخصية مستقلة قادرة على حسم الأمور لصالح الوطن والمواطن.

ويؤدى التطبيق المجتمعي لمفهوم المواطنة في كافة المؤسسات إلى تنمية مجموعة من القيم والمبادئ والممارسات التي تؤثر في تكوين شخصية الفرد، ، والتي تنعكس في سلوكه تجاه أقرانه وتجاه مؤسسات الدولة وكذلك تجاه وطنه.

أما مفهوم الانتماء للوطن فيمكن القول أنه الارتباط الفكري والوجداني بالأمة والذي يمتد ليشمل الارتباط بالأرض والتاريخ والبشر والحاضر والمستقبل ، وهو بمثابة شحنة تدفع المرء إلى العمل الجاد والمشاركة البناءة في سبيل تقدم وطنه ورفعته. وهذا يرتبط أيضا بفخر المواطن بتاريخه وايمانه بمستقبله، وهي أمور لا تحدث وحدها بل يكتسبها الطفل والشاب من أسرته ومدرسته وجامعته وعمله.

والانتماء للوطن لا يعتمد على مفاهيم مجردة، وإنما على خبرة معاشة بين المواطن والوطن. فعندما يستشعر المواطن من خلال معايشته أن وطنه يحميه، ويمده باحتياجاته الأساسية، ويحقق له فرص النمو والمشاركة مع التقدير والعدل، تترسخ لديه قيم الانتماء له ويعبر عنها بالعمل والبناء لرفعته.

ببساطة الوطن ليس أرضاً بلا شعب

ليس مجرد حدوداً مرسومة ، فالشعب هو روح الوطن .

والشعب يمكن أن يتواجد مطرودا من أرضه والأمثلة متعدده عبر التاريخ.

الانسان هو عبارة عن روح تسكن جسداً اذا غادرته فإنه يموت ، وكل أمة هي روح بتاريخها وثقافتها وحضارتها وعندما تتواجد في أرضِ تخلق وطناً .

قرأت جدلاً حول مفهوم الوطن أساساً لكاتب سوداني يقول فيه:

“في قريش كان الكاهن يقول لعابدي الصنم : الصنم يطلب منكم بقرة حتى يلبي طلبكم !!!

وطبعا الصنم لا يتكلم، ومن يريد البقرة ويستفيد منها هو الكاهن !!

ولو قال الكاهن للناس أريد بقرة لي لما أعطاه إياها أحد , لذلك تكون الحيلة بإيجاد صنم يعبده الناس ويقدسونه ويموتون في سبيله و يعظمونه …

 

ثم يتصدر الكاهن الحديث باسم الصنم .. ويدعو الناس لتقديس الصنم وتعظيمه .. حتى إذا طلب من عابدي الصنم شيئا باسم الصنم , دفعوه للكاهن وهم فرحون بل ينتظرون من الكاهن أن يخبرهم بأن الصنم قد تقبل عطاءهم !!!

 

قبل الحرب العالمية الثانية .. وفي خطاب لهتلر قال أنه سيصنع للالمان إلها يعبدونه في الارض بدل الله !! , إنه الوطن الالماني .. في سبيله يموتون ومن أجل عزته ورفعته يضحون !!!

 

الوطن قد يتحول الي وثن معبود من دون الله كالـــصنم ، فهو لا ينطق. ومن يتحدث باسم الوطن هم السياسيون الذين يمثلون الكهان بالنسبة للصنم …

 

وعندما يطلبون من الناس التضحية للوطن فهم إنما يطلبون من الناس التضحية من أجلهم ومن أجل بقاء سلطانهم أسياداً على بسطاء الناس …

 

والناس العابدة للوطن فرحة ..

تموت في سبيل الوطن فيلقي عليها السادة اسم (شهيد الوطن) ..، بينما السادة لا يموتون في سبيل الوطن ولا يجعلون أبناءهم يموتون في سبيل الوطن والمصيبه أنهم أحياناً يفعلون لأن السلطة أحب اليهم من أبناءهم ..

 

 

 

تسمع دائما كلمات ضخمة مثل(خزانة الدولة – ممتلكات الدولة – أراضي الدولة – ھیبة الدولة – رئيس الدولة )

ويموت الجميع كي لا تسقط الدولة .. الدولة .. الدولة .. الدولة .

ولا يوجد أحد یسأل نفسه: ما ھي الدولة ؟!!! .. ما ھذا المسمى الاعتباري المقدس الذي تنسبون إلیه كل شيء ؟

ومن حقه أيضاً أن يسلب منكم كل شيء .. أرواحكم .. كرامتكم .. لقمة عيشكم !!

 

ما هو ھذا الوثن المقدس الذي تطلبون من الناس أن يجوعوا ليشبع ھو؟

ويتقشفون لينعم هو ؟؟

ويموتون لیعیش هو ؟؟

ويهانون من أجل أن حفظ هيبة الدولة ؟

 

في الحقيقة هم يخلطون متعمدين بين الوطن والدولة.

 

إذا تمت التضحية بالشعب ، ولم تتحقق آماله وطموحات أطفاله وشبابه، يموت الوطن…..ولا يتبقي سوي الأرض وهي وحدها بدون الأمة كجسد خرجت منه الروح…

وهنا يجب أن أميز بوضوح بين ما قصده الكاتب بـ”الدولة” وبين “الوطن” الذي بدأت به هذا المقال. فالوطن، كما أراه، هو الأرض والشعب والتاريخ والذاكرة المشتركة، أما الدولة فهي الجهاز الإداري والسياسي والمؤسسي الذي يُفترض أن يخدم الوطن ويحميه، لا أن يحل محله أو يتحدث باسمه كصنم مقدس. الخلط بينهما هو بالضبط ما يتيح لمراكز القوى أن تستولي على قداسة الوطن

 

ويتبادر إلي الذهن : وهل يتعارض الحفاظ علي الهوية الوطنية مثلاً مع حقيقة وجود هويات ثقافية ودينية مختلفة داخل نفس الوطن وهل يتلاعب فيها الآن آخرين؟.

فنحن مثلاً في مصر لدينا بعض الإختلاف في طبائع وطريقة كلام النوبيين في جنوب مصر ، عن الساحليين في شمالها ، وساكني الواحات ، بل بين بعض المحافظات وبعضها ، ولكن تضمهم هوية وطنيه مصرية واحدة.

إنه تساؤل وجيه ، لأنه يوجد من يريدون طمس هويات موجودة في نسيج الوطن رغبة في توحيد الجميع ثقافياً ، وهو قِصر نظر وعدم قدرة علي الرؤية المتكاملة ، لجمال التنوع داخل الكيان والواحد .

ويوجد أيضاً علي مستوي أوسع و بشكل أكثر عنفاً من يريدون طمس هويات شعوب بأكملها بكل ما فيها كما تفعل الصهيونية بالفلسطينيين، ومثلما يحدث مع الأكراد وغيرهم ، ولكنها حالات ، علي أهميتها ، تدخل في الإطار الاستعماري والاستيطاني والرغبة في فرض السلطة والخلاص ممن يعتبرونه عدواً.

وعبر التاريخ حاول قيادات كل دين نشر دينهم واعتبار الأديان الأخري واجبة الاختفاء بحكم أنهم الحق المطلق وغيرهم الخطأ المطلق ، وتسببوا في الحروب والقتل بدون مقدرة علي التعايش والتسامح و الإعتراف بأن الله خلقنا شعوباً وقبائل لنتعارف ولو شاء لآمن من في الأرض جميعاً.

أن جمال البشرية هو تعدد الهويات الثقافية لمجموعات الناس الذي يعطي البشرية ثراءاً وحيوية ، ولا يزال واجبنا ، بنضوج المعرفة أن نتعلم كيف نعيش سويا بل نتمتع ونتعلم من بعض ..

قالت لي شابة فيلسوفة مرة: يحيرني أننا نسعى إلى خلق مواطن عالمى من ناحية، وحصره فى حدود بلده من ناحية أخرى، أليس هذا تناقضاً؟.

قلت: إن تطور الإنسان الطبيعي ليس فيه تناقضاً، بل هو الاختلاف والتعدد الذي يعبر عن الإبداع والتنوع ولا يتناقض، لأن كل البشرية تشترك في كيفية خَلْقها وأسلوب انتقال چينات الأفراد الوراثية من جيل الي جيل ، وتوافق الأمم في العديد من القيم الإنسانية التي ،باختلاف أماكن وجودنا ، تظل هي هي القيم التي نسعي الي ارساءها في الأطفال غرباً وشرقاً ، شمالاً وجنوباً ، مثل الصدق والنزاهة والأمانة والمحبة وغيرها..

قالت: أساساً ما هو تعريف الهوية حتي يكون لحوارنا معني ؟.

قلت : الهوية هى مصطلح يستخدم لوصف مفهوم الشخص وتعبيره عن فرديته وعلاقته مع الجماعة المحيطة به .

الهوية هى مجمل السمات التى تُميز شيئًا عن غيره، أو شخصاً عن غيره، أو مجموعة عن غيرها ، و كل منهم يحمل عدة عناصر فى هويته.

عناصر الهوية هى شىء ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها فى مرحلة معينة، وبعضها الآخر فى مرحلة أخرى.

الهوية الشخصية تُعّرف شخصًاً بشكله واسمه وصفاته وجنسه وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده ومكانها. أما الهوية الجَمْعية فتدل على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميزهم عن مجموعات أخرى. أفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التى كونتهم كمجموعة، وتاريخ جمعي ، وكود وراثي قد لا يشاهدونه ولكنه موجود ، وربما يختلفون فى عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة متناسقة.

العناصر التى يمكنها بلورة هوية جَمْعية كثيرة، والمهم فيها هو التناسق والقبول بدرجات إختلاف بدون عداء.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى