
قد تكون على حق، لكنك تخسره في اللحظة التي تدافع عنه بالكذب. هذه هي المفارقة التي تتكرر كثيرًا، حيث تتحول قضية عادلة إلى قضية ضعيفة فقط لأن وسائل الدفاع عنها كانت خاطئة.
ما حدث بعد مباراة مصر والأرجنتين كان مثالًا واضحًا على ذلك. فمنذ صافرة النهاية، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالغضب، وهو غضب مفهوم ومبرر في جانب كبير منه. فقد قدم المنتخب المصري مباراة تليق بالاحترام، وظهرت تساؤلات مشروعة حول قرارات تحكيمية مؤثرة، سواء في العودة المتأخرة إلى تقنية الفيديو، أو في عدم احتساب ركلة جزاء لمصر قبل هدف الفوز الأرجنتيني. هذه قضايا تستحق النقاش، بل وتستحق مراجعة اللوائح حتى لا تتكرر مستقبلاً.
لكن، في المقابل، بدأ مسار آخر أكثر خطورة.
انتشرت تصريحات لم تُقل، وصور مجتزأة، وروايات لا أصل لها، وتحول الغضب من مناقشة القرار التحكيمي إلى مهاجمة أشخاص لا علاقة لهم به، حتى وصل الأمر إلى الإساءة لوالدة الحكم، وإلى تحميل ليونيل ميسي مسؤولية خطأ لم يصنعه، وكأنه هو من أدار غرفة تقنية الفيديو أو اتخذ القرار التحكيمي.
وهنا يتجاوز الأمر مباراة كرة قدم، ليصبح سؤالًا أخلاقيًا وفلسفيًا: هل يجوز أن نستخدم الكذب لإثبات ما نراه حقًا؟
في تقديري، لا.
فالحق لا يحتاج إلى التلفيق، بل إن التلفيق هو أول ما يضعف الحق.
قد ينجح الكذب في إثارة التعاطف لساعات، لكنه يمنح الطرف الآخر فرصة للهروب من مناقشة القضية الحقيقية إلى كشف الأكاذيب التي صاحبتها. وهكذا يتحول النقاش من سؤال: هل وقع ظلم؟ إلى سؤال آخر: من اخترع هذه الرواية؟، فتضيع القضية الأصلية وسط ضجيج لا يفيد أحدًا.
الحقيقة وحدها كافية إذا أحسنا عرضها.
ومن المؤسف أن ثقافتنا العامة كثيرًا ما تدفعنا إلى البحث عن شخص نُعلّق عليه غضبنا، بدلًا من البحث عن السبب الحقيقي للمشكلة. فالعقل الغاضب يريد وجهًا يكرهه أكثر مما يريد حقيقة يفهمها.
لهذا يصبح الحكم شيطانًا، ووالدته هدفًا للإهانة، وميسي شريكًا في مؤامرة لم يشارك في صنعها.
وهذا ليس عدلًا.
هناك فرق واضح بين من استفاد من قرار، ومن تسبب فيه.
الأرجنتين استفادت من قرار تحكيمي، لكن هذا لا يجعل لاعبيها مسؤولين عن اتخاذه. وميسي، مهما كانت مكانته، لم يكن صاحب الصافرة، ولم يكن المسؤول عن بروتوكول تقنية الفيديو.
إن تحميل المستفيد مسؤولية الخطأ لمجرد أنه استفاد منه، هو منطق يفتقد إلى العدالة التي نطالب بها.
والأهم من ذلك أننا كثيرًا ما نعجز عن الاعتراف بحقيقة بسيطة، وهي أن الأمور قد تكون مركبة.
فالمنتخب المصري قدم مباراة رائعة.
وفي الوقت نفسه، ارتكب جهازه الفني بعض الأخطاء.
ووقع ظلم تحكيمي في لحظات مؤثرة.
لكن ذلك لا يبرر اختراع مظالم أخرى لم تحدث.
ليست الموضوعية أن ننفي أخطاء فريقنا، ولا أن ننكر الظلم الذي وقع عليه، بل أن نستطيع حمل الحقيقتين معًا دون أن تلغي إحداهما الأخرى.
وهذه ليست مشكلة رياضية فقط.
إنها تكاد تكون سمة متكررة في حياتنا السياسية والإعلامية والاجتماعية.
كم من قضية عادلة فقدت قوتها لأن بعض المدافعين عنها بالغوا، أو لفّقوا، أو نشروا معلومات غير صحيحة؟ وكم من موقف صحيح تحول إلى مادة للسخرية لأن أصحابه أضافوا إليه ما ليس فيه؟
ليس كل من يتحمس لقضيتك يخدمها.
وأحيانًا يكون أكثر الناس إخلاصًا لها هو أكثرهم إضرارًا بها، حين يظن أن الغاية تبرر الوسيلة.
لكن الحقيقة لا تحتاج إلى وسائل غير شريفة.
فإذا كانت العدالة هي هدفنا، فلا يجوز أن نسلك إليها طريق الظلم.
وإذا كانت الحقيقة هي سلاحنا، فلا يجوز أن نغمدها في غمد الكذب.
ربما كانت مباراة كرة قدم هي التي أثارت هذه الأفكار، لكنها ليست سوى مرآة لمشكلة أكبر.
فالأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن حقوقها، بل أيضًا بالطريقة التي تدافع بها عنها.
وعندما نستبدل البرهان بالشائعة، والحقيقة بالمبالغة، والعدل بالانتقام، فإننا قد نكسب تصفيقًا عابرًا، وفي الأغلب مكسب محلي، لكننا نخسر أثمن ما تملكه أي قضية عادلة: المصداقية.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا، في الرياضة كما في السياسة، وفي الإعلام كما في الحياة، ليس: هل كنا على حق؟ بل أيضًا: هل بقينا أوفياء للحقيقة ونحن ندافع عن هذا الحق؟
لأن الحقيقة ليست مجرد وسيلة للوصول إلى العدالة…
بل هي أول شروطها.
ويبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تلتزم المؤسسات الرياضية العالمية نفسها بالمبدأ الذي ندعو إليه، وهو أن تبقى الرياضة مساحة إنسانية تعلو فوق الصراعات السياسية والأيديولوجية؟ أم أن العالم أصبح يوظف الرياضة أحيانًا لخدمة السياسة، حين يشاء، ويتحدث عن استقلالها حين يشاء؟ ذلك سؤال آخر، ربما يستحق مقالًا مستقلاً





